الاتحاد

تقارير

ملامح سياسة ماكرون الخارجية

الخطوات الدبلوماسية الأولى للرئيس الفرنسي الجديد إيمانويل ماكرون (الذي ينبغي التأكيد على صغر سنه -39 عاماً- ونقص تجربته الدولية) كانت مرتقبة جداً، سواء داخل فرنسا أو خارجها. ومما لاشك فيه أن جانب «الجِدة» في الرئيس الفرنسي كان يفسّر هذا الفضول والاهتمام الكبير، ولكن هذا كان يمثّل أيضاً مؤشراً على الهالة التي تتمتع بها فرنسا على الساحة الدولية. ووفق الصحافة الفرنسية -المؤيِّدة عموما لإيمانويل ماكرون- ولكن أيضاً الصحافة الدولية -التي لا تميل عادة إلى الثناء على الزعماء الفرنسيين- فإن خطواته الدبلوماسية الأولى كانت ناجحة وموفقة بشكل عام.
والموعد الأول المرتقب هو ذاك الذي جمع الرئيسين الفرنسي والأميركي على هامش قمة حلف «الناتو». وقد لفتت انتباهَ المراقبين هنا بشكل خاص المصافحةُ الطويلة التي كادت تشبه رهان قوة -وقد بدأها الرئيس دونالد ترامب. ذلك أن هذا الأخير اعتاد على فرض هيمنته على مخاطبيه قصد إظهار تفوقه، بما في ذلك جسدياً أحياناً. وقد قبل ماكرون التحدي، ومن خلال هذه اللفتة الرمزية، بدا أنه يضع النقاط على الحروف بخصوص مستقبل العلاقة الفرنسية- الأميركية. فباريس توافق على التعاون مع واشنطن ولكن شريطة ألا تُعتبر تابعةً لها. كما أظهر إيمانويل ماكرون أيضاً أنه يريد أن يبدو تصالحياً بشكل أقل وحازماً أكثر من فرانسوا أولاند. وماكرون، الذي كان في قلب اجتماع مجموعة السبعة، الذي أعقب قمة الناتو، كان أيضاً العنصر الجاذب فيها، هذا في حين تميز ترامب عن كل رؤساء الدول والحكومات الذين أقاموا داخل القصر نفسه، واختار قضاء الليلة على سفينة بحرية في عرض سواحل صقلية التي احتضنت القمة. كما أنه كان بعيداً أيضاً عن نظرائه بخصوص كل القضايا المطروحة للنقاش باستثناء موضوع الإرهاب.
بيد أن ما يلفت الانتباه بشكل خاص في هذه التجربة الأولى لإيمانويل ماكرون في المجال الدبلوماسي هي زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لفرنسا. فهذه الزيارة لم تكن مقررة ولم تكن تمليها الأجندة، وإنما كانت فرصة حرص الرئيس الفرنسي الجديد على اغتنامها بمناسبة افتتاح المعرض الذي كان مقرراً منذ وقت طويل وخُصص لـ«بطرس الكبير»، القيصر الروسي الذي أقام علاقات دبلوماسية مع فرنسا قبل 300 سنة من اليوم. وعلى سبيل المقارنة، فإن فرانسوا أولاند، سلف ماكرون، لم يفعل الشيء نفسه في مناسبة مماثلة -مناسبة تدشين الكاتدرائية الأورثوذوكسية في باريس. ومن خلال استضافته لبوتين في قصر فرساي، وليس في قصر الإيليزيه، نزع ماكرون الطابع الرسمي عن هذا اللقاء، مقللاً من شأن كونه أول زعيم أجنبي يُستقبل من قبل الرئيس الجديد منذ وصوله إلى السلطة. وكان يتوقع انتقادات من الصحافة الفرنسية المعادية جداً لبوتين.
والواقع أن ماكرون لم يكن بالضبط هو المرشح الذي كان الكريملن يأمل في فوزه في الانتخابات الرئاسية الفرنسية. فخلال الحملة الانتخابية، كان هذا الأخير هدفاً لانتقادات قوية من قبل وسائل الإعلام الروسية. وكان بوتين، الذي استقبل مرشحةَ حزب «الجبهة الوطنية» اليميني المتطرف مارين لوبين، يتمتع أيضاً بعلاقات قوية مع مرشح اليمين فرانسوا فيون. غير أن ماكرون أدرك، بعد أن أضحى رئيساً، أن فرنسا لا يسعها تجاهل روسيا بالنظر إلى أهميتها الاستراتيجية. وهنا أيضاً، وانسجاماً مع تقليد ديغولي- ميتراني (نسبة إلى الرئيسين ديغول وميتيران)، أراد ماكرون إبراز المصلحة الوطنية للعلاقات الفرنسية- الروسية. ولكن من جهة أخرى، ورغبةً منه في إظهار حزم دبلوماسيته، لم يتردد ماكرون في التعبير عن موقفه بصراحة، منتقداً وسائل الإعلام الروسية ومحاولاً الظهور بمظهر الواثق بخصوص الملف السوري، وخاصة من خلال تهديده بشن ضربات ضد نظام بشار الأسد في حال لجأ هذا الأخير مرة أخرى إلى استخدام أسلحة كيماوية.
ماكرون، سواء مع ترامب أو مع بوتين، لم يخرج عن التقليد الذي أشار إليه ضمن حملته الانتخابية، والذي يبدو أن سلفيه ساركوزي وأولاند قد نسياه . ففرنسا حليفة للولايات المتحدة، ولكنها لا تتفق مع كل سياساتها. كما أنها مهتمة بالحوار مع موسكو، ولكن من دون أن يعني ذلك التخلي عن مواقفها الخاصة.

*مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس

اقرأ أيضا