الاتحاد

الملحق الثقافي

أصنام الثنائيات

صالح هويدي

صالح هويدي

لعلنا لا نضيف جديداً إذا قلنا إننا نعيش إشكالاً حضارياً منذ غروب شمس حضارتنا التي أشعت على العالم يوماً ما، وتركت فيه بصماتها، إذا ما استثنينا المرحلة الإصلاحية التي قام بها أعلام التنوير العربي في مطلع ما سمي بفكر النهضة ولم يكتب لها الحياة؛ أمثال: جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي ورفاعة رافع الطهطاوي، ومن تلاهم من جيل طه حسين ولطفي السيد وسلامة موسى وشكيب أرسلان وقسطنطين زريق والطاهر بن عاشور.


منذ فشل محاولات الفكر الإصلاحي وحتى يومنا هذا لم ننجح في إحراز تقدم حقيقي على مستوى الفكر أو الخروج من الإشكالية الثنائية الزائفة، المتمثلة في استبدال لحظتنا الحضارية الراهنة؛ إما بالانتظام في المرجعية الحداثية الغربية، أو بالانتظام في نموذجنا التاريخي السابق، بوصفه معطى ناجزاً لا بديل عنه، ولحظة تاريخية قابلة للاستعادة الحرفية.

لا ريب في أن بين هذين الموقفين الرئيسين موقف ثالث انتقائي؛ ينطلق من رؤية تهفو إلى ما وصف بالموقف التوفيقي بين المرجعيتين: الغربية والعربية، عن طريق الاستفادة من إيجابيات الحداثة وتبنيها، وتجاوز ما يمكن أن يكون إفرازاً سلبياً منها، مع السعي إلى توظيف بعض المعطيات التراثية. لكن هذه الرؤية تكشف عن تصور تبسيطي لقانون التقدم الحضاري وشروط استنباته، فضلاً عن صعوبة التطبيق الواقعي لهذا التصور النظري التجزيئي الذي ما فتىء يلجأ إلى ضروب من الانتقاء والتهجين، لتقديم (توليفات سيليفونية) براقة، مفرغة من شروطها التاريخية ومسوغاتها العلمية.

هيمنة الغلو

وبدلاً من أن يشهد الفكر العربي في مرحلة الانسحاب الحضاري التي نعيشها، سعياً حثيثاً نحو الاقتراب من فكر الحداثة والتقدم لدى الآخر، بتنا نشهد منذ سبعينيات القرن الماضي حتى اليوم ازدياداً مطّرداً في وتائر التطرف نحو نفي الآخر ورفض جميع ما يصدر عنه، والتحول من مستوى الفكر والتعبير إلى مرحلة مجابهته بممارسات عنفيّة، تمثلت في صعود تيارات الإسلام السياسي التي أخذت أشكالاً من العنف والتطرف وصل إلى حد التصفيات والتكفير لدى التيارات المتطرفة، ورفع شعارات الدعوة إلى استعادة النموذج التاريخي الجاهز للعرب وليس استلهامه، مع تبلور ملامح موقف جديد يجهر بالدعوة إلى الصدام مع الغرب على كل المستويات، واستهجانه مشاريع الإصلاحيين الرواد، واتهامهم بالتغريب والعمالة حيناً، وبالكفر والخروج على التراث والعقيدة حيناً آخر.

وهو الاتجاه الذي شهد شحناً للشارع وتجييشاً لفكر الشباب نحو فكرة التصادم مع مراكز الغرب ونظمه ومعطياته جميعاً، بوصف هذا الموقف دفاعاً عن الدين والهوية التراثية. وغير بعيدة عنا أحداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة الأمريكية، وما وقع من أحداث قتل في فرنسا مؤخراً.

إن التطرف الذي تمثله تيارات الإسلام السياسي في عصرنا الراهن، يلتقي ولا شك مع بعض ظواهر تطرف التيارات الإسلامية التي شهدها تاريخنا العربي؛ فكلاهما نوع من التعبير عن المواقف السياسية والصراعات الخفية، فقد كانت السياسة تمارس باسم الدين وتلتمس الشرعية منه مما جعل الصراع السياسي يجري تحت مظلة الدين على حد تعبير الجابري.
والحق أن التيارات المنغلقة تشكل خطراً ليس على حاضرنا ومستقبلنا فحسب، بل على تراثنا الحضاري جميعاً، من خلال تغليبها تياراً متطرفاً منه، وتشويهها نسيج الخطاب المعتدل في التراث، ومظاهر العقلانية والسماحة، والانفتاح على الآخر التي ينطوي عليها جوهر ديننا. ولعله يكفي للتدليل على ذلك أن ننظر إلى القراءات الأخرى لديننا التي عبرت عنها نماذج دول إسلامية كإندونيسيا وماليزيا وتركيا وإسبانيا أيام الحكم الإسلامي.

سؤال الزمن

إن علينا أن نتساءل هنا: لمَ لمْ يتمكن العرب من تحقيق مشروعهم الحضاري وإنجاز تقدمهم بمعزل عن حضارة الغرب وعلاقتهم به حتى هذه اللحظة، ما دمنا عاجزين عن التعايش معه؟ ولمَ لمْ ننجح في تحقيق ثورتنا أو حتى اللحاق بأي من ثورات الغرب، كالثورة الصناعية أو ما بعد الصناعية أو ثورة الاتصالات والمعلومات التقنية، وتأسيس قدراتنا التكنولوجية المستقلة؟

كما من حقنا أن نتساءل؛ في حال أمكننا العودة إلى الانتظام في تراثنا التليد واستلهام نموذجه الناجز: ما الذي يمكن أن تمثله هذه العودة، على مستوى الزمن؟ أهي لحظة ماضي، أم هي لحظة مستقبلية؟ وهل يمكن للبشر استعادة لحظة الماضي المتصرِّم حقاً؟
لا ريب في أن المنجز الحضاري التراثي ينطوي على مفاهيم ومقولات ومعطيات فكر ثقافي وإبداعي وعلمي معرفي. وهي مفردات أبدعتها عقول عربية ضمن شروط زمنية ومكانية وثقافية محددة، أدت غرضها في وقتها ومكانها؛ لأنها مثلت إجابة عن أسئلة محددة، في زمن بعينه، وأن من المتعذر إسقاطها اليوم على متغيرات اللحظة التي يعيشها مجتمعنا الراهن، المختلف في مفاهيمه ومعطياته وأسئلته وإشكالياته التي تستوجب مفردات ومفاهيم ومعطيات وحلولاً جديدة لإنتاج الفاعلية المطلوبة والتقدم المنشود. وهو ما يعني تعذر تكرار النموذج، والعودة إلى اللحظة التاريخية الذاهبة؛ لأن أية محاولة في هذا السبيل لن تعني سوى العودة بالخطى نحو الماضي ونفي لحظتي الحاضر والمستقبل ليس غير، كما يقول تركي الحمد.
والحق أنَّ الدعوة إلى الاعتصام بمرجعية (الأنا) الناجزة والتماهي بها، ليست سوى تعبير عن حالة من حالات الغربة مع المكان، تماماً مثلما يعبر الداعون إلى الانتظام بمرجعية (الآخر) عن حالة الغربة عن الزمان، وفقدان الإيمان باستقلالية الذات وإرادتها وخصوصيتها. ولعل الجابري كان مصيباً تماماً حين فكك هذا السلوك؛ راداً إياه إلى ميكانيزم الحالة الدفاعية التي يجد العربي اليوم نفسه مضطراً إليها وهو يواري حالة الضعف التي هو عليها، في أثناء مواجهته زحف النموذج المهيمن، الممتلك للمشروع الحضاري المتقدم. كما أن الدعوة إلى استعادة لحظة الماضي التراثي تغفل في الوقت نفسه عن حقيقة أن صورة المنجز التراثي أو لحظته ليست واحدة، إنما هي لحظات ومراحل مختلفة مثلت العصبيات والتمزق والعنف وانعدام الحريات والفرقة القبلية والمذهبية التي لازمت فترات الانغلاق والتقهقر والبعد عن الفهم الديني الحق، في حين كانت مراحل التقدم والازدهار الحضاري سبباً في إقامة العدل وإشاعة الحريات والتقارب فيما بين الفرق والملل والنحل والإثنيات كما يذهب محمود إسماعيل، فضلاً عما شهدته هذه العصور من أوجه حوار وانفتاح غير مشهود على فكر الآخر، والإفادة منه وترجمته، سواء في ما يتصل منه باليونان أو الفرس أو الهند.
إن بنا حاجة اليوم إلى أن نملك موقفاً متوازناً من الآخر، يتجاوز منطق الرفض المطلق، في الوقت الذي يتفادى التماهي معه إلى حد فقدان الذات والذوبان في تضاعيف هويته، بل إنّ على هذا الفكر، كيما يحقق وعيا حقيقياً، أن يؤسس لإنجاز قراءة معطيات كلٍّ من المرجعيتين، (الأنا) و(الآخر)، من منطلق رؤية المعطيات الحية للحاضر الذي يعيشه واللحظة التاريخية التي يمر بها. أي أن على هذا الفكر أن يتخذ متطلبات الحاضر وعناصره المضيئة مقياساً للنظر إلى ماضي الأمة، مثلما يتخذها نقطة انطلاق للتفاعل مع مرجعية الآخر وفهمه، إذا ما أردنا لهذا الفكر أن يكون أميناً لماضيه، ووفياً للحظته التاريخية في آن معا.
إن التقدم الحضاري يمكن أن يتحقق إذا ما توافرت القدرة على فهم التراث الثقافي واستيعاب تجاربه وإنجاز وعي حقيقي به، وذلك بقراءته قراءة حية، إلى جانب قراءة منجز الآخر المتقدم وإنجاز الوعي اللازم به؛ عن طريق الانفتاح عليه والتفاعل الحقيقي معه.
ولعلنا لا نبعد عن الصواب إذا قلنا: إن الرؤية التوفيقية تجانب الصواب هي الأخرى، حين تخون نفسها من خلال ممارسات لا تفضي إلى نتائج ذات بال. فالإشكالية الحضارية التي يعاني منها خطابنا الثقافي المعاصر أكبر من أن تحلها اختيارات تقفز فوق السياقات، وتهجينات تتجاوز الظروف التاريخية المختلفة ومستويات التطور المتباينة.

فهم أم احتكار؟

إن رفضنا الآخر موقف غير واقعي على المستوى الفلسفي، فضلاً عن أن له آثاراً سلبية على المستوى الواقعي، إذ يؤدي في النهاية إلى الانغلاق الذي يقود إلى السكون، فالتوقف والجمود المؤدي إلى التخلف، في حين ينطوي الانفتاح على ضروب من المساءلة والتعاون على إنتاج الحقيقة، إلى جانب أن الحوار مع الآخر يمنح الذات قدرة على الإحاطة علماً بما حولها، ويعينها على اكتشاف ذاتها. وقد قيل إن الذات لا يمكن أن تتحقق على مستوى المفهوم، من دون وجود آخر يكملها، ويحدد هويتها، ويحول دون اغترابها، كما يقول نور الدين ثنيو. إنه المرآة التي ترى فيه الذات حقيقتها، وقديماً قيل: «وبضدها تتميز الأشياء».

بل ها هو الكندي؛ أحد أبرز فلاسفة العرب يرسم لنا قانون نمو الحضارة وتقدم الأمم، عبر رؤية متقدمة لحركة الفكر، وعلاقة جيل الخلف بالسلف، رافضاً الدعوة إلى تقليد الأسلاف وترسّم آثارهم على طريقة وقوع الحافر على الحافر، دونما إضافة أو مساءلة لما يقرضه الواقع الجديد، أو ما لم يُقل فيه قولٌ تام، فضلاً عن نفيه صفة الكمال أو الصفاء عن المرجعية التراثية، وذلك حين يرى أن تراث كل أمة إنما هو حلقة من حلقات «تتميم النوع الإنساني»، ذاهباً إلى أنه «حري بنا إذا كنا حراصاً على تتميم نوعنا.. أن نبدأ مما قاله السابقون علينا، لا على سبيل استعادته أو تكراره بوصفه الأكمل والأنقى، بل على سبيل تتميم ما لم يقولوا فيه قولا تاما، على مجرى عادة اللسان وسنة الزمان.

التعايش مع الآخر

وعلى الرغم من دخول العرب عصر الحداثة بمفهومها العولمي التأثري، لكن دخولنا في الحقيقة لا يزال دخولاً بالجسد أكثر منه دخولاً بالروح والعقل. فنحن لم ندخل بعد مرحلة التفكير الجدي في سؤال المستقبل، وما زالت عقولنا منشغلة بسؤال الماضي، ومثقلة بتفاصيل هامشية لا تتعدى التطلع إلى زمننا الراهن الذي نختلف فيه على صحة فتوى إرضاع الكبير من عدم صحتها، أو حول التقيد بالقياس في الاجتهاد الفقهي أو تجاوزه في ضوء الحاجات الجديدة ومقاصد الشرع والمصالح المرسلة للناس، أو الاختلاف حول المرأة وعاطفتها وعقلها، كونها كائناً مساوياً للرجل أو رمزاً لإثارة الغرائز الجنسية، ضاربين صفحاً عما قدمه لنا الخليفتان عمر وعثمان (رضى الله عنه) من اجتهادات مختلفة في تفسير النصوص، تجاوزت اجتهادات من سبقهم في مجالات عدة. وهو درس يثبت بوضوح لا لبس فيه أن علاقتنا بتراثنا ليست علاقة سوية، لأن الفكر الذي يحتكر النطق باسم الدين لا يعترف بشرعية الاختلاف والاجتهاد، بل يرى رأيه سلطة وديناً وليس رأياً في الدين، في حين يرى في رأي الآخر مجرد رأي كما يقول علي أومليل، في الوقت نفسه فإن هذا الدرس يكشف لنا عن أن علاقتنا مع الحضارة المعاصرة لا يكفي فيها استنساخ نموذج السلف الصالح وحده. فهذا النموذج إنما «كان نموذجاً كافياً لنا يوم كان التاريخ تاريخنا والعالم عالمنا» وأن استمرارنا في أن نعيش عصرنا يقتضي تدشين سيرة جديدة تكمل سيرة السلف القديمة وتجعل منها نموذجاً صالحاً للاستلهام في بناء سيرتنا الخاصة، و»ليس استنساخها»على حد تعبير الجابري.

وها نحن اليوم ما زلنا حائرين بين سؤال الماضي والحاضر، وعاجزين عن الدخول إلى سؤال المستقبل؛ مكتفين برفض الآخر جملة، ورفض حضارته ومعطيات حداثته تحت عباءة الهوية التي بالغنا في التنظير لصفائها، ونأينا عن ممارسة فعالية نقد الذات ومراجعة منجزها بمناهج علمية، كما فعل علماؤنا بالأمس.

مغادرةالأوهام
لقد أفلتنا سؤال العلم والإبستيمولوجيا بعد أن استعذبنا التمرّغ في فضاء الأيديولوجيا، وما جرتنا إليه من انحيازات وتحزبات وانشقاقات واستعداءات داخلية وخارجية. وقد انعكس إفلاتنا لسؤال العلم ومنهجياته في حياتنا على ثقافتنا وفكرنا وتعليمنا الذي ما زال يمارس دور تدعيم البنية الأبوية ونظام التلقين والطاعة، بعيداً عن حرية التفكير والنقد والاختلاف، إنْ داخل الأسرة أو المؤسسة التعليمية أو فضاء المجتمع. وهو فضاء يسعى إلى ضبط المتلقي وإعادة إنتاج النمط الأحادي ذاته.

والحق أننا لن نستطيع التفكير الجاد في سؤال النهضة والحداثة، من دون أن ننجح في الخروج من دائرة رد الفعل إلى فضاء الفعل الجاد، بإعادة النظر في منظومة بنية نظامنا الاقتصادي والاجتماعي والفكري، وتغييرها تغييراً جذرياً في ضوء سلطة العلم ووفق استراتيجية نهضوية تمارس فعل نقد مرجعية الأنا، بقدر نقدها مرجعية الآخر، بعيداً عن التعصب والانغلاق أو التبعية والاستلاب. ولن يتحقق لنا هذا من دون إقامة أسس الحياة المدنية التي تكفل إشاعة الحرية؛ الضمانة الحقيقية لأي ممارسة عقلانية علمية، تكرّس عقل الإنسان بوصفه القيمة العليا.
إن نجاحنا في صياغة سؤال المستقبل والنهوض، عن طريق صياغة العقل النقدي، والاشتراك في تكوين حضارة المستقبل، والحضور كهوية حضارية، لن يتأتى ما لم نسهم بشكل فاعل خلاق في صياغة المشهد الحضاري العالمي، وذلك عن طريق امتلاك الفرد العربي لإرادته المستقلة، وتقديم خطاب معاصر قادر على المشاركة في معطيات العصر، وبلورة رؤية عصرية للتراث، تجعل منه منظومة ذات نسق بنيوي موحد، لا تاريخ ملوك وحكام وفرق وطوائف وعنعنات مفرّقة، نعيش إشكالياتها من دون أن تكون لنا فيها مصلحة أو فائدة ترجى.
وهنا لا بد من التأكيد على أن العلاقة الهامشية بين خطابنا الثقافي وخطاب الآخر ليست من التبسيط، بحيث يمكن تخطيها اليوم أو غداً، وذلك لأن مظاهر هذه العلاقة تعود إلى طبيعة المرحلة التاريخية التي تعيشها أمتنا، وإلى أزمتها الحضارية. ولا ريب في أن الأمل في تصحيح واقع هذه العلاقة يبقى مرهوناً بقدرة هذا الخطاب على التحرر من رهق الإحساس بسلطة خطاب الآخر، إلى حد الهيمنة والاستلاب، فضلاً عن السعي إلى إنتاج معرفة حقيقية بواقع الخطاب الثقافي نفسه من جهة، وبخطاب الآخر من جهة أخرى. وهو أمر لا يمكن له أن يتحقق من دون سعي حثيث إلى إنتاج أسئلة جديدة تطمح إلى تخطي الواقع وخلخلته. لكنّ بين تحقيق هذه الغاية العامة في خطابنا الثقافي، والواقع الذي يحياه هذا الخطاب، طريقاً طويلاً ومستلزمات عسيرة، ليس من السهل تحقيقها.
من هنا فإن حالة الانسحاب والضعف الحضاري التي تعيشها الأمة العربية اليوم هي التي تحول دون امتلاكنا إرادتنا المستقلة؛ ويجعل خطابنا الثقافي من ثم يستمر في إنتاج أسئلة متشابهة، تتراكم منذ عهود، من دون أن تفلح في العثور على آليتها العلمية ومنهجها الجدلي، في الفهم والتفاعل مع الآخر على قدم المساواة.
ولعل المقارنة بين ما كان عليه حال أمتنا وخطابها المعرفي إبان ازدهار حضارتها، وحالها في مراوحتها في مكانها في أيامنا هذه، كفيل بدعم ما ذهبنا إليه وتوكيده.
لقد عبر الخطاب الثقافي العربي زمن النهوض الحضاري، عن حالة الانفتاح الواعي على حضارة الآخر (اليوناني والفارسي خاصة)، والتحاور الخلاق معها، في مقابل تكريس خطابنا الثقافي اليوم حالة الاندماج في خطاب الآخر، إلى حد الذوبان فيه وفقدان ملامحه.
وفي الوقت الذي تحقق فيه لخطابنا الثقافي، زمن النهوض، الوصول إلى إنتاج رؤى خصبة واتجاهات مضيئة، وتيارات متنوعة، فإننا نجد خطابنا الثقافي المعاصر يكتفي اليوم بالمتابعة واستهلاك الخطاب الجاهز للآخر، ساعياً إلى تبنّي منتجه، وإن كان مفارقاً لنبض نصوصنا وملامح شعريتها الخاصة.
من هنا فإن القيمة الحقيقية للمقولات والمناهج والآليات والاتجاهات التي يتبناها خطابنا النقدي، لا تكمن في مدى حضورها المنهجي عند الآخر فحسب، بقدر ما تكمن في فاعليتها في معالجة نصوصنا وحل مشكلاتنا.
من هنا، فإنه لا يمكننا تأسيس خطاب تنويري قائم على العقل وقيم التسامح وإشاعة روح الحوار وأفكار التعددية داخلياً وخارجياً، قبل خلق الأرضية الصالحة لاستنبات تلك القيم والأفكار، والتثقيف عليها ضد مختلف محاولات مصادرة حق الاختلاف والتعددية وحرية النقد والحوار.
إن فشل مسيرتنا التنويرية وتقطّع موجاتها، والحيلولة دون تواصلها والدوران في حلقة مفرغة، نحو أفكار وثقافة مشوهة غريبة عن إنساننا وفطرته، إنما يعود إلى استغلال الفطرة الدينية والفكر النقلي لإنساننا البسيط؛ لإشاعة لون من الفهم الديني المغلق، مجاف لقيم تراثنا وروح عقيدتنا، وهو أمر يستدعي السعي الجاد نحو تحقيق التقدم في مجال العلم والتكنولوجيا وتهيئة البنية التحتية الصالحة لنموه، واستنبات مناهجه، والتشجيع على ممارسة الحوار والنقد والنقد الذاتي، وإشاعة الثقافة الإبستيمولوجية، بدلاً من الثقافة الأيديولوجية، والانتقال من مرحلة استهلاك معطيات التكنولوجيا إلى مرحلة المشاركة في صنعها، والسعي الحقيقي المبرمج لمحو أمية الجماهير الغفيرة التي تفاقمت مشكلاتها يوماً بعد آخر.

شروط تجاوز الإشكالية

ولأجل الخروج من الإشكالية التي يعيشها الخطاب العربي المعاصر، لا بد من تحرير هذا الفكر من غربته المتأتية من استلاب سلطة الآخر له من جهة، ومن وصاية الماضي وهيمنة سلطتيهما عليه من جهة ثانية. فكلاهما يحيل إلى الأسر، ويصادر الإرادة المستقلة، ويحول دون المغايرة والإفصاح عن الإمكانات الحقيقية للذات وتفجيرها كما يقول أدونيس. لكن إعادة الفكر العربي النظر بهاتين المرجعيتين لا ينبغي أن يفضي بنا إلى تزييف وعينا، باختيار بديل يلجأ إلى ضروب من الانتقاء والمواءمة غير الحقيقية وغير المسوغة، بل بتأسيس وعي حقيقي بهما. ذلك أن كلاً من المرجعيتين(الأنا والآخر) لا يعبر عن أفق للخروج من أزمتنا الحضارية؛ لأنهما قد أصبحتا لا تعبران عن حاضرنا ولا عن صورة المستقبل المأمول.

وإذا أردنا أن نقترب خطوة أخرى نحو تحديد مستلزمات إنجاز هذا الوعي الجديد بالمرجعيتين، لقلنا: إن على الخطاب الفكري العربي ألا ينجز قراءته لحاضر الأمة في ضوء مرجعية الماضي (الأنا)، أو في ضوء مرجعية الآخر(الغربي). فالوفاء لهذا التراث، تبعا لهذا الفهم، لا يكون محصلة لمحاكاته أو استنساخه أو اتخاذه إطارا مرجعيا لحاضرنا، بل إن الوفاء له، إنما يكمن في استقلال الفكر وهو يمارس قراءته ونقده.
ولعل من المهم التوكيد هنا على حقيقة أن النيات الحسنة والمشاعر الصادقة لم تعد سبيلاً ناجعاً لتحقيق ما نسعى إليه وننظر له. فإشكالية الخطاب الثقافي العربي ليست ترفاً فكرياً ولا تجريداً ذهنياً. إنها موضوعة واقعية وتجربة معاناة حية، يستلزم حلها تضافر جهود المفكرين العرب جميعاً، مع السعي الجاد إلى إدراك بنيتها الواقعية (التحتية)، في القضاء على الأمية، ونشر التعليم وتسهيل فرصه أمام أبناء المجتمع، وتأسيس قاعدة صلبة حقيقية، لثقافة علمية تحارب الجهل والخرافة وألوان التخلف والخزعبلات، فضلا عن توجه دولنا نحو وضع استراتيجية حقيقية لبناء قاعدة زراعية وصناعية، من شأنها خلق فرص نمو اقتصادي يحقق التطور والاستقلال، وإشاعة روح العدل والحرية والعقل النقدي الكاشف عن مظاهر ثقافة التطرف والوعي الخرافي، وهيمنة الاجتهادات النقلية على التفاسير المستنيرة والفكر المعتدل للنصوص الدينية، وعدم التهاون في تفكيك مختلف مظاهره في حياتنا المعاصرة، مع السعي الجاد إلى دعم المفكرين والمبدعين العرب، للانتقال بالمنظومة الثقافية والفكرية إلى مستوى معرفي فاعل.

هامش أول مع موضوع صالح هويدي
جذور الاستنارة
قدم لنا الخليفة عمر بن الخطاب المثل الحي لفكر الاستنارة الذي يستند إلى مبدأ إمكانية تجاوز الاجتهاد الفقهي لأي رأي من آراء السلف الصالح في حال تغير مستجدات الزمان والمصلحة العامة للمجتمع، وذلك في مواقف عدة لم يكن حكمها واحداً، من مثل توزيع أموال الغزوات على المسلمين، وإيقاف العمل بحكم قطع يد السارق في عام الرمادة، وتغيير الموقف من المؤلفة قلوبهم، بل سبقه الرسول الكريم (ص) في واقعة تزبير النخل التي قال فيها قولته المشهورة الدالة على التمييز بين الرأي الشخصي والرأي الصادر عن الوحي أو المستلهم منه: أنتم أعلم بشؤون دنياكم.
إن غياب مثل هذا المعطى الحضاري، الفكري، المستنير عن واقعنا اليوم، هو أمر يعود لا ريب إلى انكفائنا على ذاتنا وجهلنا بحقيقة ديننا، وتبني مفاهيم خاطئة، تتصل بالفكر الديني والاجتهاد، بمعزل عن فهم المقاصد البعيدة والإنسانية لديننا العقلاني السمح.

هامش ثان مع موضوع صالح هويدي
مثال من بغداد
لعل بنا حاجة اليوم إلى الوقوف على واحد من المواقف التي كانت بغداد تعيشها أيام ازدهار حضارتنا، وطريقة ممارستنا حواراتنا الفكرية والعقدية. فها هو الحميدي صاحب جذوة المقتبس ينقل لنا إجابة لابن سعدي القيرواني عن سؤال ابن أبي زيد عما رآه في بغداد، بقوله: إنه حضر مجلساً «جمع الفرق كلها؛ المسلمين من أهل السنة والبدعة، والكفار من المجوس، والدهرية، والزنادقة، واليهود، والنصارى، وسائر أجناس الكفر، ولكل فرقة رئيس يتكلم على مذهبه، ويجادل عنه، فإذا جاء رئيس من أي فرقة كان، قامت الجماعة إليه قياماً على أقدامهم حتى يجلس فيجلسون بجلوسه، فإذا غص المجلس بأهله، ورأوا أنه لم يبق لهم أحد ينتظرونه، قال قائل من الكفار: قد اجتمعتم للمناظرة، فلا يحتج علينا المسلمون بكتابهم، ولا يقول نبيهم، فإنّا لا نصدق بذلك ولا نقرّ به، وإنما نتناظر بحجج العقل، وما يحتمله النظر والقياس، فيقولون: نعم لك ذلك».
ـ (جذوة المقتبس)
فأين هذه المنطلقات الحضارية وروح التعايش والسماحة مما نحن فيه اليوم من مظاهر انكفاء تعدت حدود الخصام والفرقة في الرأي، لتصل إلى حدود متطرفة في الحكم على السرائر والنوايا، متخذة من النفي وتكفير الآخر وإقصائه منطلقات أساسية للتعامل والتقييم.

اقرأ أيضا