الاتحاد

الملحق الثقافي

«مغناطيس» باريس..

ظلت العاصمة الفرنسية باريس منذ قرون من أعظم المراكز الثقافية في العالم، بل طالما كانت ملتقى لأهل الفكر والفن، وداراً عظمى للمعارف والعلوم، وهي المدينة التي يحلم الكثير من الكتّاب الشبّان العرب بالعيش فيها لما ارتسم في أذهانهم من صورة مغرية عنها من خلال مطالعاتهم الكثير من كتب الأدباء الذين ساهموا في رسم صورة جميلة عنها. من ذلك مثلاً كتاب “عصفور من الشّرق” لتوفيق الحكيم، أو كتاب “الأيّام” لطه حسين، أو رواية “الحيّ اللاتيني” لسهيل إدريس. وباريس خلّدها أيضاً رفاعة الطهطاوي في كتابه الشهير “تخليص الإبريز في تلخيص باريز”. واللافت أنّ نظرة جل أدباء العربية إلى باريس، ولا سيما من الذين أقاموا فيها مقاماً طويلاً للدراسة بجامعاتها ظلت نظرة عاطفية، أو شعرية، كانوا يلوّنونها بلون أنفسهم الغريبة ويطبعونها بطابع مثاليتهم حتى تصطبغ صورها بصبغة الإحساس الشرقي، فترسم عليها رسوم خيالهم وتنعكس فيها ملامح الدنيا التي يتصورون وبها يحملون. ويرى الأكاديمي التونسي الراحل فرحات الدشراوي أن من أبرز من نظر إلى باريس تلك النظرة المرحوم الدكتور زكي مبارك، فقد نزع في “ذكرياته” عن المدينة العجيبة منزع الخيال والشعر وسلك في تصوير “لوحاته” مسلكاً رومانسياً حتى ألحّ في إظهار الأشكال الغريبة، والملامح المتناقضة، فكانت باريس في مناظره مدينة المادة والروح، والشر والخير، والقبح والجمال، والفساد والكمال، مدينة الظلام والنور، والبؤس والسعادة، مدينة الرذيلة والفضيلة.
وعلى الرغم من أن باريس لم تعد ـ كما كانت ـ المكان الراعي والمفضل لطلائع الكتّاب والمبدعين من شتى بقاع الأرض، إلا أن بريقها، و”سحرها” بقي عنصر جذب للفنانين والمبدعين من العالم بأسره فهي بالنسبة للمثقفين وللأدباء في العالم بأسره دائماً المدينة المفضلة، فالروائي الأميركي أرنست هيمنغواي عاش سعيداً في باريس على الرغم من أنّه عاش فيها فقيراً، ولكن باريس الأمس ليست باريس اليوم. يقول أديب من أميركا اللاتينية: “أعيش بباريس اليوم فقيراً وغير سعيد”. ولكن إذا حقق الواحد منهم ـ على غرار الطاهر بن جلون أو أمين معلوف ـ شهرة وموقعاً، فإنه يضمن لنفسه مكانة أدبية مرموقة وحياة مرفهة، ومالاً وفيراً يغنمه من بيع كتبه.

أبواب السوربون
يأتي الشبان الأجانب إلى باريس يحلمون بالمجد الأدبي وعادة ما يسجلون أنفسهم بجامعة “السوربون”، فيكتشفون أن الحياة في العاصمة الفرنسية صعبة وأن ضمان لقمة العيش بالعمل حتى ولو كان حارسا بأحد الفنادق، أو في تنظيف الشقق أو المصانع أو المباني، أو أي عمل آخر ليس أمرا متاحا دائما، وتتبخر الأحلام بأن يصبح المهاجر أديبا مشهورا وكاتبا مرموقا، ويكتفي بالجلوس في المقاهي الثقافية الشهيرة. ولكم تغنى أدباء العربية بالمشرق والمغرب بباريس فمدحوا “السوربون” وعظّموا منزلتها بين الجامعات، وذكروا علو شأنها بين الكليات، وأعجبوا بالمتاحف والمكتبات، واستحسنوا ما استحكم فيها من فنون التمدن.
والمعروف أن عمالقة الفكر الفرنسي درسوا بالسوربون، ومنذ 1970 تمت إعادة هيكلة هذه الجامعة فانقسمت إلى ثلاث عشرة كلية، ثلاث منها فقط بقيت تحمل اسم السوربون، وبقيت في الحي اللاتيني. والمبنى الرئيسي للسوربون المجاور لـ”البانثييون” (مقبرة العظماء) أتى عليه الزمن، فالجامعة تشكو من قلّة عدد الموظفين ومن ضيق وتقادم المبنى، فالزمن توقف في “السوربون” والأبواب بسبب تقادمها واهترائها تحدث ضجيجا وأزيزا مزعجا عند فتحها أو غلقها، ولكن وعلى الرغم من ذلك فالجامعة حافظت على شهرتها ومجدها، فهي تجلب إليها الطلبة من جميع أنحاء العالم، فخمس طلبة السوربون يأتون من خارج فرنسا، علماً أن ثلاث جامعات فرنسية فقط تم إدراجها ضمن مائة أفضل جامعة في العالم.

الحلم والواقع
يقول أديب كولومبي اسمه هوسانتياغو غامبووا وهو أديب شاب: “إن ما يعذبني ليس ما قاسيته من آلام في باريس، ولكن اللامبالاة هي التي كانت الأكثر قسوة، وعلى الرغم من كل ذلك فباريس لها مغناطيس خاص حتى أن هناك من يقول أنه لا يمكن أن يكون المرء أديبا كبيرا إن لم يعش في باريس”.
وصدر كتاب بمقدمة الروائي الأندلسي جوزيه مانوال فابادو، وهو أيضا من الّذين اختاروا الإقامة الدائمة في باريس. يقول فيه: “إنه لم يبق في باريس إلا الديكور”. أما إيدي هاريس وهو أميركي حلم بزيارة باريس منذ دراسته اللغة الفرنسية على يدي أستاذه المستر كوك، فقد حقق حلمه واستقر بباريس وألّف كتاب: “باريس بالأسود.. والأسود” Paris en noir et black. والمؤلّف وهو أسود أميركي يؤكد في كتابه “إن فرنسا والفرنسيين يخافون من المسلمين” مضيفاً: “قد يتقبلونك إذا كنت أميركياً.. أما إذا كنت إفريقياً فالأمر يصبح مختلفاً”.
أما الكاتب والروائي الكوميدي سانتياغو غامبوا Santiago Gamboa فإنه يتحدث في روايته الجديدة Le Syndrome d’Ulysse عن صعوبة الإندماج في عاصمة النّور، فهذا الروائيّ هاجر إلى باريس واستقر بها منذ أكثر من عشرين عاماً يحدوه الأمل بأن يصبح كاتبا كبيرا. فراح يبحث عن باريس الأدبية التي آوت الروائي الأميركي أرنست هيمنغواي وجيمس جويس، ولكنه وجد مدينة أخرى، المال هو فيها العالم الأساسي، فعندما كان طالبا في السوربون وجد عملا يؤمّن له راتبا هزيلا لم يمكنه من ضمان حياة كريمة له. يقول: “لم أجد باريس التي صورها لنا الأدباء الكبار، ولكني وجدت نفسي في باريس الأعمال الشاقة! باريس المطر والبرد والوجوه “المنغلقة”، باريس الخوف، فكل الناس خائفون”. ولا يمكن اعتبار روايته سيرة ذاتية، لكن أبطالها يستمرون في الحلم والعيش بباريس، غير إن المهاجر ـ كما يقول ـ يشعر في باريس أنه نكرة، إنه لا شيء، والأشد إيلاما ليس مشاعر الحزن والوجع التي تنتاب المهاجر بل الإحساس بأن الجميع لا يهمهم أمرك وهم لا مبالون بك أصلا، وأمام هذا الوضع المؤلم الذي حطم في الكاتب الشاب الحلم فإنه قرر أن يرحل ـ مع حبيبة له ـ إلى روما، ولكنه يعترف بأن باريس تمتلك ما يشبه المغناطيس الذي يجذب كل كاتب مر بها يوما.
وتؤكد رشيدة داتي، وهي رئيسة بلدية الدائرة السابعة لباريس “إنه للأسف فإن باريس لم تعد تغذي الحلم”، إلا أن الروائي Jorje Edward يقول: “إن في باريس سحرا، هو الذي يعيدنا إليها دائما، وهي التي عرفنا فيها الحب والألم، ويعترف كاتب آخر وهو إسباني بأنه يعود إلى باريس ست مرات على الأقل في العام الواحد فقد طالع وهو في الرابعة عشرة من عمره كتاب Paris est une fête (باريس هي حفلة)، وسكنه اليقين بأنه لا يمكن أن يصبح كاتبا وروائيا كبيرا إلاّ بعد أن يقيم في باريس ويعيش بها، لذلك قرر أن يعيش داخل هذه المدينة الأسطورية وأقام بها، وألف كتابا معترفا فيه “إنه خلافا لباريس هيمنغواي الذي عاش في العاصمة الفرنسية فقيرا جدا وسعيدا جدا فإني عشت فيها فقيرا وتعيسا”.

