الاتحاد

الملحق الثقافي

الوحدة العضوية

رفع المسرح الكلاسيكي في الغرب شعار الوحدات الثلاث، وهي الحدث الدرامي والزمان والمكان، اعتمادا على تأويل خاص لمبادئ أرسطو في كتابه “فن الشعر” كما فهمه الشراح الإيطاليون في عصر النهضة، مع التسليم بضرورة الالتزام الحرفي بهذه المبادئ. لكن المؤلفين الإسبان، ويغلب عليهم الطابع الإبداعي لا التنظيري، فقد كان لهم موقف مغاير يتميز بفرادته وعفويته، وهو الموقف ذاته الذي حرص عليه شيكسبير، حيث كانوا يلتزمون بوحدة الحدث، باعتبارها التي تضفي على الدراما تماسكها العضوي، وتناميها المضطرد. أما المكان فهو يخضع للتغيير والتنوع طبقا لحقائق الواقع وضرورات العرض.
فمن المسلم به أن أي مشاهد مهما بلغ من السذاجة لن يصل إلى اعتبار خشبة المسرح هي المكان الحقيقي للأحداث مهما حاول المؤلف إيهامه بذلك، وعلى هذا فإن انتقال المكان خلال فواصل العروض لن يكسر هذا الوهم المفترض، فكل من الفنان والمشاهد على وعي بأن تمثيل المكان ليس حقيقيا مطابقا للواقع، وإنما هو تمثيل درامي. ومن ناحية الزمان لم يلتزم المؤلفون الإسبان بجدول الأربع والعشرين ساعة التي حصر الكلاسيكيون الزمن المسرحي فيها، بل كانوا يعطون لأنفسهم الحرية في تصور الأحداث ممتدة على سجيتها وفي إطارها الطبيعي، دون محاولة خنقها أو ضغطها كي تخضع للقالب الكلاسيكي الجامد الذي يجعلها متكلفة ودون أن يصل بها الطول إلى التمدد والترهل وفقدان خاصيتها في التوتر والتركيز، ومع ذلك فإن كبار المؤلفين الإسبان مثل “لوبي دي بيجا” كان يستحسن أن تقع الحوادث في أقصر فترة زمنية ممكنة، حتى لا تفقد كثافتها أو حرارتها، دون تقيد بعدد محدد من الساعات أو الأيام، فهذا متروك لمرونة المؤلف الذي يحرص على أن تحتفظ الحوادث بتلقائيتها ونموها الطبيعي. أما القطب الثاني وهو “كالديرون دي لا باركا” فكان أشد تملكا لانتباه المشاهدين وأقدر على صناعة الحبكة واحتكار التوتر.
على أن آخر خاصية لافتة في المسرح هي حفاظه على طبيعته الشعرية، وهي لا تقتصر على لغته فحسب، ولا تتمثل في أنه مكون من أبيات شعرية منظومة على الطريقة التي كانت تسمى بالإيطالية، أو على أساس المقاطع الثمانية، بل تتجاوز ذلك إلى روح النفي الدرامي ذاته، حيث يتم توزيع الأبحر المختلفة على المواقف المتنوعة لإعطائها الإيقاع الملائم لحركتها ونوعية أحداثها، كما تنبثق في ثناياها الصور الشعرية التي تزخر بالنغم العميق من ناحية والطابع التشكيلي المتجسد من ناحية ثانية، وتنطلق من تعبيراتها الشحنات العاطفية والدلالية المكثفة في توازن دقيق، كل هذا يجعل عملية التدفق الدرامي مفعمة بالروح الشعري. وقد كان المسرح في هذه العصور مدينا بنجاحه إلى قوة شعريته ونفاذه إلى أعماق الناس أكثر مما هو مدين للحكايات التي يقدمها والحبكات التي يصطنعها، فمثل هذه العناصر متوفرة في السرود الملحمية والقصصية، لكن المسرح يتوهج بشعريته الآسرة وحيويته النابضة.

اقرأ أيضا