الاتحاد

دنيا

مارش عرض بليغ بلغة بكماء


حميد قاسم: حقاً، ثمة اسئلة عديدة تتردد في فضاء زمننا الراهن الذي يدعى النظام العالمي الجديد أو زمن العولمة·· اسئلة تلد أجوبتها بقدر ما تلد اسئلة أخرى تتناسل عنها!
ومن هذه الاسئلة، ثمة ماراهنت عليه مسرحية مارش التي افتتحت عروض الدورة الخامسة عشرة من أيام الشارقة المسرحية التي حظيت مساء أمس الأول بحضور صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة لحفل افتتاحها في قصر الثقافة· أول هذه الاسئلة في هذا العرض، يقول كيف يستطيع العرض المسرحي أن ينزع لأن يكون فناً عالمياً رغم محليته··؟ ومنها كيف يتناول صراعات الإنسان ومشاعره وأحاسيسه وانفعالاته، حيث لا تتوقف هذه الصراعات عند مرحلة معينة ولا تتخذ شكلاً محدداً، ونهائياً؟
عصر العولمة، ونتائج هذا العصر على الإنسان كانت منطلق هذا العرض المسرحي النظيف بمعنى خلوه من الزوائد، والتفاصيل الزائدة، ومن الترهل، فهو- أي العرض- اشتغل على الصراع الدائر بين الإنسان وبين النتائج الوخيمة (الجانب السلبي) من العولمة التي تتمثل في الفارق الحاد والهائل بين عالمين، وفي ظاهرة سيادة منطق العنف والقسوة وصولاً إلى الاحتلال والعسكرة·
أغرب ما في هذا العرض، وهو أجمل ما فيه، انه مكتوب بلغة بكماء ليس ثمة لغة في العرض أو النص·· إذ لا تسمع سوى همهمات أو رطانات بلغات مختلفة تلقى عشوائياً·· اخلاط من لغات عالمية: روسية وفرنسية وانجليزية وألمانية وسواها·· كل ما قد يخطر لك- أو للممثل- على بال·· غير انها نتاج تمرين قاس، شديد ومتواصل، حتى ليمكن أن نقول ان العرض كان عرض بروفات متقنة بامتياز·
حلول اخراجية
تقوم تيمة العرض ومادته الاساسية على مجموعة من المجندين المسلحين بأسلحة رشاشة، سرعان ما تفاجأ انها تصلح كذلك لتكون أي شيء: مظلة من المطر، لافتة، انبوباً مطاطياً·· أي شيء··! تصول هذه المجموعة وتجول في ارجاء المسرح تهذي برطاناتها المختلطة الحادة العنيفة، حتى تبلغ ذروتها حين يستعير أفرادها صوتاً حيوانياً يتدرج شيئا فشيئا حتى يغدو نباح كلاب مسعورة تقعي على الأرض، وتزمجر بصوتها الوحشي الأول، المفزع، انها في آن تصوير لفكرة مسخ الانسان، مثلما هي في الآن ذاته تصوير لفكرة قمع الآخر، وزجر آدميته·
يستعرض العمل، ويدين، الهيمنة، التي يشهدها العالم الآن منطلقاً من واقعة غزو العراق ليستعرض احداثاً أخرى، وأماكن أخرى، لا يعلو فيها صوت على قعقعة السلاح والمارشات العسكرية ووقع اقدام الجنود المسلحين، وجعجعة أصواتهم المبهمة، الحادة، الخشنة، العنيفة·
تلفزيون في المسرح
لعب مخرج العمل على المشهد البصري واستفاد كثيراً من تقنيات الفيديو التلفزيوني والعرض السينمائي المتداخل، فضلا عن نظام الدائرة التلفزيونية المغلقة التي اشركت الجمهور في العرض، إذ نقل مشهد المتفرجين مباشرة ليكون خلفية على المسرح الذي تدور عليه الاحداث لمدة من الزمن، وكان الاشتغال على هذه الموضوعة ذكياً، وقد تم تنفيذه ببراعة واتقان مبهرين حقاً، وهو أمر ليس من اليسير انجازه، خاصة في عرض يعتمد الفعل ولا يعتمد الكلمة ومعانيها وطاقاتها التعبيرية والتصويرية ودلالاتها وشفراتها الموروثة·
لعبت الاثارة المتقنة- حقاً- دوراً مهماً في استكمال نظافة العرض وتشذيبه من الهفوات والأخطاء التي غدت (عادة) سمة أساسية لا غنى عنها كما يبدو من سمات عروضنا المسرحية، فيما قدم الممثلون الشباب (مجموعة العرض) مشهدا بصريا رائعا، يرتكز إلى حلول وابتكارات اخراجية ذكية اقترحها مخرج العرض، لتكون النتيجة عرضاً نال اعجاب الجمهور واستحسانه·

اقرأ أيضا