مدينة الكد والجد
وباريس احتضنت أسماء لامعة في عالم الفكر والأدب والفن، فقد عاش في باريس صامويل بيكيت الأيرلندي ويونسكو الروماني، ومروجيك البولوني وجورج شحادة اللبناني.
وباريس هي مدينة المقاهي والملاهي والمسرح والملذّات والشهوات، وهي ـ بشهادة فرحات الدشراوي ـ كذلك مدينة الكد والجد والعمل والفعل والجهد الجهيد. فإنك ترى فيها الناس، والفجر قد لاح يغدون للشغل وكد الجبين، ثم تقوم المدينة للعمل في جلبة المصانع، وضوضاء الأسواق، وازدحام المتاجر، وتتحرك الشوارع حتى تغص بتكاثر المشاة وسيل السيارات وجميع العجلات، وكل لشغله منقطع، وعلى القيام بعمله ساهر، وبقضاء أمره متعلّق.
وقد صدر هذه الأيام كتاب جديد للتونسي حبيب الجنحاني بعنوان “سمر على ضفاف نهر السان” يستعرض فيه ذكرياته عن إقامته يوم كان طالبا في السوربون في منتصف الخمسينات، وهو يتذكر المقاهي الباريسية والمطاعم والأماكن منذ منتصف القرن العشرين حين كان يجلس إلى من يسميهم بـ”رفاق الأمس” بالحي اللاتيني وكان يجمع بينهم حلم الاستقلال وبناء دولة وطنية حديثة تحقق الحريات والتقدم والعدالة الاجتماعية.
وخص الحبيب الجنحاني فصلا مطولا للحديث عن جان بول سارتر، وسيمون دي بوفوار، وتحدث مطولا كذلك عن مقهى “فلور” الشهير الذي يؤمه المفكرون، ومن بينهم سارتر ودي بوفوار. ويقول الكاتب التونسي مصطفى عطية من جهته أنه أمام مبنى “السوربون” يشعر بتيارين من الأحاسيس تتجاذبه بعنف، تيار الانبهار بهذا المعلم الفكري المعرفي والعلمي الشهير، وتيار الأسف والألم على المواقف المخجلة التي صدرت عن بعض رموزه في النصف الثاني من القرن الماضي وبداية هذا القرن ضد العرب والمسلمين، فمن السوربون قاد جان بول سارتر تظاهرة العداء للعرب خلال حرب يونيو 1967، وفي منابر هذا الصرح العلمي الشهير تكونت بعض عقول الحقد على أمتنا وحضارتنا.

اقرأ أيضا