الاتحاد

تقارير

«الاحتواء الهجومي».. السلاح الأفضل لدحر «داعش»

أساليب متباينة
لأن جذور وأهداف «داعش» و«القاعدة» شديدة الاختلاف والتباين، يعمل التنظيمان أيضاً بأساليب مختلفة كلياً. وهكذا لن تلائم استراتيجية مكافحة الإرهاب التي وضعت لمحاربة «القاعدة» في النضال ضد «داعش». وإذا نظرنا إلى الحملة العسكرية والاستخباراتية الأميركية للقبض على القيادة المركزية لتنظيم «القاعدة» أو قتلها عن طريق ضربات جوية استخدمت فيها طائرات من دون طيار.
ولكن تلك التكتيكات لا تبدو واعدة في محاربة «داعش»، فمقاتلو وزعماء التنظيم يحتشدون في مناطق عمرانية، حيث يندمجون بشكل كامل مع السكان المدنيين، وعادة ما يتحصنون في المباني، الأمر الذي يجعل تنفيذ الضربات الجوية باستخدام طائرات من دون طيار أكثر صعوبة.

عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، استشعرت أجهزة الأمن القومي الأميركي القلق، فقد قضت عقوداً تستعد لمواجهة الأعداء التقليديين، ولكنها بدت غير متأهبة لتحدٍ يُمثله عدو لدود غير تقليدي مثل تنظيم «القاعدة». لذا، دشّنت الولايات المتحدة، خلال العقد التالي للأحداث، هيكلاً تنظيمياً محكماً لمحاربة ذلك التنظيم الإرهابي، وأهلّت جيشها ووكالتها الاستخباراتية وجهات تنفيذ القانون للتعامل مع مهام مكافحة الإرهاب ومواجهة التمرد.
بيد أنه في الوقت الراهن حلّت جماعة مختلفة هي تنظيم «داعش» الإرهابي، محل «القاعدة» كتهديد إرهابي ذي خطر عظيم. وبالنظر إلى أن الأيديولوجية والتصريحات والأهداف طويلة الأمد التي يتبناها «داعش» مشابهة لتلك التي تبناها «تنظيم القاعدة»، كما أن كلا التنظيمين كانا متحالفين، يزعم كثير من المراقبين أن التحدي الحالي هو ببساطة إعادة محورة تركيز أجهزة مكافحة الإرهاب المتمرسة في واشنطن على هدف جديد. ولكن «داعش» ليس كـ «القاعدة». وهو ليس نتيجة أو جزءاً من تنظيم متطرف قديم، ولا يمثل أيضاً مرحلة تالية من تطوره. وعلى الرغم من أن تنظيم القاعدة لا يزال خطيراً، خصوصاً الجماعات التابعة له في شمال أفريقيا واليمن، إلا أن «داعش» حل محله، وبات يمثل تهديد ما بعد «القاعدة».
وفي خطابه الوطني المتلفز الذي ألقاه في سبتمبر الماضي، موضحاً خطته لإضعاف «داعش» وفي النهاية تدميره، رسم أوباما خطاً فاصلاً بين التنظيم و«القاعدة»، وزعم أن «داعش» تنظيماً إرهابياً، محضاً ومجرداً. وقد كان ذلك خطأً، فهذا التوصيف لا يكاد ينطبق على «داعش»، فعلى رغم حقيقة استخدامه الإرهاب كأسلوب تكتيكي، فهو ليس تنظيماً إرهابياً عادياً، ذلك أن الشبكات الإرهابية، مثل «القاعدة»، بشكل عام لديها عشرات أو مئات الأعضاء فقط، يهاجمون المدنيين، ولا تسيطر على أية أراضٍ، ولا يمكنها أن تواجه قوات عسكرية بصورة مباشرة. وأما «داعش» فيتفاخر بأن لديه 30 ألف مقاتل، ويسيطر على أراضي في كل من العراق وسوريا، ويحتفظ بقدرات عسكرية مكثفة، ويهيمن على خطوط اتصال، ويدير بنية تحتية، ويمول نفسه، ويخوض عمليات عسكرية متطورة ومعقدة. وإذا كان التنظيم يمثل أي شيء بصورة محضة ومجردة فهو يمكن اعتباره «شبه دولة» يقودها جيش تقليدي. ولهذا السبب لن تجدي استراتيجيات مكافحة الإرهاب والتطرف التي قوضت بشكل كبير تهديد «القاعدة»، ضد تنظيم «داعش».
وقد تباطأت واشنطن في تكييف سياساتها في العراق وسوريا بما يواكب الطبيعة الحقيقية لتهديد «داعش». وفي سوريا وضعت مكافحة الإرهاب الأميركية في مقدمة أولوياتها قصف الجماعات الموالية لتنظيم «القاعدة»، وهو ما أتاح الفرصة أمام «داعش»، وقدم أيضاً لنظام الأسد فرصة سحق المعارضة السورية المعتدلة المتحالفة مع الولايات المتحدة. وفي العراق، تواصل واشنطن الاعتماد على أحد أشكال مكافحة التمرد، استناداً إلى الحكومة المركزية في بغداد من أجل استعادة السيطرة على شرعيتها المفقودة، وتوحيد الدولة، وبناء قوات أهلية لهزيمة «داعش». غير أن هذين النهجين تم وضعهما من أجل مواجهة تهديد مختلف، وتجاوزتهما الأحداث. والمطلوب الآن هو استراتيجية «احتواء هجومي»: يمثل مزيجاً من الأساليب العسكرية المحدودة، واستراتيجية دبلوماسية موسعة لوقف تمدد «داعش» وعزلها وتقليص قدراتها.

أهداف مختلفة
والاختلافات بين «القاعدة» و«داعش» ترجع جزئياً إلى تاريخهما، إذ أن «القاعدة» نشأت في أعقاب الغزو السوفييتي لأفغانستان عام 1979. والرؤى العالمية والتفكير الاستراتيجي لزعمائها تشكلت عبر حرب السنوات العشر ضد الاحتلال السوفييتي، عندما تدفق آلاف المسلحين، ومن بينهم أسامة بن لادن، إلى الدولة. وبينما قوت شوكة التنظيم، أخذ شكل شبكة عالمية ركزت على تنفيذ هجمات محددة ضد أهداف في دول غربية أو موالية للغرب، بهدف حشد المسلمين للانضمام إلى المواجهة العالمية مع القوى العلمانية في مشارق الأرض ومغاربها.
وأما «داعش» فظهر بفضل الغزو الأميركي للعراق عام 2003. وفي بداية ظهوره، كان من بين عدد من الجماعات المتطرفة التي تحارب القوى الأميركية وتهاجم المدنيين الشيعة في محاولة لإثارة حرب أهلية طائفية. وفي ذلك الوقت، كان التنظيم يسمى بـ «القاعدة في العراق»، وكان زعيمه أبو مصعب الزرقاوي، الذي تعهد بالانحياز إلى بن لادن. ولكن الزرقاوي قُتل في ضربة جوية أميركية في عام 2006، وبعد ذلك، شارف تنظيم القاعدة في العراق على الزوال عندما قررت القبائل السنية مشاركة الأميركيين في مواجهة المتطرفين. ولكن الهزيمة كانت مؤقتة، وتمكّن تنظيم «القاعدة في العراق» من تجديد نفسه داخل السجون التي تديرها الولايات المتحدة في العراق، حيث تواصل النشطاء الإرهابيون وشكلوا شبكات، وفيها نصب القائد الحالي للتنظيم، أبوبكر البغدادي، نفسه زعيماً، قبل أن يختص لنفسه الآن بمنصب الخليفة.
توظيف الطائفية في العراق
وفي عام 2011، مع تحول الثورة ضد نظام الأسد في سوريا إلى حرب أهلية متكاملة الأركان، استفاد «تنظيم القاعدة» من الفوضى، واستحوذ على أراضي في شمال شرق سوريا، مؤسساً قاعدة للعمليات، وأعاد وصف نفسه بـ «تنظيم الدولة في العراق والشام» (المعروف اختصاراً باسم داعش). وواصل في العراق الاستفادة من ضعف الدولة المركزية، واستغلال الصراع الطائفي في البلاد، الذي تفاقم عقب انسحاب القوات القتالية الأميركية. ومع خروج الأميركيين، سعى رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي إلى تطبيق أجندة متعصبة موالية للشيعة، وزاد من تهميش العرب السُنة في أنحاء الدولة. وبات بين صفوف «داعش» زعماء قبائل سنية عراقية، ومتمردين سابقين مناهضين للولايات المتحدة، وضباط سابقين في الجيش العراقي يسعون لاستعادة الهيمنة والنفوذ والأمن، التي استمتعوا بهما أثناء عصر صدام حسين.
وجاء غزو التنظيم للأراضي في العراق بمثابة صدمة، وعندما استحوذ «داعش» على الفلوجة والرمادي في يناير عام 2014، توقع معظم المحللين أن تتمكن القوات العراقية التي حصلت على تدريبات أميركية من احتواء التهديد، ولكن بحلول يونيو الماضي، وفي خضم انشقاقات جماعية من الجيش العراقي، تحرك «داعش» صوب بغداد، وسيطر على الموصل وتكريت والقائم، إضافة إلى عدد كبير من المدن والقرى العراقية. وبحلول نهاية الشهر، أعاد التنظيم تسمية نفسه، وزعم أن الأراضي الخاضعة لسيطرته هي خلافة جديدة. وفي هذه الأثناء، أفادت التقديرات المخابراتية الأميركية بأن نحو 15 ألف مقاتل أجنبي من نحو 80 دولة تدفقوا إلى المنطقة بهدف الانضمام إلى داعش، بمعدل ألف مقاتل شهرياً. وعلى الرغم من أن معظم هؤلاء المجندين جاؤوا من دول ذات أغلبية مسلمة، إلا أن بعضهم ينحدر من أستراليا والصين وروسيا ودول أخرى أوروبية غربية. وقد نجح التنظيم في جذب بعض المراهقين الأميركيين، من الشباب والشابات على السواء، الذين ينتمون إلى الطبقة المتوسطة في دينيفر ومينيبوليس وضواحي شيكاغو.
وفي الوقت الذي حقق فيها التنظيم نمواً كبيراً، أصبحت أهدافه ونواياه أكثر وضوحاً. وبينما تصور تنظيم «القاعدة» نفسه على أنه حامي حمى التمرد العالمي الذي يحشد المجتمعات المسلمة ضد الحكم العلماني. يسعى «داعش» في المقابل إلى السيطرة على الأراضي وإنشاء دولة يحكمها وفق تفسيره المتطرف للشريعة، وإزالة الحدود السياسية في الشرق الأوسط التي وضعتها القوى الغربية في القرن العشرين، وتنصيب نفسه سلطة عسكرية ودينية وسياسية منفردة على جميع المسلمين في أرجاء العالم.

