الاتحاد

الملحق الثقافي

نحو سينما وطنية طليعية

أول ما يلفت النظر فيما قدمته الدورات السابقة من (مسابقة أفلام من الإمارات) التي تحتضنها العاصمة أبوظبي عبر مئات الأفلام القصيرة والروائية والوثائقية هي تلك الخصوصية والنكهة الشبابية في إنجاز وطرح موضوعات تتصل بالإنسان وبالواقع المحلي والحياة قبل النفط في الإمارات إلى جانب صراع القديم والحديث في المجتمع الذي نال التغير جميع نواحي الحياة فيه بعد التطور الاقتصادي الهائل والمتسارع الذي يشهده الناس.

هذه المسابقة التي تحظى باهتمام سينمائيين من مختلف دول العالم، إلى جانب خصوصيتها بالاهتمام بالفيلم المحلي وصانعيه وبخاصة فئة الشباب، وبرغم ما اعتراها من هنات هنا وهناك.. أكدت بحق على أنها المشروع الأكثر نجاحا في مجال الإبداع ولغة السينما.. وعلى أننا باتجاه ثقافة سينمائية جادة قادرة على فرض ذاتها على خارطة الفن السابع عبر سنوات قادمة من العمل والاجتهاد وتحديد رؤيا مستقبلية لسينما واعدة وطليعية في ذات الوقت.. تنتهي دورة من هذه المسابقة وتنتهي ومن ثم تتبعها أخرى في سجال، وما زالت الكاميرات تدور للإعداد لدورات قادمة من هذا الحدث الذي بات يسجل علامة بارزة على خارطة الإبداع الإماراتي لأنه ما زال هناك إصرار على تحقيق حلم السينما الوطنية المعاصرة النابعة من روح جيل يمتلك طموحه وأدواته ومفرداته ولغته الخاصة باتجاه صناعة فيلم منافس.. من كتاب سيناريو.. مخرجين ومخرجات وفنيين واعدين.. مواضيع وأفكار وأحلام تترجم من خلال أفلام روائية ووثائقية وتجريبية ورسوم متحركة وأفلام إعلانية، كلها تتحرك في سياق البحث عن الذات، وفي استكشاف عالم السينما المدهش والمثير، أو على نحو ما قاله أحد منظمي هذه المسابقة:
«إن صناعة السينما مثل أي شيء في الكون الصالح يتقدم والرديء يتأخر، ونحن لدينا الطموح الأكيد لأن نسبق الجميع بعبقرية مبدعينا ومهارة شبابنا ولا سبيل إلى ذلك إلا بالسهر على المشاريع الوطنية الطموحة مثل هذه.. تستفيد من تجارب المهرجانات السينمائية الأخرى وتتبادل الخبرة والمعرفة». ومع ذلك يبقى السؤال ملحاً: هل تؤسس هذه التظاهرة السينمائية لمهرجان سينما متكامل؟
ملص: أفلام جريئة
من اللافت للانتباه أن إدارة المسابقة قد أسندت مهمة التحكيم ومراقبة الأفلام للجنة متخصصة وذات باع طويل، لجنة تتطور مع كل دورة جديدة، وقد ترأس إحدى دوراتها المخرج السوري المخضرم محمد ملص صاحب فيلم «أحلام المدينة» الذي وصف المسابقة على أنها تظاهرة غنية بالرؤى والأفكار الأصيلة، وأضاف أن معظم مخرجي الأفلام الروائية يمتلكون مفردات ولغة سينمائية متقدمة.. وإن كانت هناك بعض الأفلام الوثائقية والدعائية الفقيرة فإن ذلك لم يمنع من أن الاجتهادات كانت مثمرة ومؤثرة من خلال التنويعات والتناغم مع تأثيرات ما يحدث في المجتمع المحلي. كما ضمت لجان التحكيم كلاً من : المصور السينمائي حازم بياعة ومحمد سلطان ثاني وأحمد الجسمي وغيرهم من محترفي النقد السينمائي وصناع الفيلم، وكان مهماً أن نرى حوار التجارب من خلال حضور مؤثر لعدد من النقاد العرب ومنهم: محمد رضا، وصالح سالميني ونديم جرجوره بالإضافة إلى نخبة من المخرجين وعدد من مدراء المهرجانات السينمائية في العالم، حيث يصنع مثل هذا التجمع نهجاً فكرياً مميزاً لتبادل الآراء حول مفهوم السينما الواعية في زمن العولمة.
