أحمد القاضي (القاهرة)

من الطبيعي أن تمتلئ المساجد وتتزين وتضاء وتزدحم بالمصلين في رمضان أكثر من أي وقت في السنة، لما في شهر الصوم من روحانيات وأجر عظيم مضاعف من الله تعالى لعباده الصائمين، لكن في أول مسجد وضع على أرض مصر وأفريقيا، جامع عمرو بن العاص، هناك المزيد من عبق التاريخ الإسلامي، وآثار بعض صحابة رسول الله الذين جاءوا إلى هنا عند فتح مصر.
في القاهرة وتحديداً في منطقة الفسطاط، يقع المسجد بمنطقة تعرف باسم مُجمع الأديان، حيث بني المسجد إلى جانب بعض الكنائس التاريخية، والمعابد اليهودية القديمة، ويظهر من بعيد بقبته الصفراء الشهيرة، وبمجرد أن يضع المصلي قدميه داخل المسجد، حتى يشعر ببرودة الرخام في أرضية المسجد، ونسمات الهواء العليل في ساحته الكبرى التي تتسع لربع مليون مصل.
أعمدة المسجد تشهد على تاريخ البناء الأول الذي يعود إلى العام 21 هجري الموافق 642 ميلادي، ويشهد كل ركن من أركان المسجد على الأحداث التي شهدها، وهو يعرف بـ «الجامع العتيق»، أو «تاج الجوامع».
وللعشر الأواخر من شهر رمضان في المسجد تجهيزات خاصة، حيث يزداد عدد المصلين، ويحرص الكثيرون منهم على تناول الإفطار أمام المسجد أو داخله، حتى يجدوا لأنفسهم مكاناً في صلاة القيام، ولهذا يبدأ الشباب في تنظيم طاولات الإفطار أمام المسجد والتي غالباً ما تكون مائدة رحمن كبرى يتبرع بها أهل المنطقة.
علي صلاح (29 عاماً)، أحد الشباب القائمين على تنظيم طاولات الإفطار، من أبناء منطقة الفسطاط، يقول: «بعض العائلات تحرص على إحضار إفطارها من المنزل، وافتراش ساحة المسجد، لذلك يتم تخصيص طاولات للعائلات، وأخرى للرجال، وثالثة للسيدات».
ويضيف: «للأطفال دورهم الخاص، حيث يهتمون قبيل الإفطار بتوزيع التمر وأكواب المياه على الصائمين داخل المسجد، ويتسابقون للوصول إلى أكبر عدد ممكن من الجموع التي تنتظر أذان المغرب.
وعقب صلاة المغرب والإفطار تجلس العائلات في حلقات ذكر أو تلاوة القرآن، كبار السن يفضلون قضاء الوقت مع مسبحتهم الخاصة، يذكرون الله إلى أن يحين موعد أذان العشاء، وأخيراً تنتقل السيدات إلى الجزء المخصص لهن من المسجد لأداء الصلاة».
إبراهيم عبد العال، أحد عمّال المسجد المسؤولين عن النظافة وترتيب الجامع الأقدم في مصر، يقول: «إن أحد أهم مميزات المسجد هو أن المصلين يحرصون على تنظيف الساحة وموائد الإفطار، بين المغرب والعشاء، ويساعدهم الصغار في التخلص من زجاجات المياه الفارغة، وأكواب العصير، حتى ينادي المؤذن لصلاة العشاء، وبعده صلاة التراويح على مساحة 14 ألف متر مربع، هي مساحة المسجد الكلية، ويؤم المصلين علماء من أفضل الحفظة والأندى صوتاً في قراء القرآن الكريم، ويكونون بالتبادل خلال شهر رمضان، ولهذا يأتي البعض من محافظات بعيدة لقضاء العشر الأواخر في مسجد عمرو بن العاص».