فارق التمويل
ويمثل «داعش» تحدياً هائلاً أمام أساليب مكافحة الإرهاب الأميركية التقليدية، التي تستهدف التمويلات والدعاية وأنشطة التجنيد الإرهابية. وقد كان قطع التمويل عن تنظيم «القاعدة» من أكثر قصص النجاح المذهلة التي حققتها استراتيجية مكافحة الإرهاب الأميركية. وعقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر مباشرة، بدأت وكالة الاستخبارات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي التنسيق عن كثب بشأن المعلومات الاستخباراتية المالية، وسرعان ما انضمت إليهما وزارة الدفاع الأميركية. ثم ظهرت شبكة عالمية لمكافحة التمويلات الإرهابية، دعمتها الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومئات الحكومات المتعاونة.
ولكن مثل هذه الأدوات لا تسهم كثيراً في محاربة «داعش»، لأن التنظيم لا يحتاج إلى تمويلات خارجية. وسيطرته على الأرض تمكنه من بناء نموذج مالي ذاتي التمويل لا يخطر على بال معظم التنظيمات الإرهابية. وبداية في عام 2012، استحوذ التنظيم تدريجياً على أصول نفطية رئيسة في شرق سوريا. ويسيطر الآن على ما يقدر بنحو 60 في المئة من قدرات الإنتاج النفطي في الدولة. وأثناء انتشاره في أجزاء واسعة من العراق الصيف الماضي، سيطر «داعش» على سبع عمليات نفطية منتجة في تلك الدولة. ونجح في بيع بعض من ذلك النفط في السوق السوداء بسوريا والعراق، بما في ذلك، حسب بعض التقارير، مبيعات لنظام الأسد ذاته. ويُهرب «داعش» النفط أيضاً خارج البلدين إلى تركيا ودول أخرى، حيث يجد كثيراً من المشترين يسعدون بشراء خام مسروق بأسعار أقل من سعر السوق، والتقديرات تشير إلى أن ما يجنيه التنظيم من إيرادات نفطية تقدر بما يتراوح بين مليون وثلاثة ملايين دولار يومياً.
والنفط ليس المكون الوحيد في المحفظة المالية للتنظيم، ففي يونيو الماضي، عندما سيطر التنظيم على مدينة الموصل شمال العراق، سرق البنك المركزي الإقليمي وبنوكاً أخرى صغيرة، وصادر تحفاً لبيعها في السوق السوداء. ويسرق كذلك المجوهرات والسيارات والماكينات والماشية من السكان. ويهيمن التنظيم أيضاً على شرايين نقل كبير في غرب العراق، وهو ما يمكنه من فرض ضريبة على نقل البضائع ورسوم على المرور. ويجني كذلك إيرادات من محاصيل القطن والقمح التي تُزرع في الرقة، التي تُعتبر سلة الخبز السورية.
ومثل التنظيمات الإرهابية الأخرى، يأخذ «داعش» رهائن، ويطلب فديات تقدر بعشرات الملايين من الدولارات. ولكن المصدر الأكثر أهمية في تمويل التنظيم هو عمليات الابتزاز واسعة النطاق التي تطال الملاك والمنتجين في الأراضي التي يهيمن عليها، فيفرضون ضرائب على كل شيء من المزارع الصغيرة إلى الشركات الكبرى مثل مزودي خدمات الهواتف وشركات المياه والمرافق الكهربائية. وبالتالي، فإن ذلك الكيان مقعد بدرجة جعلت وزارة الخزانة الأميركية ترفض تقدير إجمالي أصول وإيرادات «داعش»، ولكن من الواضح أن التنظيم مؤسسة ذات مصادر دخل متنوعة، وتفوق ثروته أي تنظيم إرهابي آخر. ولا دليل على أن واشنطن نجحت في تقليص خزائنه.