جولة فيلمية
نتذكر العديد من الأفلام التي عرضت في دورات المسابقة حيث يندرج الفيلم الروائي «بقايا تراب» والذي تم تصويره في المناطق الجبلية لإمارة الفجيرة ومدته 39 دقيقة للمخرج سعيد سالمين المري (قام بدور البطولة في فيلم العودة إلى القرية للمخرج احمد زين في الدورة الثانية من المسابقة) تحت إطار الفانتازيا التاريخية، ويناقش فكرة الخير والشر وظاهرة القمع والاستبداد.. ورغم الصياغة المتقدمة للفيلم إلا انه وقع في فخ الواقعية المتناقضة تماماً مع إيقاع المضمون والرؤيا السينمائية. وذلك على عكس فيلم «الببغاء» وهو روائي من إخراج وسيناريو ومونتاج سعيد علي الظاهري ومدته 7 دقائق فقد أوحت أجواؤه التجريبية أنه يحكي عن مكان غامض يشد انتباه الناس وفيه ببغاء رمز الشر، بوعي سينمائي ونضوج في مجال التصوير واللقطات القريبة. أما فيلم «سارق الحزن» الذي يذكرنا على الفور بعنوان معكوس لفيلم «سارق الفرح» للمخرج داوود عبدالسيد فقد نجحت مخرجته أمينة عطايا في إدانة المجتمع الذي يضيع الوقت دون إنتاج يتوافق مع تقدم العصر، بينما نجحت المخرجة مريم بن فهد في معالجة موضوع سيكولوجي وانعطافات إنسان ينعزل عن الناس والمجتمع بعد وفاة والدته ويصاب بحالة اكتئاب حاد.. وذلك من خلال تركيزات للكاميرا على تفاصيل المكان وربط ذلك بالحالات النفسية للبطل.. وربما ما يعيب هذا الفيلم هو إيقاعه البطيء الذي جاء من خلال مونتاج متثاقل. لن نتحدث عن الأفلام الكثيرة التي عرضتها دورات المسابقة للجمهور، بقدر ما نود الإشارة إلى أهمية هذه التظاهرة في حياتنا الثقافية، ومدى أهمية الانتباه إلى ضرورة أن تحيا على الخارطة اليومية ضمن برامج تلفزيونية أو ثقافية، نرى فيها دور النقد وكيف تسلط الأضواء على نجوم هذه المسابقة التي وضعت العاصمة أبوظبي في مركز الإشعاع الفني.
تنوعت الأفلام الروائية في مواضيعها وعناوينها فكان هناك «على رصيف الروح» (امجد أبو العلا) و»من أطلق الكلب خارجا» (خليل العبدولي) و»سوء الخاتمة» (ريهام إبراهيم) وغيرها من الأفلام التي تفاوتت في مستواها الإخراجي وعمليات التصوير والمونتاج، لكن بالمجمل العام وحيث إنه من الصعوبة بمكان تناول أكثر من 300 فيلم بالنقد والتحليل فإن فيلم «المهرجون» للمخرج ناصر كرماني والذي كتب له السيناريو أيضاً، هو فيلم مليء بالحياة والعواطف الإنسانية والصراعات النفسية، فهو يصور فنانا متواضعا يجاهد كي يحقق ذاته وسط صراعات يحكمها واقع الفوضى وسيطرة النفوذ على إبداع الإنسان.. وقد كانت كاميرا حسن شطي النفاذة مصدراً مهماً لتصوير ذلك القلق النفسي واللقطات المركبة، وبمقاييس أفلام المسابقة يبقى «المهرجون» واحداً من الأفلام الناجحة والملفتة للانتباه على مستوى العمل الجماعي. وهذا النجاح لم يمنع من ظهور تجارب أخرى لا تقل أهمية في التعامل مع لغة السينما وفن المونتاج ومنها فيلم «ألوان الحب» للمخرج احمد غانم، ونظرة لسماء من إخراج كاملة أبو ذكرى المأخوذ عن قصة الكاتب الراحل إحسان عبدالقدوس «أين يقف الله». أما الملاحظ على مجمل الأفلام الروائية التي تم عرضها أنها ركزت على المواضيع التي تناقش أحلام الإنسان وبعضها أكد على رفضه للكثير من القيم السائدة.. فيما تم استثمار عناصر ومفردات كالتصوير والملابس بكفاءة عالية وتم تجاهل مفردات مهمة مثل المونتاج والإضاءة حيث أن غالبية الإضاءات كانت تقليدية وغير مشبعة بالتقنية.
الأفلام التسجيلية
تصدر فيلم «حديث الأبرياء» لمخرجه خضر العيدروس قائمة الأفلام الوثائقية وهي نوع من الأفلام غير الروائية، ولا تعتمد على القصة والخيال، بل تتخذ مادتها من واقع الحياة (ظهرت كلمة الفيلم التسجيلي لأول مرة في مقالة للناقد جون جريرسون في مجلة «نيويورك صن» في فبراير العام 1926) والفيلم كان رصداً أميناً موثقاً لمشاعر العراقيين للأيام الأولى من حرب العراق.. وقد أضفى تعليق وصوت ابراهيم صفر تأثيرات على مناخات السرد الفني.. وقد نجح الفيلم في نقل لقطات بانورامية بأسلوب معاصر إلى جانب تقنيات المونتاج المكثفة لأحداث طويلة تم رصدها خلال 37 دقيقة. في الجانب الآخر كان فيلم «من تفاحة إلى تفاحة» لمخرجته بهمن نظري منافساً على مستوى (أفلام التحريك) وناقش الفيلم بالصور المتحركة وبطريقة متقدمة مسألة جشع الإنسان حتى مع الطبيعة.. جملة من الأفلام التسجيلية المتفاوتة شكلاً ومضموناً: «الحرب في عيون الأطفال» (آمنة المرزوقي) و»اضطهاد الأطفال» (بدرية المحرزي) و»مريم» (عايدة حديد) وغيرها سجلت لمخرجيها حضوراً لمناقشة قضايا ما زالت عالقة اجتماعياً كما أنها قدمت نخبة من المخرجين الشباب ما زال بعضهم على مقاعد الدرس في الجامعة ورغم إخفاق بعضها في استكمال شروط الفيلم التسجيلي إلا انه مع ذلك كانت مفاتيح نحو استثمار المشكلات الاجتماعية والإنسانية وخوض غمار تجربة كتابة السيناريو المسرود.
أفلام من فلسطين والبحرين
لعبت المسابقة دوراً مهماً في الإشارة الى القضايا المركزية للوطن العربي وبخاصة قضية فلسطين، فقد ضمت المسابقة في جنباتها عرضاً مهماً من فلسطين بعنوان «كأننا عشرون مستحيلاً» وهو فيلم روائي مدته 18 دقيقة وأخرجته آن ماري جاسر، التي تتنقل حالياً ما بين رام الله ونيويورك.. وهو من الأفلام المليئة بالخشونة والحركة حيث مناظر الطبيعة وقد زرعت بالحواجز العسكرية، عندما يقرر فريق العمل اجتياز هذا الحاجز ينكشف المنظر السياسي ويتبعثر المسافرون ببطء نتيجة المصاعب اليومية التي يفرضها الاحتلال القاسي العنيف.. الفيلم ينتقد بجرأة انتهازية الاحتلال.. أما النجاح الذي حققه الفيلم فيبدو في لغته وخصوصيته رغم المباشرة أحياناً. ومن البحرين كان هناك فيلم «مملكة البحرين» لمخرجه بسام الذاودي ومدته 86 دقيقة.. هذا إلى جانب جملة من الأفلام العالمية والعربية وندوة السينما الإيرانية الوثائقية والقصيرة وعروض أفضل أفلام مهرجان آنس للتحريك ومختارات من مهرجان «سينمانيا» للتحريك وأفلام استعادية للمخرج الإيطالي برونو بوزيتو، وأفضل أفلام المدارس الفرنسية وبرنامج مهرجان «زدكيودايزس» وبرنامج جمعية سينما الشباب الإيراني وبرنامج مركز الفيلم الوثائقي والتجريبي وبرنامج مهرجان ادنبره السينمائي الدولي وغيرها من البرامج والعروض المهرجانية.. كل ذلك وما يزيد احتوته هذه الاحتفالية السينمائية.. في مناخ لا توجد فيه صناعة حقيقية للسينما.. فهل كنا أمام حدث لا يصدق؟
الواقع أن قراءة سريعة في برنامج المسابقة عبر دورات مختلفة وما تضمنته من أفلام إلى جانب ذلك الحضور المهم لعدد من الشخصيات السينمائية المهمة وما أحدثته من حوار التجارب المطلوب، تشير إلى أننا كنا أمام حالة سينمائية في طريقها إلى التطور.. نحو مشروع سينما وطنية إماراتية أو نحو مهرجان للسينما المحلية لا سيما وأننا تجاوزنا عدة دورات حتى الآن.. ونقول إن هذا الخليط العجيب ما بين نوعية الأفلام والقصر الشديد لبعضها كان يمكن أن تعرض ضمن فئة الأفلام التدريبية للطلبة خارج المنافسة وضمن سياق من المحاضرات والمحاورات النقدية يلعب فيها المتخصصون دوراً مهماً في إفادة الطلبة في هذا المجال.
لقد أراد منظمو هذه التظاهرة أن يلقوا بكل ما لديهم دفعة واحدة في مناسبة لا تتكرر في العام إلا مرة واحدة فكان عدد الأفلام اكبر بكثير من المدة المخصصة للبرنامج العام إلى جانب اختلاط التجارب ببعضها وكنا نود لو أننا ركزنا الجهود على الأفلام الروائية تمهيداً للانطلاق نحو مهرجان للسينما الإماراتية نستثمر من خلال المخرجين والكتاب المتميزين ومدهم بالخبرة والدورات اللازمة في هذا المجال ليكونوا بذلك النواة الحقيقية لطموحاتنا.
صحيح أننا نجحنا في لفت الانتباه لوجود عدد كبير من المخرجات الشابات والمخرجين والكتاب والفنيين في مجال التصوير والمونتاج، ومع ذلك كان علينا أن ننجح في تقديم النوعية لا الكيفية، وينسحب ذلك على الندوات الفكرية النقدية وقد كانت محدودة إذا ما قارنا ذلك بحجم الأفلام التي عرضت في المسابقة. لقد قال الناقد نديم جرجوره في مقالة له بعنوان «نحو أول فيلم إماراتي» إنه لابد من مناقشة المعنى الثقافي والفني لإقامة مهرجان سينمائي في دولة خليجية لا تملك صناعة سينمائية ولا تشهد حركة إنتاج محلي باستثناء محاولات عدة لتحقيق أفلام استعانت بتقنيات الفيديو، وما بين المعنيين يظل الطموح هو الغالب، فليس من المعجزات أن يكون لنا مهرجان مسرحي وطني خالص طالما ان الجهود والنوايا متوافرة فقط بالكثير من الدرس والبحث والتعمق والتركيز والعمل ضمن نطاق التقنية الصحيحة نستطيع أن نكون ضمن سؤال هاملت نكون أو لا نكون؟

اقرأ أيضا