الاتحاد

ثقافة

إعلاميون وعلماء لسانيات: الصحفيون قدموا الكثير للغة العربية

جانب من المشاركين

جانب من المشاركين

نظم المجلس الأعلى للغة العربية في الجزائر مؤخراً، بالاشتراك مع الإذاعة الجزائرية، مؤتمراً بعنوان ''دور القنوات الإذاعية في ترقية استعمال اللغة العربية وتهذيب أساليبها''، استمر مدة يومين بمشاركة العشرات من خبراء اللغة والإذاعيين الجزائريين، وألقيت خلاله العديد من المحاضرات التي ركزت في جوهرها على دراسة أساليب تطوير الأداء اللغوي للمذيعين والناشطين العاملين في شتى القنوات الإذاعية الجزائرية، العمومية والمتخصصة والمحلية، بهدف الإسهام في نشر استعمال اللغة العربية بين الجزائريين، وتحديداً نشر ما يعرف بـ''اللغة الثالثة''، وهي لغة وسطى وسيطة بين اللغة الفصحى المتقعرة، وبين اللهجة العامية المبتذلة والهجينة·
وبهذا الصدد شدد رئيس المجلس الأعلى للغة العربية في الجزائر الدكتور محمد العربي ولد خليفة في كلمته الافتتاحية على الأهمية القصوى للقنوات الإذاعية في نشر العربية انطلاقاً من تأكيد أبحاث علم النفس والتربية أن تلقين اللغة يبدأ بـ''التلقي السمعي''، ودعا الإذاعيين إلى الإسهام بفعالية في ترقية استعمال اللغة العربية في الجزائر عبر نشر ''اللغة الوسطى الأنيقة'' على أوسع نطاق لتكون بديلاً عن الفصحى القديمة والعاميات التي لوثها التهجين اللغوي المتزايد، وهي إشارة إلى مدى هيمنة المفردات الفرنسية على ألسنة الجزائريين·
ويتحقق نشر هذه ''اللغة الوسطى الأنيقة'' عن طريق عمل الإذاعيين على شد انتباه المستمعين، وترسيخها في أذهانهم وتعويد ألسنتهم على مفردات وتعابير تغني معجمهم اللغوي وتوحِّد لغتهم· وضرب ولد خليفة مثلاً بإذاعة الـ''بي بي سي'' التي وحدت اللهجات البريطانية الكثيرة، وأصبحت الإنجليزية المعيارية تُنسب إليها وليس إلى شكسبير الذي أعيدت كتابة مسرحياته بلغة الإذاعة البريطانية·
وألقى بعده عدد من الإذاعيين المخضرمين ذوي الخبرة سلسلة محاضرات في الموضوع، فدعا الشاعر عز الدين ميهوبي، المدير العام للإذاعة الجزائرية، الإعلاميين إلى ضرورة الاجتهاد المستمر لتحسين أدائهم اللغوي وتهذيب ألسنتهم من الأخطاء حتى لا ينقلوها إلى المستمعين، بينما قالت شميسة الطويل إن لغة الخطاب الإعلامي هي لغة علمية وأدبية متجددة، وهي موجهة إلى عموم الناس وبإمكانها صناعة الرأي العام، ودعت إلى ''الاجتهاد الدائم لترقية هذه اللغة وتنميتها وتيسيرها'' لتحقيق مستوى أكبر من التأثير في المتلقي·
أما زيوش إبراهيم، مدير إذاعة ''سطيف'' الجهوية، فركز على مقاييس الخطاب الإذاعي الناجح الذي يمكنه التأثير في المُستمع، ومنها حسن انتقاء الكلمات والإيجاز والوضوح والبساطة وضرورة تفادي الإطناب والغموض والتعقيد دون الوقوع في فخِّ التبسيط الشديد أو نشر العامية بذريعة ''مسايرة التطورات الجارية''·
ومن جهتها، ركزت سعاد سرحان على إتقان ''أصول الإلقاء الإذاعي''، وأهمها السلاسة ونبرات الصوت الودودة الهادئة التي يكون وقعها على الأذن فاعلاً، ودعت الإذاعيين إلى الكف عن التزويق اللفظي والسجع والتكلف الباعث على الملل، وأيدت سرحان نشر ''اللغة الثالثة''، واقترحت بث حصص عن الشعر الشعبي، وكذا الألغاز والأمثال الشعبية المحلية، باعتبار أن لغتها مهذبة وقريبة من الفصحى، فضلاً عن لغة الإعلانات، ونبهت إلى دور الإذاعات في نشر اللغة والمعرفة، ولاسيما في المناطق التي تنتشر فيها الأمية أو تتنوع فيها اللهجات، لتساهم بذلك في تهذيب لسان المستمع وتعزيز الرصيد اللغوي للمتلقي·أما الإذاعي البارز فيصل غامس فقال إن اللغة الإذاعية يجب أن تكون ''شاعرية وسليمة وواضحة'' حتى تؤثر في المستمع، ونبَّه بدوره إلى أن ''اللغة الثالثة'' هي تلك التي ترتقي بالعامية لتقترب من الفصحى، وليس تلك التي تنزل إلى مستوى العامية، وضرب مثلاً بكوريا الجنوبية التي تمنع بشكل قاطع على إذاعاتها وتلفزيوناتها الـ168 استعمال اللهجات المحلية·
وانتقد غامس المستوى المتدني للبرامج الفنية والمنوعات في الإذاعات الجزائرية، وقال: إنها مبتذلة، وتستعمل العامية والكلمات الأجنبية على نطاق واسع حتى أصبحت عقبة في طريق نشر لغة عربية سليمة ومهذبة في الجزائر، ودعا إلى الاهتمام أكثر بالجانب النحوي وتوظيف العديد من المدققين اللغويين في وسائل الإعلام السمعية البصرية لتصويب لغة المذيعين، فضلاً عن إقامة دورات تكوينية للإعلاميين لتحسين لغتهم·وفي نفس السياق دعت الإذاعية وردية تاعزيبت إلى ضرورة ''التكوين اللغوي الجيد'' للمذيع قبل توظيفه ومراجعة نصوصه قبل إلقائها لتفادي الوقوع في الأخطاء·
أما رشيد صالحي ففضّل الرد على مقولة استعصاء العربية على فهم عامة الناس في الجزائر، وأكد بطلان هذه المقولة، مستشهداً بمثال ''الإذاعة الثقافية'' الجزائرية التي تخاطب المستمعين 6 ساعات يومياً بالفصحى، وقد لاحظ أن جمهورها يتزايد باستمرار حتى في أوساط ذوي الثقافة المحدودة·
وفضلاً عن ذلك، فإن الشعبية الواسعة للمسلسلات المدبلجة والتاريخية تدحض قطعاً زعم عدم استيعاب الجماهير للفصحى، وتساءل صالحي: متى تنازلت إذاعات فرنسا عن مخاطبة الفرنسيين بالعاميات بدل لغة فولتير؟ ولماذا نجتهد نحن لإستبدال الأدنى بالذي هو خير؟·

اقرأ أيضا

أمسية في بيت "القيروان".. وهايكو بـ"دار تطوان"