الاتحاد

دنيا

رمضان في ملتقى الأسرة.. سـعـادة تغمر قلـوب المسنين

هناء الحمادي (أبوظبي)

ترتسم على وجوههم ابتسامة وسعادة من أيام الصبا، لا تلبث أن تتحول إلى لحظة شرود للذهن تستعيد الذكريات الرمضانية، التي أعيد أحياؤها في عقول مراجعي مركز ملتقى الأسرة في دبي بمنطقة القوز، الذين يحتفظون بين جدران المركز بالكثير من التفاصيل الجميلة، ومن يراهم يشعر بأنفاسهم المتصاعدة تروي عطشاً لأيام الفريج، وتضفي على جلسات الملتقى لمسة حنان، خاصة في ظل روحانيات الشهر الفضيل ورحماته، وعملاً بكتاب الله وسُنة رسوله صلى الله عليه وسلم. في كل عام جديد يأتينا رمضان ضيفا عزيزاً على القلوب ويرحل سريعاً، تاركا أفضل الذكريات لدى مراجعي مركز ملتقى الأسرة، وهم يحتفلون خلال هذا الشهر بعادات جميلة اندثر الكثير منها، ولم يبق إلا بعض الروايات البسيطة، يلاحظها كل من يزور هذا المكان، عبر الكثير من الفعاليات والأنشطة في الشهر الفضيل، التي ترسم السعادة والفرح في قلوب كبار، وهم يتحدثون عن بعض المواقف والتجارب التي مروا بها في حياتهم.

أنشطة وفعاليات
الفعاليات في استراحة الشواب متعددة ومنوعة، فهي تسلط الضوء علي الأجواء الرمضانية من أجل إسعاد المراجعين والمقيمين فيها، حيث تقول سلوى السويدي استشاري طب المسنين، مدير مركز ملتقى الأسرة بهيئة الصحة في دبي، إنه منذ افتتاح مركز ملتقى الأسرة التابع لهيئة الصحة بدبي عام 1993 كأول مركز متكامل لرعاية كبار السن في إمارة دبي، ويعمل المركز بنظام الإيواء لكبار السن، ممن ليس لهم أقارب من الدرجة الأولى ويكون نظام الإقامة في المركز إما دائم أو مؤقت لفترة لا تتجاوز الشهرين، ويقدم خدمات الرعاية الطبية، والتمريضية والاجتماعية والثقافية إضافة إلى خدمات إعادة التأهيل. ونتيجة لوجود كبار السن بشكل دائم في المركز وعلى مدار العام، فإن إدارة المركز تحرص دائماً على التواجد مع كبار السن في المناسبات كافة، حيث تتمثل رؤية مركز ملتقى الأسرة في تعزيز الشيخوخة النشطة ودمج كبار السن في المجتمع بشكل إيجابي. وحرصا من المركز على تحقيق رؤيته، فإنه من هذا المنطلق يسعى خلال شهر رمضان الفضيل إلى أن يشارك الموظفين وكبار السن لحظات وأيام الشهر الفضيل، من خلال تنظيم «الإفطار الجماعي»، حيث يحضر الموظفون الأكلات الشعبية المفضلة لدى المسنين من بيوتهم لإعطاء المسنين النكهة المفضلة لديهم، من منطلق أن لإفطار الجماعي بين كبار السن يذكرهم بالماضي وأحاديث أفراد الأسرة وهم يجتمعون على مائدة رمضان، خلال تناول الأكلات الشعبية، التي تتنوع في نكهاتها ومذاقها، والغاية من هذا التجمع بث روح التواصل والحوار وتجديد التواصل وغرس المودة والإخاء وتبادل الأحاديث بين المراجعين والمقيمين بالمركز، مما يؤدي إلى توثيق الصلات في جو أسري تسوده الأخوة والتآلف في هذا الشهر الكريم.

