الاتحاد

تقارير

اقتصاد روسيا.. بين الصعود والجمود

بعد مرور عام ونيف على «الثلاثاء الأسود» الذي فقد فيه الروبل ربع قيمته خلال يوم واحد، ما زالت حالة من عدم اليقين تلف الاقتصاد الروسي، فخلال الاثني عشر شهراً الماضية، انخفض الناتج المحلي الخام بنسبة 3,9 في المئة، أي بأقل مما توقعه العديد من المحللين العام الماضي، وتمكنت الحكومة الروسية من الإبقاء على التضخم تحت 13 في المئة، غير أن التوقعات الرسمية الأولى التي كانت تَعد بعودة النمو بحلول الربع الثالث من 2015 لم تتحقق، والتوقعات التي أعقبتها باستئناف النمو في وقت لاحق من هذا العام تبدو غير واقعية أيضاً.
واليوم، تتفق كل من المؤسسات المالية الدولية ووزارة الاقتصاد الروسية على أن الاقتصاد لن ينمو في 2016، حيث توقع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي انخفاضاً بنسبة 0,6 في المئة في ديسمبر، بينما قالت السلطات الروسية الأسبوع الماضي إنها تتوقع انكماشاً بنسبة 0,8 في المئة، غير أن محل الإجماع الحالي هو أن الاقتصاد سيستأنف نموه في 2017، وإذا حدث ذلك بالفعل، فقد يقول قائل إن الأمر كله يتعلق بتراجع اقتصادي سببه انخفاض أسعار النفط والعقوبات الغربية. ولكن ماذا لو لم يعد النمو؟
الحقيقة أنني أعتقد أن حال الاقتصاد الروسي أسوأ بكثير مما كان عليه حتى في 2009، ذلك أن المداخيل الحقيقية المتاحة انخفضت بشكل كبير، والأجور الاسمية باتت دون ما كانت عليه في 2005، ومبيعات التجزئة انخفضت بنسبة تعادل ضعفي الانخفاض المسجل في 2009. وعلاوة على ذلك، انخفض متوسط سعر شقة جديدة في موسكو بـ16 في المئة مقارنة مع مستويات 2014 بالروبل، وبأكثر من النصف بالدولار، بينما تراجعت إيجارات المكاتب في موسكو وسانت بطرسبورج إلى مستويات 2012، ويعاني الاقتصاد الروسي من تداعيات تقلص عائدات النفط وتزايد الضغط البيروقراطي، ناهيك عن سياسة البلاد الخارجية التي بات يطغى عليها الشك وانعدام الثقة.
وعند تقييم الاقتصاد الروسي منذ بداية الألفية الثالثة، يمكن للمرء أن يلاحظ مرحلتين مميزتين. الأولى تمتد من 2000 إلى 2007، عندما كان الاقتصاد ينمو بنحو 7 في المئة سنوياً، وخلالها حققت سوق الأسهم ارتفاعاً سريعاً، وتضاعف متوسط المداخيل أكثر من ثلاث مرات، فخُفضت الضرائب، وتعزز التعاون الدولي، وصعدت روسيا اقتصادياً من جديد.
ولكن بعد ذلك أتت المرحلة الثانية التي يمكن أن نسميها الجمود التام، التي اقترب خلالها متوسط النمو السنوي من الصفر، وهذه الفترة تميزت بفرار رؤوس الأموال، وتراجع حضور المستثمرين الأجانب، وتردي مناخ الأعمال، وإدخال ضرائب جديدة أو زيادة الضرائب القديمة، كما تضاعفت النفقات العسكرية في وقت أطلق فيه الرئيس فلاديمير بوتين عمليات عسكرية في جورجيا وأوكرانيا وسوريا، ويبدو أن الرئيس الروسي نقل اهتمامه كلياً من المسائل الاقتصادية إلى المجال الجيوسياسي.
وهذه المرحلة الثانية تُصور عادة كأزمتين وتعافٍ، ولكن الأدق ربما هو وصفها بأنها فترة طويلة بدون نمو، ومثلما اعترف بذلك رئيس الوزراء دميتري ميدفيديف، فإن روسيا لم تكن قد خرجت حقاً من الأزمة السابقة عندما وجدت نفسها وسط أزمة جديدة. وإذا نظرنا إلى الأمر على هذا النحو، فإن فترتي الصعود والجمود تبدوان مكمّلتين إحداهما للأخرى حيث تدوم كل واحدة منهما ثماني أو تسع سنوات. واليوم، ومع خضوع الاقتصاد الروسي كلياً للسياسة، ونزوع هذه الأخيرة إلى نقيض الليبرالية، لم يعد ثمة أمل في التعافي، حتى في حال رُفعت العقوبات وعادت أسعار النفط إلى مستويات أكثر طبيعية.
والواقع أن روسيا شهدت أزمات من قبل، غير أنه لم يحدث في أي من تلك الأزمات، لا في 1998 ولا في 2008، أن تخلى مثل هذا العدد الكبير من الشركات الأجنبية عن استثماراته. ومع «عقوباتها المضادة» ضد الاتحاد الأوروبي والتوتر مع تركيا والإعلان عن بطلان اتفاقيات دولية بسبب سمو القانون الروسي الذي يتغير باستمرار على الاتفاقيات الدولية، تسببت الحكومة في تثبيط المستثمرين الداخليين والدوليين وثني أنشطتهم عن النمو والتوسع، ففي العام الماضي وحده، أنهت أكثر من 20 شركة غربية فروعها في روسيا، كما أغلقت نحو 30 منشأة إنتاج مملوكة لأجانب أبوابها.
وإذا كنتُ مصيباً وانكمش الاقتصاد الروسي في 2016 على غرار 2015، فالاحتمال الأرجح هو أننا لسنا أمام أزمة أخرى، وإنما بداية فترة تراجع اقتصادي طويل، أي شيء شبيه بما حدث في فنزويلا عقب 2005، وإذا حدث ذلك، فإن مرحلة الجمود لن تتحول إلى تعافٍ وانبعاث، وإنما إلى سقوط حر قد يدوم سنوات ويستمر حتى ولاية بوتين الرابعة اعتباراً من 2018.

* زميل بمركز الدراسات الدولية والاستراتيجية في واشنطن
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا