الاتحاد

دنيا

نماذج اجتماعية ترفع شعار «الطيبة» وتعاني النكران والجحود

التصالح والتسامح يدلان على القوة والشجاعة

التصالح والتسامح يدلان على القوة والشجاعة

أشعار جميلة، وكلام نثري بديع نظم قديماً وقيل في مدح الأخلاق الحميدة وصفات الكرم والطيبة، حتى الأغنيات صارت ألحانها تتراقص على وقع كلمات مثل «يا طيب القلب وينك».. لدرجة أن البعض راح إلى أنها ليست مجرد مفردات يتغنى بها للطرب والترويح عن النفس، بل يمكن أن تكون سؤال العصر الحالي الذي لم تتوافر له إجابة حتى الآن.. فأين هو ذلك الشخص الطيب المتسامح في عصر ساده اللؤم والغدر ونكران المعروف، ثم ماذا يمكن أن نفعل معه إذا ما وجدناه، هل سنوفيه حقه؟ أم سنمتهن كرامته حتى يدوس على قلبه ويودع طيبته إلى غير رجعة؟
والأهم من ذلك أين ذهبت صفة الطيبة التي كانت تعمر قلوب الكثير من الناس، هل ضاعت في زحمة العيش؟ أم وأدناها في صدورنا حتى لا نتهم بالضعف أو «الهبل»؟
تجيب نهى حمدان على هذا التساؤل بقولها: «الخير ما زال موجوداً، وهنالك أشخاص طيبون في هذه الدنيا، لكنهم في الغالب يتعذبون ويعانون من عدم تقدير الآخرين لهم.. وأنا واحدة من هؤلاء الناس، لدرجة أنني صرت أميل إلى عدم الاختلاط بالآخرين والتعامل معهم حتى لا ينكشف أمر طيبتي وأعاني ظلم الآخرين وغدرهم». تضيف حمدان: «أضحى العالم غابة كبيرة يأكل قويها الضعيف.

للطيبة حدود

من جانبه يعتقد بطي محمد المزروعي أن مفهوم الطيبة يشمل معاني إنسانية كثيرة، من بينها التسامح مع الآخرين والتعامل معهم بشكل إنساني، وهي صفات متأصلة في الإنسان نفسه ونابعة من داخله، وهو يتشرّبها من بيئته ومن خلال تربيته. مشيراً إلى أنه لا يوجد إنسان إلا ويحمل في داخله صفات الطيبة، غير أنها تحتاج إلى من يستفزها ويستنطقها ويشجع عليها، أما إذا قوبلت هذه الصفات بالنكران والجحود فإنها تدفعه للتوقف عندها، وربما لردة فعل عكسية.
ثم يتحدث المزروعي عن نفسه، مشيراً إلى أنه مثل كثير من الناس في هذه الأيام، فقد صنع المعروف مع أشخاص عديدين، قوبلت من جانبهم بالإساءة والجحود، ومع ذلك فقد سامح وعفى، ولكنه تعلم درساً وأخذ موقفاً وتنحى جانباً عن هؤلاء الأشخاص.
من جهة أخرى يرى حسن عوض أن للطيبة حدوداً، فيجب ألا تظهر هذه الصفات لجميع الناس، فهم، أي الناس، أجناس كما يقول المثل، وكل منهم يحتاج لطريقة مختلفة في التعامل، فهنالك أناس طيبون يقدرون معاني الطيبة والاحترام وهؤلاء يجب احترامهم والتودد إليهم، وثمة أشخاص يحتاجون للصرامة في التعامل.
يتابع عوض، وقد قال الله عز وجل في كتابه «ومن عفى وأصلح فأجره على الله»، لكن العفو والسماح يجب أن يبنى على أسف الشخص الآخر الذي ارتكب الخطأ، أما العفو من دون شروط فيعتبر ضعفاً، الأمر الذي يدفع البعض لاستغلال هذه الطيبة، وهنا على الشخص أن يتوقف عن طيبته ويتخذ موقفاً صارماً.
أما واجد حسين فيلفت إلى أن الناس ترى بعضها البعض كما هي من الداخل، فالشخص الطيب يعتقد أن الناس كلهم طيبون مثله، ولذلك ينخدع بالبعض أحياناً ويصطدم بحقيقتهم، أما الأشخاص غير الطيبين أو الذين يحملون الحقد واللؤم في نفوسهم، فإنهم يعتقدون بأن كلّ الناس كذلك، ولذلك تراهم لا يستطيعون الثقة بالآخرين، كما يظهر حقدهم ولؤمهم بصورة أكبر مع الناس الطيبين المتسامحين، ظناً منهم أنهم ضعفاء.
ومع ذلك يعتقد حسين بأن هذا الزمن الصعب الذي نعيشه الآن يحتاج إلى مزيد من الطيبة ومن الأشخاص الطيبين، لكي يشيعوا الدفء والأمل في حياة الآخرين.

شذوذ عن القاعدة
ويؤكد الدكتور مصطفى عبد العظيم، اختصاصي الطب النفسي، أنه نتيجة لانتشار العنف عموماً، فقد أصبح الشخص المسالم والصادق والطيب شاذاً عن القاعدة الأصلية التي تقوم على الكذب والنفاق وسوء الظن والخلق، فينظر له على أنه شخص ضعيف كما يحاول الجميع استغلاله. غير أن هذا الشخص ليس مضطراً إلى تغيير سلوكه في الطيبة والتسامح إلا إذا عانى بسببها، أما إذا قدره الناس واحترموه فجميل أن يظلّ متمسكاً بها.
والأصل في الإنسان، يتابع عبد العظيم، أن يكون طيباً، ولكن بحذر، فالمؤمن كما يقال «كيّس فطن»، لكنه في المقابل لا يلدغ من جحر مرتين، فعليه بداية أن يكون حسن النية، أما مع الأشخاص الذين يميلون للأذى فهؤلاء لا تصلح معهم سوى «العين الحمراء» والتعامل معهم على أساس العين بالعين والسن بالسن والبادئ أظلم.
مشيراً إلى أن الإنسان الطيب هو كتوم بطبعه يخفي ما في قلبه من حزن ولا يظهره للآخرين، لكنه عندما يصل لمرحلة الغضب فإنه يثور، ولهذا قالت العرب قديما «اتقّ شرّ الحليم إذا غضب»، ولذلك ننصح الأشخاص بعدم كتمان ما في قلوبهم من مشاعر أو غضب والتعبير عنها أول بأول مع المطالبة بحقوقهم.
إلى ذلك ترى الواعظة نادية بدر أن الطيبة صفة مطلوبة ومرغوبة عند الله تعالى، حيث وعد الصابرين والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس بمغفرة وأجر كريم في الدنيا والآخرة، لكن هذا لا يعني الضعف أمام الآخرين والتغاضي عن إساءاتهم، فهنالك أخطاء صغيرة يمكن التغاضي عنها، أما في المواقف الكبيرة فعلى الإنسان اتخاذ موقف حازم، فالمؤمن القوي خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وعلى الإنسان أن لا يكون طرياً أو هشّاً حتى لا يكسر.


التسامح يساعد في تخفيض ضغط الدم

- أظهرت دراسات علمية أنه كلما ارتفعت مقدرة الفرد على ضبط غضبه قلت مشكلاته الصحية وزادت قدرته على ضبط نفسه وارتفعت درجة تفاؤله واحترامه لذاته، كما نصح باحثون بالصفح والتسامح مع الآخرين، حيث أظهرت دراسة لهم عرضت في اجتماع جمعية الطب السلوكي في ولاية «تينيسي» الأميركية أن العفو والتسامح يساعدان في تخفيض ضغط الدم والتوتر النفسى والقلق.
- أظهرت دراسات نفسية أن الأشخاص الأكثر قدرة على السيطرة على أنفسهم والتحكم في حياتهم هم الأكثر إنتاجية وسعادة ورضا بحياتهم. فالتسامح يزيل سرطان الكراهية من نفوس الناس ويقدم لهم الدليل أيضاً على أن العظماء من الأنبياء والمصلحين والمؤمنين ذاقوا المر من أجل التسامح، ودعوا إلى نبذ التعصب والعنف الذي يعمي العقول قبل العيون ويولد المشاعر السلبية تجاه أبناء البشرية عموماً.
- كما كشفت دراسة طبية عن إعجاز علمي جديد في القرآن الكريم بأن الأشخاص الأكثر تسامحاً يتمتعون بصحة أفضل وعمر أطول من الذين يفضلون ردّ الأذى بمثله ولا يميلون للعفو عن من أساء إليهم. وأكدت الدراسة أن النصائح الإيمانية التي وردت في قوله تعالى: (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين). وقوله عليه الصلاة والسلام: (ما من عبد كظم غيظاً، إلا زاده الله عز وجل عزاً في الدنيا والآخرة) هذه الصفات كلها مفيدة في تقوية المناعة وتقليل إفراز هرمون التوتر الذي يسبب ضغط الدم والسكر والأزمات القلبية واضطرابات الجهاز الهضمي والقولون العصبي.

اقرأ أيضا