خيمة رمضانية
غير ذلك قام مركز ملتقى الأسرة بإنشاء الخيمة الرمضانية للمسنين، من المراجعين الخارجيين والمرضى الداخليين، بغرض إحياء أيام الشهر الفضيل، وإدخال الفرحة على قلوبهم، حيث تشهد الخيمة الرمضانية العديد من الأنشطة والفعاليات، التي تتنوع ما بين المحاضرات الطبية والتوعوية وحملات الكشف عن الأمراض، وكذلك محاضرات في مجال التغذية وأنشطة ترفيهية وثقافية، بمشاركة الجهات والدوائر والمؤسسات الحكومية والخاصة والفرق التطوعية.
وتضيف سلوى السويدي: الخيمة الرمضانية لم تقتصر على المحاضرات بل هناك استعادة لذكريات الألعاب الشعبية، التي تعتبر حيزاً مهماً في شهر رمضان فعلى الرغم من اندثار كثيرا منها، فإن هذه الألعاب تمتاز بإرثها التاريخي تعود إلى الواجهة مجدداً، وتتسيد المشهد الترفيهي في هذا الشهر الفضيل، خصوصاً لدى كبار السن الذين اعتادوا على مزاولتها في صباهم، لتتجدد ذكرياتهم للعودة إليها مع الأجواء الرمضانية ولياليها المبهجة مبينة أن لعبة «الكيرم» حاضرة على طاولات الكثير من الموجودين في المركز، حيث يشتد التنافس بين الجميع فيمن يفوز في النهاية، لتعلو ضحكاتهم ويشتد الحماس بتشجيع الفائر، أما لعبة «الدومينو» التي تسمى محلياً بـ«الدومنة»، فتمارس هي الأخرى بشكل مبسط بين كبار السن.
وتتابع: أيضا كثيراً ما تقوم الجهات والمؤسسات بتناول الإفطار الرمضاني مع الموجودين في الملتقى، لبث روح الأسرة ولم الشمل في جو أسري، كما يحيي المركز عادة «الفوالة» أو كما تسمى عند البعض «غبقة» وهي عادة تظهر في المناسبات خاصة رمضان والأعياد، حيث نحرص عليها بعد صلاة التراويح بوضع الكثير من الأكلات الشعبية والحلويات الرمضانية المحلية وسط تجمع أفراد المركز، مبينة أن أهم الأكلات الشعبية التي تزين الفوالة «الهريس والثريد والبلاليط والعصيدة والخبيصة».

صلاة التروايح
وبالاقتراب من عبد العزيز القصاب «مراجع خارجي» منذ 7سنوات في المركز يبلغ 73عاماً، فهو يشعر في المركز بالسعادة والراحة، فكل الخدمات موفرة له طوال السنة، لكن في شهر رمضان يشعر أن ذاكرته تحتفظ بصورة رمضان في الماضي.
ويقول «ما أحلى أيام رمضان في الماضي، الكل يد واحدة، الجميع يجتمع على مائدة رمضان، حيث تتنوع الأكلات الشعبية التي تعدها النساء، غير ذلك يتسابق الجميع لصلاة التروايح في مسجد الفريج، يصلي الكبير والكبير وقلوبهم تهفوا بالأدعية، وبعد ذلك يجلس أهل الفريج يتسامرون ويتحدثون في شؤون حياتهم ودينهم حتى موعد السحور يعودون لبيوتهم لتناول طعام السحور الذي غالبا ما يكون مما بقى من الفطور.
وعن تفاعله في المركز يذكر القصاب أن المركز يقوم بالكثير من الفعاليات التراثية والأنشطة والمسابقات، وغالبا ما تكون هناك زيارات خارجية من جميع الجهات التي تتفاعل معنا في الأنشطة، مبيناً أنه لديه الكثير من الأصدقاء في المركز يتحدث معهم عن الماضي القديم ويمارس بعض الألعاب الشعبية معهم.

أكلات شعبية
شمسة محمد، «مراجعة خارجية» منذ 6 سنوات، تعيش بروح الأسرة الواحدة في المركز، وهي تبلغ 70 عاماً، وتشعر بالتألف والمحبة بين الموجودين في مركز الملتقى، فهي تتذكر الأيام الجميلة من الماضي، حين تتحدث مع الكثير من المراجعات والمقيمات، اللاتي غالبا ما تدور أحاديثهن عن الحرفة التي يمارسونها وحياتهم البسيطة في رمضان.
عن رمضان الأمس واليوم، تقول إن رمضان لم يتغير أبداً، فالعادات والتقاليد الرمضانية التي ما زلنا نتمسك بها هي نفسها نمارسها دوما في كل رمضان، رغم بساطة الطعام مقارنة باليوم فإننا لم نتأفف مع ذلك، الأكل فيه بركة والنساء يتبادلن الصحون من بيت لبيت حتى إننا نعرف كل بيت ماذا أعد من الأكلات، وكثيراً ما تتنوع وجبات السفرة الرمضانية ما بين فريد لحم و «فوقه» الذي يسمى الآن «مجبوس»، بالإضافة إلى الأرز الأبيض مع السمك، أو «قاعة الجدر» وتعني حشوة روبيان أو دجاح، كل هذ الأكلات كانت تملأ المائدة الرمضانية، حيث يجلس كبير البيت في الوسط وأبناؤه معه، مشيرة إلى أنها ماهرة في إعداد الكثير من المخبوزات.
وتتابع: منذ وجودي في المركز الجميع لم يقصر معنا، يقبلون على إسعادنا دائماً، من خلال الفعاليات التراثية التي تقام في الشهر الفضيل، بالإضافة إلى توفر الفوالة بشكل يومي، غير ذلك لا تتوقف الزيارات من الجميع الكل يقبل على زيارتنا لبث السعادة في قلوبنا.

اقرأ أيضا