الاتحاد

تقارير

ميانمار … عودة الصحف اليومية الخاصة

آي آي وين
رانجون ، ميانمار


بالنسبة للناس في ميانمار سيكون الأمر جديداً وغير مسبوق تتداول أول الصحف الخاصة في الأكشاك خلال الأسبوع الجاري، ذلك أنه عندما أصدر الديكتاتور الراحل، «ني وين»، قانوناً يفرض احتكار الدولة على الصحف اليومية في الستينيات لم يكن العديد من المواطنين قد ولدوا بعد، اللهم شخص مثل «كين مونج لاي» البالغ من العمر 81 عاماً الذي تشكل عودة الصحف اليومية إلى ميانمار ميلاداً جديداً، فهو رئيس تحرير يومية «الأرض الذهبية الجديدة»، إحدى الصحف التي ظهرت إلى الوجود عقب قرار إنهاء الاحتكار الحكومي على صناعة النشر والمندرج في سياق الخطوات التي تقوم بها البلاد نحو الديمقراطية، وقد امتد به العمر ما يكفي ليتذكر «مونج لاي» الجرائد اليومية التي أضفت حيوية على الصحافة البورمية سواء الناطقة بالإنجليزية، أو الهندية، أو باللغة المحلية مباشرة عقب استقلال البلاد التي كانت تعرف باسم بورما عن بريطانيا في عام 1948، حينها كان «لاي» يعمل صحفياً في يومية «موجيو» الناطقة باللغة البورمية قبل أن تحتجب عن الصدور في عام 1964 بسبب الضغوط الحكومية.
واليوم وباعتباره رئيس تحرير صحيفته الجديدة- الذي لا يبدو اسمها «الأرض الذهبية الجديدة» غريباً كما في ترجمته إلى العربية، أو الإنجليزية-يترأس فريقاً من الصحفيين الشباب بعد استقدامهم من مجلات أسبوعية مختلفة، والذين لم يعتادوا بعد على مفهوم الصحافة الحرة بعدما نشأوا في عهد الحكومات العسكرية التي تعاقبت على ميانمار، وهم يواجهون اليوم عدداً من المؤسسات الإعلامية الكبيرة وصحفاً أخرى تابعة لأحزاب سياسية مهمة في البلاد.
ورغم التحديات التي تنتظر مشروعه الصحفي، يقول «مونج لاي» إنه مستعد لمواجهتها باسم «حرية الصحافة» التي افتقدتها ميانمار طويلا، والحقيقة أن الرجل يعرف عن قرب معنى حرية الصحافة بعد دخوله السجن ثلاث مرات تحت حكم «ني وين»، كما قضى ثلاث سنوات فيما يسمى «الإقامة الجبرية» التي دأب النظام على استخدامها لتبرير اعتقال المعارضين، وعن مشروعه الجديد يقول «مونج لاي»: «أرى العديد من العقبات في الطريق، لكني مستعد لإدارة الصحيفة مستلهماً الحرية والمهنية التي تعلمناها خلال العصر الذهبي للصحافة في ميانمار».
ويأتي هذا الانتعاش في صناعة النشر، وتحديداً الصحف اليومية، في إطار الخطوات الإصلاحية التي يقوم بها الرئيس «تين سين»، الذي بعدما تولى منصب رئيس الوزراء تحت قيادة الحكومة العسكرية السابقة، أصبح رئيساً للبلاد في مارس عام 2011، حيث أصبحت عملية التحرير الاقتصادي والسياسي أولوية في أجندته الإصلاحية، وذلك في محاولة للدفع بعجلة التنمية في البلاد، والنتيجة أن استفادت الصحافة من هذا النفس الإصلاحي.
ورغم أن قانون النشر المثير للجدل الصادر عام 1962 ما زال ساري المفعول في انتظار صدور قانون جديد للإعلام، وما زالت عقوبة السجن لسبع سنوات في حال عدم تسجيل المطبوعات المنشورة قائمة، إلا أن الحكومة أعلنت في ديسمبر الماضي أن أي مواطن يرغب في نشر صحيفة يومية هو مرحب بطلبه ويمكنه البدء فعلياً في تداول المطبوعة ابتداء من 1 أبريل الجاري.
وما أن تأكد الإعـلان الحكومـي حتى ظهرت إلى الوجود العشرات من الجرائد اليومية بما فيها، «الأرض الذهبية الجديدة»، التي كانت واحدة من بين 16 صحيفة أخرى حصلت على الترخيص، فيما شملت اليوميات الأخرى صحيفة تابعة للمعارضة الشهيرة «أونج سان سو كي»، زعيمة العصبة الوطنية للديمقراطية وأخرى ينشرها حزب تضامن الوحدة والتنمية الحاكـم بقيـادة «تين سين».
ومن بين الصحف اليومية التي سيطالعها مواطنو ميانمار «صوت اليوم» التي انطلقت في الأول من الشهر الجاري وتصدرها مجموعة إعلامية كانت تشرف على مجلة أسبوعية منذ عام 2004.
وعن هذه التجربة يقول رئيس تحريرها «كيو مين شو»، الذي كان يتحدث إلى الصحفيين «أنا سعيد جداً من إصدارنا النسخة اليومية، إنه حلم تحقق بعد انتظار طويل»، لكنه أضاف أن الصحف القوية التي تديرها الحكومة لديها بعض التفوق فيما يتعلق بالتمويل والتوزيع، إلا أنه أردف قائلاً «لدي يقين بأننا قادرون على منافسة الصحف الحكومية من خلال تقديم محتوى جديد وأخبار أفضل».
والحقيقة أن ما يقوله «كيو مين شو» عن منافسة الصحف الحكومية ينطوي على بعض الوجاهة بالنظر إلى الطابع الرسمي لتلك الصحف التي لا تختلف في أخبارها عن البيانات الصحفية التي تكتفي بذكر أسماء الشخصيات التي تحضر المناسبات العامة، وحتى مقالات الرأي تعكس المواقف التقليدية التي يبدو، وكأنها نسخ من العهد البائد.
أما صحيفة «يومية الوحدة» التي يصدرها الحزب الحاكم فهي تسعى إلى الاستفادة من قاعدتها المالية القوية، فالحزب الذي يدعمه الجيش ويملك أغلب المقاعد البرلمانية يحظى بمساندة رجال الأعمال، وهو ما أكده رئيس تحرير الصحيفة «وين تين» بقوله إن توزيع الجريدة في الأيام العشرة الأولى سيكون مجاناً، قائلاً «نحن لدينا قوة مالية كما نملك صحفيين متمرسين»، مؤكداً أن الصحيفة لن تكون متحدثة باسم الحزب، بل ستلتزم بقواعد المهنية الصحفية، في حين سيكون للحزب نشرة خاصة تتكلم باسمه.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«كريتسيان سيانس مونيتور»

اقرأ أيضا