الاتحاد

الملحق الثقافي

أرانب المثقفين العرب

الكاتب والأديب الإماراتي «يوسف الحسن» خلالأمسية شعرية باتحاد الكتاب وأدباء الإمارات في أبوظبي

الكاتب والأديب الإماراتي «يوسف الحسن» خلالأمسية شعرية باتحاد الكتاب وأدباء الإمارات في أبوظبي

من أسف، فإن المثقف العربي بعد أن خسر قضيته «الثقافية المجتمعية الإبداعية»، يريد الآن أن يخرج الأرنب من قبعة الساحر الإسلاموي، من خلال وقوفه كمثقف مع «هويات صغرى»، حاربها زمنا طويلا. هو الآن في حالة اصطفاف، يغني ويرقص وكأنه ذبيح أحيانا، مع «الشيعة أو مع السنة» أو مع ثوار «الفنادق» يلعن الخصوم في الفندق أو الخندق الآخر، يريد تصفية مخالفيه (داعشي بامتياز).

إن المسألة ليست محصورة في دول «جرفت» الحياة السياسية والثقافية، وبلا مشروع وطني جامع وملهم، وإنما أيضاً في ثقافة مأزومة، وتعليم معاق، وفي مثقف بلا جذرية ولا وضوح ولا عمق شعبي، أحسن حالاته في الوقوف في الساحات الرمادية، والتفكر داخل «الصندوق».
إن أفضل حالات المثقف اليساري، مثلا، حيوية لا يستطيع فيها حشد مسيرة أو تظاهرة أكثر من بضع عشرات في أي بلد عربي. ولنتذكر إن اليسار العربي كان منظرا للتطبيع مع إسرائيل، وبعض مثقفيه انتهوا في أحضان الفكر السلفي والإسلام الحركي، ولنتذكر أن المثقف والأديب والمفكر سيد قطب كان ملحدا في بداية حياته الثقافية، وتأخر التزامه الإسلامي، وحينما «دخل» الإسلام تحول الى تكفيري بامتياز، وإماما للتطرف العنيف. 
ومن المثقفين أيضاً من عجز عن الفصل ما بين الدين والتراث (كفعل ونتاج بشري) فضلا عن أن ما اكتسبه من التراث كان عصيا على الهضم والتمثل. 
نعم، في الذات المثقفة العربية شيء من «الحالة السلفية» بتشعباتها وتياراتها المختلفة، وبقدر ما انقلب المشهد السلفي، مؤخراً رأسا على عقب، إثر تداعيات ما سمي بالربيع العربي، فإن المثقف العربي بتلاوينه المتعددة، وقف حيرانا ومذهولا، لم يتوقع أن هناك «بجعا سوداء»، وظف الإيدولوجيا للتغطية على جوانب النقص في المعرفة بالواقع العربي. وبمتطلبات العصر، اجتر قضايا عسيرة الهضم، لا علاقة لها بشروط النهوض وتصحيح المسار.
ومثلما يتعامل (السلفي) مع الألفاظ أكثر مما يتعامل مع المفاهيم، تعامل المثقف مع الشعارات أكثر مما تعامل مع المقاصد والاستقراء والاستشراف وإنتاج المعرفة والنزعة العقلانية. كرس سلطة اللفظ على الفعل، وسلطة الشعار على المضمون، قاس على الماضي، وخدم السياسة على الطريقة الميكيافيلية.
تجلت حالة الانكشاف المعرفي والوطني والتعري الاخلاقي والقيمي، أكثر ما تجلت ليس في «السلط» او النظام العربي فحسب، وإنما في المثقف العربي أيضاً، في نرجسيته ودكتاتوريته وفقره المعرفي وانتهازيته الخ..
راجعوا المشهد الثقافي الراهن.. هل سمعتم عن مثقف أو أديب أو مهني أو ناشط حقوقي يرأس مركزا ثقافيا أو فكريا أو نقابة أو جمعية مدنية أو حزبا يقبل طواعية تداول الرئاسة «الكرسي» في مؤسسات وجمهوريات المثقفين؟
ماذا قدم المثقف الليبرالي (الاقتصادي) من إبداعات لكبح جماح الليبرالية الاقتصادية العربية أو لتطوير نموذج دولة الرعاية الاجتماعية في دول الجزيرة العربية والخليج؟ ماذا قدم المثقف القومي من تجديد حضاري وفكر قومي تنويري وحدوي وإنساني (لننسى ألعاب السياسة الإنتهازية وإطلاقها اسم «العربي
الجديد» على صحافة وفضائيات اسلاموية حزبية، لا علاقة لها بالعربي المذبوح)؟ ماذا قدم هذا المثقف من فكر إبداعي  لتطوير التنمية السياسية للأجيال القادمة، ولتجاوز ما نحن فيه من أزمة خطيرة غير مسبوقة؟
إن أعلى ما أنتجه هذا الفكر، بعد مشاركته البائسة والغبية في تدمير العراق وسورية، هو أطروحة وهمية اسمها «الكتلة التاريخية» بالتقارب السياسي (التكاذب السياسي) بين التيارات القومية والتيارات الإسلاموية المنظمة، من خلال تأسيس «المؤتمر القومي- الإسلامي» قبل نحو عشرين عاما، وكان القرضاوي عضوا فيه، ومعه قادة إسلامويون هم الآن في مواقع التطرف العنيف والدموي. تعطلت الآن لغة الحوار (التكاذب)، ومنذ ثلاث سنوات توفي هذا الملتقى، ولم يصل عليه أحد. لقد وقع دعاة الفكر القومي المتصالح سياسيا مع الإسلاموي الحركي في فخ ملتبس، مرده الى فهم غير سليم لحالتين تاريخيتين: الحالة المسيحية الأوروبية، والحالة الإسلامية العربية، ولنعترف أن الثقافة السياسية التي أشاعها المثقف القومي والمثقف الإسلاموي طوال العقود الستة الماضية، كانت في محصلتها النهائية معادية للديمقراطية وفلسفتها.
المثقف العربي.. يحمل أوزارا كثيرة، بما فيها أوزار التسلط والتخلف وخواء نظام القيم.. وربما وزر آدم أيضاً! 


د. يوسف الحسن

اقرأ أيضا