الاتحاد

تقارير

كوريا الجنوبية: صدمة «مهاجر»

جيونج كيم
كاتب أميركي من أصل كوري جنوبي


شرفُت مؤخراً بدعوة من الرئيسة «بارك كون-هيه» للعودة لكوريا الجنوبية وقيادة جناح جديد في الحكومة. وقالت لي الرئيسة إنني على الرغم من كوني مواطناً أميركياً، فإنني امتلك الخبرة المناسبة والمعرفة الفنية التي تمكني من إطلاق وزارة «العلوم، والمعلومات، والاتصالات، والتقنية، والتخطيط المستقبلي» التي ستكلف بإحداث نقلة نوعية في الاقتصاد الكوري الجنوبي.
في 12 فبراير، غادرت الولايات المتحدة وطرت إلى سيؤول لقبول التحدي. في 4 مارس أي بعد أقل من شهر «سحبت ترشحي» للوزارة عندما بدا لي بوضوح تام أن البيئة العملية السائدة في كوريا الجنوبية في الوقت الراهن ستعوقني- باعتباري شخصاً غريباً- عن تنفيذ المهمة المنوطة بهذه الوزارة.
نظراً لعدم وجود اهتمام جدي لدي بالسياسة، فإنني كنت ساذجاً في اتخاذ قراري الأولي بالسفر لسيؤول. فقد كان من الطبيعي أن تعلن القوى المقاومة للتغيير في الدوائر السياسية والبيروقراطية في هذا البلد، بالإضافة لبعض البيئات العملية، عن اعتراضها على ترشيحي للوزارة.
وتركزت معظم تلك الاعتراضات على جنسيتي الأميركية، وعلى عدم ولائي المفترض لكوريا الجنوبية، بيد أن الأمر لم يقتصر على ذلك، إذ انطلقت ضدي حملة شرسة- ليس بمقدوري أن أشبهها بأي شيء غير حملات «مطاردة الساحرات»- على الإنترنت بل وفي بعض المنافذ الإعلامية الرئيسية. تعرضت في تلك الحملة لكافة محاولات تلويث السمعة، وذهب البعض لحد اتهامي بالجاسوسية وجعلوا من أسرتي هدفاً مستباحاً.
بالطبع كانت مشاعري في أعقاب تلك التجربة الغريبة في غاية ما يمكنكم تخيله من السوء.
ولكن الدرس الذي خرجت به منها، يتعلق بقيمة الوطنية في عالم مدفوع على نحو متزايد بتدفق عابر للحدود من البشر ورأس المال والأفكار، عالم يكون فيه المهاجر- وعلى نحو متزايد أيضاً- ليس شخصاً من دون وطن، وإنما شخص ينتمي إلى وطنين أو أكثر.
بدأت هجرتي إلى الولايات المتحدة عندما كان عمري 14 عاماً، ومررت خلالها بكل التحديات الاقتصادية والعوائق اللغوية، والاختلافات الثقافية التي يمر بها أي مهاجر جديد. ولكنني مثلي في ذلك مثل العديد من المهاجرين كنت مصمماً على تحقيق الحلم الأميركي، الذي نجحت في تحقيقه في نهاية المطاف، حيث أسست مشروعاً تجارياً ناجحاً حقق ازدهاراً غير متوقع قمت ببيعه في نهاية المطاف بمبلغ يزيد عن مليار دولار، كما تبوأت عدداً من المناصب المرموقة في الجامعات والمؤسسات الرفيعة الشأن كان آخرها عضوية الهيئة الاستشارية لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.
وليس بي حاجة للقول إن حبي للولايات المتحدة عميق وقوي، وأنني كرست نفسي لخدمة هذا البلد بكل ما لدي من إمكانيات في مختلف المواقع التي شغلتها.
ولكنني في ذات الوقت، كنت أحب مسقط رأسي وكنت أشاهد معجزتها الاقتصادية، وهي تتحقق أمامي خلال العقود الأخيرة بسعادة ممزوجـة بمشاعر الفخر بتراثي الكوري الجنوبي. وهذا تحديداً هو الذي جعلني أقبل الدعوة التي وجهتها لي الرئيسة بكل سرور، قبل أن أواجه بتلك التجربـة التي حكيت عنها.
في القرن الحادي والعشرين تعتبر البلاد والاقتصادات الأكثر نجاحاً، هي تلك التي تتمكن بالإضافة للإنجازات التي تحققها في كافة المجالات، من تجاوز الانحيازات القديمة بشأن الجنسية، والتي تتمكن من صياغة سياسات واستراتيجيات هجرة تجتذب وتفسح المجال للخبرات بصرف النظر عن الأصول، مع القيام في الآن ذاته بتوحيد تلك الخبرات حول مبادئ وقيم جوهرية.
آمل أن تتمكن كوريا الجنوبية من تحقيق ذلك في الوقت المناسب، وأن يجد الناس في رسالتي بذوراً مناسبة لتبني طريقة أكثر إيجابية للتعبير عن مشاعر الفخر بالتراث الوطني.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا