الاتحاد

دنيا

المعرض يستعيد ذكرى البدايات في تعليم «الكتاتيب»

تعليم المطوع طريقة تربوية أسست العديد من الأجيال (تصوير عمران شاهد)

تعليم المطوع طريقة تربوية أسست العديد من الأجيال (تصوير عمران شاهد)

أبوظبي (الاتحاد) - المطوع عبد العزيز بن إبراهيم المبدل من الوجوه البارزة التي استضافها معرض أبوظبي للكتاب هذا العام، وأعجب بها الصغار والكبار على حدٍ سواء، لما تميز به من قدرة غير عادية على التفاعل مع الأطفال واسترجاع قيمة واحد من أهم الأساليب التربوية التي سادت العالم العربي فترة طويلة، وأكد الجميع مدى حاجة الأجيال إليه في الوقت الحالي.
في حديثه لـ«الاتحاد»، قال المبدل إن أهمية الكتاتيب في المجتمع تتمثل في مناح عدة وهي، كونها المقدمة الأولى لتعليم العلوم ودراستها فلا يمكن دراسة أي علم إلا بعد دراسة في القراءة والكتابة، تعويد الأطفال على القراءة السليمة للقرآن الكريم وتقويم ألسنتهم من اللحن والخطأ، غرس حب القرآن وتعلمه في نفوس الأطفال منذ نعومة أظفارهم لزيادة تعلقهم به. وتعريفهم بعظمته والذي هو أساس العقيدة والمصدر الأول للتشريع الإسلامي وبالتالي تربيتهم تربية صحيحة وسليمة وفق المنهج القويم للدين الإسلامي، إنها السلاح الفتاك لمحاربة الجهل الذي هو أساس جميع المفاسد واجتثاث جذوره من المجتمع، وإدراج الأبناء في عجلة العلم التي هي أساس التقدم والازدهار وتميز الشعوب عن بعضها البعض، ومن المناسب هنا أن نذكر ما كتبه الجاحظ في الرفع من شأن القراءة والكتابة في رسالة المعلمين، التعويد على النظام والانضباط، واحترام القوانين والتقيد بها لما لها من آثار كبيرة تنعكس في تكوين الشخصية الجادة، والمثابرة المفيدة في المجتمع والحياة العامة، إن المعلم في الكتاب مربٍ بقدر ما هو معلم ومن أدواره التنشئة على الأخلاق والقيم الإسلامية عبر تقويم الاعوجاج والتوجيه السليم لكل خلل يلحظه في سلوك التلاميذ، لما للمعلم من تأثير بالغ في نفوس التلاميذ، وليس مقام معلم بين طلابه بالقليل.
تربية عقلية
ومن تلك المنافع التي ذكرها المبدل، أن الكتاتيب تسهم بدرجة عالية في تربية العقلية الناضجة الواعية بشؤون الحياة والأوضاع المختلفة الدائرة في المحيط الاجتماعي المحلي والعالمي، والاطلاع على نتاج الشعوب عن طريق القراءة والكتب فالتعلم في الكتاب يغرس في التلميذ روح حب القراءة التي هي جذر معظم المعارف وحفظ أوقات الأطفال، وعدم هدرها بالعبث وصرفها بما يعود بالنفع والفائدة عليهم ديناً ودنيا، فالطالب في الكتاتيب يصرف معظم وقته بين الدراسة والمراجعة مما لا يدع لديه وقتاً يهدره في اللعب ومصاحبة البطالين من بني جيله، تقويم ألسنة الأطفال والعمل على تحسين نطقهم باللغة العربية الصحيحة وإجادتهم لها وإثراء قاموسهم اللغوي، بالعديد من المفردات الأدبية واللغوية وهو الأمر الذي يحرص عليه معلم الكتاب خلال تعليمهم فن الكتابة، من خلال الأبيات الشعرية والحكم البلاغية، إن تعلم القراءة والكتابة أحد وسائل تحسين مستوى المعيشة لكون المتعلم مطلوباً في العديد من الأعمال كالنسخ والمحاسبة والتعليم وغيرها من المهن المتوقفة على ذلك، لما يتمتع به المتعلم في الغالب من حصافة وفهم قد لا يتوافران لدى الإنسان الأمي.
العصر الأموي
وعن تاريخ الكتاتيب أشار المبدل إلى أن مدرسة الكتاتيب ترجع إلى أقدم العصور وهو مكان من الأماكن الأولية لتعليم الناشئة حفظ القرآن الكريم ومبادئ القراءة والكتابة، والعلم أساس نهضة الأمم وعلو شأنها وسر تفوقها وقوتها، والأمة التي يجهل أبناؤها ويحرمون نور المعرفة أمة متخلفة ضعيفة الإرادة وتعتبر من آخر الشعوب.
والكتاتيب جمع كتاب وهي من المؤسسات التربوية الإسلامية التي عنيت بتربية وتعليم أبناء وبنات المسلمين وبدأ ظهورها منذ العصر الأموي.
أما في الحضارات السابقة فقد وجدت الكتاتيب ملحقة بالمعابد الفرعونية وعرفت باسم مدرسة المعبد، واستمرت الكتاتيب أيضاً لتعليم أجزاء من الكتاب المقدس والمزامير.
وفي بداية ظهور الإسلام، دأب النبي صلى الله عليه وسلم على تشجيع المسلمين على تعليم القراءة والكتابة وعدّها من الضروريات لفهم الدين والحفاظ عليه من الاندثار، فكانت أول خطوة قام بها لذلك بعد معركة بدر الكبرى أن فرض على كل أسير من قريش يحسن القراءة والكتابة أن يعلم عشرة من المسلمين، فكانت هذه بداية إرهاصات الكتاتيب في العالم الإسلامي.
بيت المطوع
وحول الأماكن التي كانت توجد فيها الكتاتيب وتدار فيها حلقات العلم ذكر المبدل أن الكتاتيب كانت تقام في أماكن ومبانٍ متواضعة يشبه بعضها بعضا، فقد تتخذ في زاوية المسجد أو في جزء من بيت المطوع أو رباط ملحق بمسجد أو مكان عام في البلدة أو المدينة وأحياناً يكون التعليم في بطن الوادي في القرية أو في إحدى السكك (المجابيب)، وربما يكون في مزرعة تحت عريش يتبرع به أحد أغنياء القرية.
أما وقت الدراسة بالكتاتيب، فكان أكثر ما يجري معلم الكتاب حصصه صباحاً بعد صلاة الفجر وأحياناً بعد الساعة السابعة صباحاً وحتى قرب صلاة الظهر، لأنها أطول الفترات وأكثرها تأثيراً في التحصيل العلمي والاستيعاب وتناسب أعمار الصبية ومراحل نموهم، ولكن قد يعود التلاميذ بعد صلاة الظهر في الفترة المسائية استكمالاً لما درسوه صباحاً أو يعود فوج آخر منهم مبتدئاً حصصاً جديدة.
أدوات الطلاب
وانتقل محدثنا إلى أدوات الطلاب التي كانوا يستخدمونها في الكتاتيب وهي الألواح والحبر الذي يتم صنعه من قشر الرمان بعد طحنه وغليه والأقلام، أما اللوح الذي يستخدمه الطلاب فهو عبارة عن لوح مستطيل بطول نحو 40 سم وعرض 30 سم يدهن بالطين الأبيض. وأدوات الدراسة عبارة عن لوح مستطيل بطول نحو 40 سم وعرض 30 سم وقلم من البوص كان يجلب من الأحساء وحبر أسود اللون كان يتم صنعه محلياً من قشر الرمان بعد طحنه وغليه، وكذلك مخلفات الدخان (السنون) الذي تتركه شعلة النار على الأسطح الخارجية لأواني الطبخ (القدر) ومساحة (الرصيل) وهي عبارة عن قطعة بحجم الكف من الطين الجاف الصلب. وفي إطار سرده لتاريخ الكتاب، يقول عبد العزيز بن إبراهيم المبدل عن راتب المعلم المطوع إنه قليل وقد لا يكفي لقوته وقوت عياله، لكن المعلمين يحتسبون أجرهم عند الله ويجعلون التعليم قربة وعبادة، لأنه امتداد لرسالة الأنبياء عليهم السلام وهو ميراثهم وأفضل شيء عمله الإنسان إحياء القرآن والسنة في قلوب الجيل حتى يستقيموا على صراط الله وينفعوا الإسلام لأنهم مادته.


أدوات المطوع
قال عبد العزيز بن إبراهيم المبدل إن أدوات تلك المدرسة العريقة، التي تتعلق بالمطوع من ملابسه وشخصيته الخاصة، تكمن في العباءة والعمامة والعصا والقلم والحبر واللوح وأدوات التهذيب أوالتأديب، وهي الجحيشة أو«الفلكة»، ويشد بها الصغير من قدميه بواسطة اثنين من زملائه بتوجيه من أستاذهم ثم يقوم بتأديبه بواسطة المسطعة أو الخيزرانة وهي عصا خاصة لهذا الغرض، بالإضافة إلى المسطعة وهي من أدوات العقاب للطلاب المشاغبين أو المقصرين على باطن القدم أو على راحة اليد، البغيلة، ويعلق الصغير بواسطتها وهو في وضع خاص ثم يقوم الأستاذ بتأديبه بعصا من الخيزران.

اقرأ أيضا