الاتحاد

الملحق الثقافي

بين العيون

قرصان كان جده وجدي
يسكنان في البئر نفسه،
ويشربان من العواصف نفسها،
لقاني مرَّة
وأنا جالس بجوار باب البيت
أخطُّ على الرمل
حروفي الأولى،
وأغرّر بالأمواج
حتى تسقط في حبائلي،
فناداني،
ثم عندما اقتربت منه
أخذني بيده المقطوعة،
وسلَّط عليّ نظراته السحيقة،
وقال:
ـ لم لا تذهب الى هناك...؟
وكنتُ أسمعُ عن الهناك،
عن العالم الممتلئ بهناك،
عن الهناك التي أهلكت الهنا،
وجعلته بلا رأسٍ،
ولا ذنب...
عن الهناك التي عَّبت الهنا،
وأذاقته صنوف الاغتراب،
وذلك بعد ما نادته،
ودعته لزيارة مقصورتها
الدافئة،
وعندما دخل
ألقته على السير
كما تُلقى الغابات،
وقطَّعت روحه
كما تُقطع الأخشاب،
وعندما تحول الى رماد
رمته في المكب
كما يرمى الرماد
وكنتُ أسمع عن الرماد
الذي ظلَّ يسبح في النهر،
وعن النهر الذي طالما
يسبح في البحر،
عن سماوات منكوبة
تسقطُ كالغربان
على رؤوس الجبال،
وسماوات مفتوحة
على مراعي الخيال...

وكنت أسمع عن المسافرين الذين لم يعودوا،
والمسافرين الذين عادوا بلا أصابعهم،
والذين عادوا مع أصابعهم
وهي تحمل الجمر كالأظافر،
وتمشي على الشوارع
والورق،
فهي الهواء
كالدّم
وكنتُ أسمعُ عن البحر الذي دخل في الموجةِ،
وعن الموجة التي تخرج عارية
من غرفة البحر،
وكنتُ أسمعُ عن السفن التي ذهبت الى البحر،
وعندما وجدته سافرت معه،
تاركة الرمل يأكل نفسه
من القلقِ،
والصخور لا تستقر،
ولا يوضعُ قدر على النار،
إلا وتوقد بالآه،
الآه التي سمعت عنها كثيراً...
وكنت أسمعُ كذلك
عن أكل المنفى للحوم البشر،
وعن الصعوبة التي تتكبدها القوارب
التي لا ترضى عنها الرياح،
وكنت أسمع...
ولكني الآن هنا، مربوط هنا، مرابط،
أخاف من الحلم الذي تأخذني فيه أمي بالأحضان،
ومن الأحضان التي أغرقت الطرقات، ومن الطرقات التي تخلَّت عن العابرين، والأمواج
التي عادت من زيارة قارب الموت، فلم تجد الساحل:
ـ لن أذهب الى هناك.
فقال لي القرصان:
ـ كل جرة لمن يحملها، فهل
أنت جرة؟،
وكل موجة ولها بحر،
فأين بحرك؟
وقال لي
ـ كل الأمواج تسافر، إلاَّ أنت...
ـ إلا أنا...
قلت لنفسي: - إلا أنا! وسافرت...
قطعتُ جبالاً خائفة
وودياناً جائعة
ودروباً في الحجر،
ودروباً في الماء،
وفي السماء...

حتى وصلت إلى مرآة عميقة
تُدعى الصحراء،
فرأيتُ مراود السحب
تبحث عن جفون العيون،
ورأيتُ ماذا يفعل
بكل ما عنده من أمواج،
ورأيت الجبل نائماً في التابوت
بانتظار من يحمله
إلى المقبرة...
كما رأيتُ الشر يركض كالقلاب
والاسوار تتطارده،
ورأيت الحجر يعترف بأبوة الرمل،
والبئر يزحف حتى يسقط
في العين،
ورأيت العين التي تدلُ الطرقات
على البيوت،
ورأيت البيوت ساجدة كالخرفان
ترعي العشب
في خلاء المئذنة،
ورأيت المئذنة واقفة هكذا من زمانٍ
وهي بانتظار الرَّد،
ورأيت المسجد تحتها يئن
من أهوال القيامة،
ورأيت القيامة تدخلُ منزل أحدهم وهي تحمل كيساً أسودا فيه زجاجة بللورية، لا شرقية ولا غربية، يشرب منها الليل، ومرايا الليل، ورفاق الليل، ولا تنتهي...
ورأيتني حائراً إلى أين أذهبُ،
هل أصعدُ الجبل
فتأكلني السماء،
أم أدخل إلى أحد الآبار
ويمزق قميصي الرمل؟

فقررت العودة إلى قريتي،
والبحث عن ذلك القرصان
الذي لوَّث حياتي
كي أملأ عينيه
بتراب رحلتي،
ولكني حين سألت عنه في القرية،
لم أجد أحد يعرفه،
أو سمع عنه...

كأنه لم يكن أبداً،
كأنه لن يكون
فتركت تلك القرية للأبد،
وركبت سيارة أجرةٍ
متجهاً نحو الغرب،
وفي السيارة تعرفت إلى رجل غامضٍ قال لي بأنه، ومن قرون، كان هناك، في القرية التي تركناها قبل قليل، قرصان، وأن ذلك القرصان لم يترك سفينة إلا ونهبها، ولا جزيرة إلا وطواها، ولا موجة إلا وركبها...

عيناه مفقوءتان،
وإحدى يديه مقطوعة،
وفي ركبتيه دُفن رصاص الأعداء،
وعلى قميصه كان الدم يصرخ
كآلهة مسجونة...
ـ ثم ماذا حدث بعد ذلك؟
سألته، فقال:
ـ ذات يوم قام القرصان
من الندمِ،
وغرق في البحر
الذي كان يجمع منه السفن
والأمواج،
غرق في البئر
الذي كان يشرب منه الدم،
غرق في النهر
الذي يجري بين العيون


a.thani@live.com

اقرأ أيضا