الاتحاد

الملحق الثقافي

ارتكاسات المثقف العربي

الهجرة اليهودية إلى فلسطين

الهجرة اليهودية إلى فلسطين

لفهم طبيعة ما يجري في الفضاء الثقافي العربي، نحتاج لمراجعة تاريخية مختصرة لتذبذب منطلقات ومرجعّيات الفكر العربي، وبالتالي المثقّف العربي.

لنتذكَّر بأن القضية الثقافية الكبرى التي كانت مطروحة في القرن الهجري الأول، بعد بضع عقود من وفاة الرسول (صلعم)، وبعد الانتهاء من الصّراعات الدموية للفتنة الكبرى الشهيرة حول الخلافة، تمثلت في نقاشات وملاسنات وصراعات حول منهجية ووسائل فهم النص الديني الإسلامي، وعلى الأخص النص القرآني. لقد كان المشهد الثقافي دينيا بامتياز بعد أن ضعفت مكانة الشعر والتفاخرات القبلية.

في تلك الحقبة الأولى، تبنى المثقّف العربي المسلم، وهو في الحقيقة الفقيه العربي المسلم، ومعه غالبية كبيرة، ثقافة السلطة القائمة على الفهم النقلي للنص الديني، وعلى تبني أقوال وفهم السلف الصالح وعلى مسايرة السلطة فيما تطرحه من شعارات دينية لتبرير استحواذها على السلطة وممارستها بجور وظلم، كالطّرح الأموي الشهير للجبرية التي كانت تقول بأن كل ما يفعلونه مجبورون على فعله بأمر الله وقدره.

مشهد ساكن

لقد ظل المشهد الثقافي ذاك بصورة عامة ساكنا وشبه آسن إلى أن جاءت مدرسة المعتزلة الفقهية لتطرح ثقافة دينية جديدة تقدّم الفهم العقلي للنصّ الديني على الفهم النقلي وتعلي من مقام العقل، وتحاول القيام بأصعب مهمة عرفتها البشرية وهي مهمّة تديين الفلسفة وتفلسف الدين. لقد كانت محاولة تغييرية جذرية في الثقافة العربية الإسلامية ورفضا لشعار الجبرية من خلال طرح القدرية (من القدرة) والإصرار على عرض النصوص والمأثورات وأقوال الرواة على العقل ومنهجيته الصارمة.

لا يمكن الدخول في تفاصيل تلك المدرسة العقلانية الكثيرة من مثل إنشائهم لعلم الكلام الفلسفي العربي ومحاربة الخرافات والشعوذة، إذ لم تمض فترة طويلة على قيامها وتوهّجها وأخطاء ممارساتها المذهبية والسياسية حتى ضعفت وتلاشت تدريجيا في طيّ النسيان.

بعد المدرسة المعتزلية وجد المثقف العربي المسلم نفسه في بيئة ثقافية جديدة. إنها ثقافة بدأت بمحاولة المدرسة الأشعرية ترسيخ ثقافة وسطية يتعايش فيها النّقل مع العقل، ولكن سرعان ما انتقلت لتصبح في عمومها ثقافة سلفية همها الحفاظ على خطاب ديني يبعد الخلافات والتجاذبات، ويوحّد كلمة الأمة من خلال طاعة أولي الأمر وتجنُّب الخروج عليهم حتى لا تدخل الأمة في فتن. إنها ثقافة ركزت على الشكل وأهملت المضمون بما فيه عدم الاهتمام بالحرية وبتطوير المجتمعات وبتجنّب بناء فقه سياسي لسلطة الحكم متكامل وناضج وقابل للتطوُر.
من هنا اندمج الكثير من الفقهاء والعلماء، أي المثقفون، في ماكينة السلطة. وفيما عدا محاولات محدودة لخلق ثقافة أخرى وعلى الأخص في المغرب العربي وبلاد الأندلس على يد فقهاء من أمثال الشّاطبي صاحب مدرسة قراءة النُصوص القرآنية والتراثية من خلال منهج المقاصد الكبرى بدلا من الجزئيات والفروع، وابن رشد في محاولته لردّ الاعتبار للعقلانية والفلسفة، والسجستاني الذي حل إشكالية التشابك والخلط والمخاوف حول موضوعي الدين والفلسفة، فيما عدا مثل تلك المحاولات المتفرقة إبان القرن الرابع الهجري في الأساس ران بعد ذلك الفهم والفكر السلفي المحافظ على الساحة الثقافية لعدة قرون. ولم تبدد ذلك السكون الثقافي، وبالتالي توقظ المثقف العربي، إلا محاولة الإصلاح الديني في القرن التاسع عشر التي قادها إصلاحيون ومجددون أمثال محمد عبده وجمال الدين الأفغاني ومحمد رشيد رضا والكواكبي والطهطاوي وخير الدين التونسي وغيرهم.

عوالم جديدة
إن الاحتكاك بثقافة المستعمر، وتمزُق الأمة وتجزأتها إلى دويلات من خلال اتفاقية سايس ـ بيكو الشهيرة، وزرع الوجود الصهيوني الاستيطاني الغريب في فلسطين، قد أحدث نقلة نوعية فكرية وثقافية وسياسية بصعود الفكر القومي العروبي الوحدوي، المطعّم بأجزاء من الفكر اليساري، في الساحة وتبنّي المثقفين العرب لشعاراته وأطروحاته ومؤسساته. وقد أسهم المثقف العربي المسيحي إسهاما كبيرا ومتميزا في ذلك الجهد.

لقد وصل ذلك الصعود إلى ذروته، سواء بالنسبة للمثقفين أو بالنسبة للجماهير، بتلاحم أطروحات حزب البعث العربي وحركة القوميين العرب والمد الناصري الهائل، وبوجود قائد تاريخي ملهم في شخص الرئيس الراحل جمال عبدالناصر.
كما طغت أطروحات الفكر القومي على أطروحات الفكر الإسلامي والفكر اليساري الأممي والفكر الليبرالي الديموقراطي.
لكن، ومرة أخرى، ما لبثت تلك النقلة الثقافية حتى ضعفت بموت قائدها، وبسبب صراعات منتسبيها، وبسبب إخفافاتها في تغيير الواقع، وبسبب سقوط الاتحاد السوفييتي المفاجئ ومعه الفكر اليساري الأممي.
وهكذا وجدت الساحة الثقافية العربية نفسها ووجد المثقف العربي نفسه أمام طريقين:
الأول، هو الرجوع من جديد إلى أطروحات ومنهجيات الفكر الإسلامي البالغة التعدُّد وأحيانا التضاد، والتي لم تستقر بعد على تفاهم واستيعاب أطروحات الحداثة ومنجزات العصر العلمية وتغيراته الكبرى.
والثاني، هو الانصياع لتوجهات وأطروحات الثقافة العولمية النيولبرالية التي تهيمن على العالم.

رحلة متعرجة
ومن المؤكد أن كلا الطريقين لهما مشاكلهما ومصاعبهما. وبعد، فلقد كان ضروريا إبراز محن وصراعات وتذبذبات تاريخ المشهد الثقافي العربي الإسلامي من جهة ومسيرة المثقف العربي عبر ذلك التاريخ من جهة أخرى لنخرج بنتيجة أساسية، وهي أن المثقف العربي، سواء عندما كان في الماضي في شكل فقيه أو عالم أو أديب أو محدّث أو غيره، أو سواء في شكله الحديث كمنتج فكر أو كمناضل عضوي ملتزم أو كجزء من بيروقراطية السلطة.. إن هذا المثقف العربي، بعد كل تلك الرحلة الطويلة المتعرجة، لم يصل بعد إلى مرجعية فكرية، علمية وفلسفية ودينية، وسياسية واقتصادية واجتماعية، جامعة مبنية على قاعدة صلبة وإلى حدّ ما متفق عليها ومقبولة من قبل غالبية مكونات المجتمعات العربية البشرية والمؤسساتية.

إنها نتيجة مفجعة يؤكدها التجاذب والتذبذب بشأن مواضيع بالغة الأهمية الوجودية والنهضوية في الحياة العربية من مثل منهجية قراءة النصوص الدينية، تعايش العقلانية والإيمانية، أي تعايش منهجية الدين مع منهجية الفلسفة، بناء ووحدة الأمة والوطن الواحد، مكان الديموقراطية في حياة المجتمعات العربية، سبل بناء العدالة في الاقتصاد والاجتماع، نوع التفاعل مع ثقافات الآخرين، وغير ذلك الكثير.

عدم الوصول بعد إلى بناء مرجعية فكرية قائمة على قواعد نظرية وعملية صلبة، تصهر في جوفها المفيد المبهر في الفكر الإسلامي وتستفيد من منجزات الفلسفة والعلوم والمعارف الإنسانية الهائلة، عدم الوصول إلى ذلك هو الذي يبقي الثقافة العربية والمثقف العربي في حيرة وضياع بسبب عدم وجود تلك المرجعية.
من هنا عدم القدرة لا على النكوص الكلي إلى الوراء، فهذا سيخرج العربي من العصر، ولا على التقدم الشامل إلى الأمام، وبالتالي البقاء في منزلة ما بين المنزلتين الثقافية والحضارية في ذهن المثقف العربي الحالي.

قراءات متجددة
هنا ينطرح تحد كبير في وجه المثقف العربي الحالي وهو الإفصاح الذي لا غموض ولا غمغمة فيه بالنسبة لطبيعة الجزء المكوّن الإسلامي في محاولة بناء تلك المرجعية. فالقفز فوق الإسلام، المكوّن الشعوري والروحي والتاريخي والثقافي للإنسان العربي، ليس مطلوبا. ولكن عن أي إسلام يتكلم المثقفون؟

إنه الإسلام المحرر للإنسان، عقلا وإرادة ومسؤولية، وليس المقيد القامع لتلك الجوانب في الإنسان. إنه الدين القابل لقراءات متجدُدة لنصوصه عبر العصور. إنه كما أراده الله، دين العدل والقسط والميزان والمساواة في الإنسانية والتمظهر في ممارسة ديموقراطية سياسية واقتصادية واجتماعية عادلة صارمة، وبمعنى آخر ليس الدين الذي لا مرجعية له إلا ما فهمه وقاله ونادي به السلف، يعيش في حالات الاجترار والانغلاق والجمود الفكري، كما يريد له البعض. لأن ذلك الطرح للفكر الإسلامي غير مرفوع بقوة وبصوت عالي وبمباركة من الجماهير، ولأنه لم يصهر بعد في المرجعية الكبرى التي وصفنا، يلاحظ الإنسان نكوصا فكريا عند عدد متزايد من المثقفين العرب، سواء بقصد أو بغير قصد، نحو أطروحات الفكر السلفي التراثي، حيث النقل يطمس الرأي وحيث الانغلاق على الذات والعجز أمام الآخر. بل ولقد امتدت تلك الظاهرة إلى استعادة أولئك المثقفين نفس النهج السلفي لبناء سلفية حداثية تمتاز بالنقل من الآخرين واجترار نتاجاتهم دون نقد ومراجعة.

واجبات المثقف
ومنذ عقدين من الزمن كتب المفكر الراحل قسطنطين زريق عن الواجبات الملقاة على عاتق المثقف التي تلزمه بلعب دورين: المقاومة والقيادة.

أما المقاومة فإنها تتطلب حسب قوله، مقاومة المستعمر والمحتل المغتصب، المشاركة في مقاومة المسيطر الظالم في مجتمعه، ومقاومة الذات من خلال مقاومة الوهم والخداع والانخداع والجهل والاستعلاء والتسيب والغربة عن المجتمع.

إنه هنا يتحدُث عن ضرورة الإحساس بالآخرين والدفاع عن حقوقهم، عن العمل من أجل الحقيقة، عن الإندماج في المجتمع والالتزام بقضاياه، وعن الصدق في المجهود من أجل كل ذلك.
إن ممارسة التزام المثقف بتلك الأنواع من المقاومة هي التي تؤهله للقيام بواجب القيادة، والتي بالنسبة لقسطنطين زريق، لا تعني احتلال مراكز في السلطة أو المجتمع، وإنما تعني ارتفاع المثقف إلى مقام المثل أو النموذج الذي يسمو بالآخرين ويدفعهم نحو النبل.
هل يستطيع المثقف المثقل بفكر ومنهجية السلفية الدينية والحداثية القيام بتلك الواجبات؟ هل يستطيع تكوين الوعي الجمعي المتطور الصاعد وإنتاج الثقافة المتجددة وهو الذي سمح لنفسه أن يكون أسير أطروحات وأفهام الأقدمين الذين رفعهم إلى مستوى القداسة والمرجعية النهائية الأبدية؟ هل يستطيع أن يراجع نفسه ليعود إلى النظر إلى نفسه كعنصر مفصلي في مشروع الحداثة العربية الذاتية، هذا المشروع الذي تمر السنون وهو لا يزال يراوح بين حالتي يأتي ولا يأتي؟ بمعنى آخر هل يستطيع أن يكون المثقف المصلح المجدد المقتحم تخوم ساحات عصره بشجاعة وبدون عقد فكرية يغذيها اجترار الماضي الذي، كما رأينا، لم يستطع أن يستقر على حال؟
نكوص المثقف العربي إلى عوالم السلفية الجامدة المتزمتة غير المستنيرة، في مجالي الدين والثقافة، وتراجعه حتى عن منجزات الحركة الإصلاحية الإسلامية التي تفجرت في بدايات القرن التاسع عشر، يجعله يمارس دورا في المجتمع معاكسا لدوره في الأزمنة السابقة: اليوم، بدلا من أن تتأثر الجماهير بالمثقف كمثل تقتدي به وتتماثل معه، أصبحنا نرى بعض المثقفين وهم يتحسسون ما تتصف به مجتمعاتهم المفجوعة الضائعة من مشاعر غريزية وأوهام دينية وتعصُبات طائفية وقبلية فيقولبون فكرهم ليتلاءم مع تخلُف تلك المجتمعات، بدلا من لعب دور المثقف العضوي الطليعي المحارب من أجل التمدن والتحضُر والتحديث ومشروع أمته النهضوي.
إنها كارثة ثقافية وفكرية جديدة في سلسلة من الكوارث التي طبعت تاريخ هذه الأمة الثقافي والفكري.
ما يضاعف أخطار ذلك تزايد الأمية وتراجع مستوى التعليم وضعف فاعلية التعليم الجامعي التنويري وتراجع الحريات والديموقراطية. نحن في محنة.

اقرأ أيضا