احتواء التهديد
الحقيقة المؤلمة هي أن الولايات المتحدة لا تملك خيارات عسكرية جيدة في مواجهتها ضد تنظيم «داعش». فلا استراتيجية مكافحة الإرهاب والتمرد ولا الحرب التقليدية ستحقق لواشنطن نصراً حاسماً على التنظيم. وفي الوقت الراهن على الأقل تعتبر أفضل سياسة ملائمة للأهداف والغايات، والتي تتمتع بفرصة أكبر في الحفاظ على المصالح الأميركية هي: «الاحتواء الهجومي»، تجمع من خلالها بين حملة عسكرية محدودة وجهود اقتصادية ودبلوماسية كبيرة لإضعاف «داعش» وحشد مصالح كثير من الدول التي يهددها تقدم التنظيم.
و«داعش» ليست مجرد مشكلة أميركية، فهناك حروب دائرة في العراق وسوريا تشمل ليس فقط قوى إقليمية، ولكن أنظمة عالمية، مثل روسيا. وعلى واشنطن أن تتوقف عن التصرف كما لو أن بمقدورها إصلاح مشكلات إقليمية بالقوة العسكرية، وعليها بدلاً من ذلك أن تعود لدورها كقوة عظمى دبلوماسية.
وبالطبع، ستكون القوة العسكرية الأميركية جزءاً مهماً في سياسة الاحتواء الهجومي، إذ إن الضربات الجوية يمكنها إضعاف «داعش»، وقطع الطريق أمام إمدادها بالتكنولوجيا والأسلحة والذخائر عن طريق ضرب خطوط التهريب التي تمولها. وعلى واشنطن أيضاً أن تواصل تقديم الدعم والمشورة للجيش العراقي، ومساعدة القوى الإقليمية، وتوفير المساعدات الإنسانية للمدنيين الذين يفرون من الأراضي التي يسيطر عليها التنظيم. وعلاوة على ذلك لابد أن تقدم أميركا مساعدات للدول المجاورة للعراق مثل الأردن ولبنان، التي تناضل من أجل احتواء تدفقات اللاجئين المهولة من سوريا، مع الأخذ في الاعتبار أن نشر قوات برية على الأرض سيكون غير بناء، وسيجر الولايات المتحدة إلى حرب لا يمكنها الانتصار فيها لعقود، علماً بأنها لن تتمكن من إعادة بناء الدولة العراقية، أو تحديد نتيجة الحرب الأهلية السورية. وعليها إذن أن تلتزم بمسار واقعي يقر بقيود القوة العسكرية الأميركية كحل طويل الأمد.

هيكل إداري معقد

لن يعرقل قتل قيادات «داعش» التنظيم، فهم يحكمون ما يشبه دولة، لها هيكل إداري معقد. وفي قمة الإدارة العسكرية توجد إمارة، تتألف من البغدادي ونائبين، وكل منهما خدما كجنرالين في الجيش العراقي أثناء حقبة صدام حسين، وهما أبو علي الأنباري، الذي يشرف على عمليات «داعش» في سوريا، وأبو مسلم التركماني، الذي يقود العمليات في العراق. وأما النظام الإداري المدني للتنظيم فيشرف عليه 12 مديراً يحكمون الأراضي في العراق وسوريا، ويشرفون على مجالس تتعامل مع أمور مثل الشؤون المالية والإعلامية والدينية. وهذا الكيان شبه الدولة سيمضي قدماً ببراعة شديدة من دون البغدادي أو حتى أقرب جنرالاته.

أودري كورث كرونين
* أستاذة بجامعة «جورج ماسون» ومدير برنامج «الأمن الدولي»
يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «تريبيون نيوز سيرفيس»

اقرأ أيضا