الاتحاد

دنيا

علي الشامسي: أحببت البحر فعملت في عدة مهن تتصل بعالمه الواسع

الشامسي يقف أمام أحد القوارب التي صنعها

الشامسي يقف أمام أحد القوارب التي صنعها

يتمتع علي مطر حميد الشامسي بخبرة طويلة في عالم البحر تمتد إلى أكثر من 60 عاما، فمنذ سنوات عمره المبكرة إلى الآن ارتبطت حياته بالمهن التقليدية المتصلة بالبيئة البحرية، من صياد إلى غواص إلى نوخذة إلى صانع قوارب.. فالبحر عالمه وأحلامه وطموحه، ومن خلاله يطل على الدنيا، لأنه لم يحب شيئا كما أحب البحر، لذا قضى عمره فيه ومعه.

مارس علي الشامسي العديد من المهن البحرية القديمة اقترنت جميعها بحياة الإنسان الإماراتي منذ القدم وقبل عصر النفط، وإلى الآن لا تزال بعض المهن باقية لتكون شاهدة على الحياة التي عاشها الأجداد.. من بينها مجموعة مهن لايزال الشامسي بأعوامه التي جاوزت السبعين يمارسها بحب وإقدام.. فهو الآن يبيع منتجاته من القوارب إلى القوات المسلحة والشرطة، فضلا عن الأفراد العاديين الذين يستهويهم البحر، أو يتخذون من الصيد مصدرا للرزق.

نحو الأعماق
بدأت علاقة الشامسي مع البحر من خلال صحبته لأهله وتعلّم الغوص، يقول في ذلك: «كنت في العاشرة من عمري، ولم تكن هناك فرصة لأي أعمال نمارسها أو حرفة نتعلمها سوى في البحر، وأذكر في المرة الأولى لنزولي تحت الماء قاموا بربط حجر في إحدى قدمي وأعطوني حبلا في يدي، كي أهزه حين أكون في الأعماق وأشعر بحاجتي للهواء والتنفس فيقومون بجذبي نحو الأعلى ثم إعادتي إلى الماء، وتتكرر العملية حوالى 4 -5 مرات على أيام متباعدة إلى أن وصلت مرحلة بلوغي قاع البحر وتمكنت من القبض على حجر أو قطعة من المخلفات أو الكائنات الموجودة في قاعه لأصعد بها إليهم على سطح القارب، وهو ما يسمى بـ «الشارة»، حينها بدأ اعتمادي كغواص محترف، وفرح أهلي لأنني أصبحت غواصا محترفا يمكنني الاعتماد على نفسي، فقاموا بنحر ذبيحة ابتهاجا بهذه المرحلة الجديدة في حياتي».

القحة والعود
لدى الغواص الكثير من الامتيازات عن غيره ممن يعملون في البحر مثل «السيب» الذي لا يستطيع النزول إلى أعماق البحر، فما يتقاضاه الغواص -بحسب الشامسي- أعلى مما يتقاضاه السيب وسواه بمقدار 7-10 من عدد الروبيات (العملة السائدة آنذاك).
أما أهم أنواع الغوص فيحددها الشامسي في نوعين، ويقول: «النوع الأول يسمى»غوص القحة» يتم داخل البلاد وليس فيه إبحار لمسافات بعيدة، وتتم مغادرة المنزل في الصباح المبكر، والعودة مرة أخرى في الظهيرة. أما الغوص الأصعب فيسمى «غوص العود» وفيه تتم مغادرة البلاد لمدة 4 أشهر، وفي هذه الرحلة تقسو الحياة وتصبح أشبه بالحياة العسكرية، حتى أن المياه والطعام اللذين نحملهما على القارب يخضعان للمراقبة حتى لا ينفد المخزون منا في عرض البحر، ونهلك».
ويردد الشامسي بيتا من الشعر الشعبي القديم يعبر به عن قسوة الرحلة ومعاناة البحارة وشوقهم إلى الأهل، يقول: «غوص الشقا لا عاده.... تمضي فيه وهجات».

تجميع اللؤلؤ
حول مهنة النوخذة التي عمل بها الشامسي في مرحلة لاحقة من حياته، يقول: «هناك كثير من المهام الملقاة على عاتق النوخذة، على رأسها المعاملة العادلة للغواصين الذين قد يبلغ عددهم نحو 80 فردا، خاصة فيما يتعلق بعملية توزيع المال الذي يأخذه من التاجر نظير كميات اللؤلؤ التي يعطيها له، فعند نهاية موسم الغوص يقوم بتجميع اللؤلؤ في قطعة كبيرة من القماش، ويتم حفظه بشكل جيد أمام الجميع، بالشكل الذي لا يمكن فتح هذه الربطة مرة أخرى إلا في وجود التاجر. فالنوخذة الذي يقوم بهذه الوظيفة يطلق عليه لقب «سردال»، ويكتسب هيبة ومكانة كبيرة بين الغواصين، خاصة بالنسبة للمراكب كبيرة الحجم التي تحمل نحو 100 شخص أو قريبا من هذا العدد».
وعن كيفية محاسبة تاجر اللؤلؤ، يقول الشامسي: «كان التاجر يقوم بتقسيم اللؤلؤ إلى 3 أنواع رئيسة، وهي: (اليكة والقولوة والسحتيت) وكل منها يتفرع عنها أنواع أخرى. وعند أخذ المال من التاجر أعطي كل فرد من الغواصين نصيبه من المال».

مراكز متقدمة
ويعرج الشامسي في حديثه إلى مهنة صانع القوارب، التي يسعد بممارستها الآن، على الرغم من أن صحته لم تعد تساعده على ارتياده كما كان الحال في الماضي. يقول: «بعد قيام الاتحاد عام 1971 بنحو عام، قام -المغفور له بإذن الله- الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس الدولة، باستدعاء كثير من النواخذة وطلب منا البدء في تصنيع قوارب للمشاركة في سباقات القوارب المختلفة، التي كانت تقام آنذاك في النادي السياحي بأبوظبي، وبالفعل حققنا مراكز متقدمة من خلال القوارب التي شاركنا بها، وهو ما حفزنا عل الاستمرار بالمشاركة في تلك السباقات، ثم انتقلنا إلى الميناء الحر في أبوظبي».
يسترسل الشامسي، ويقول: «من أفضل القوارب التي قمت بصنعها «القرطاسي» وهو أضخم قارب صنعته ويتسع لـ137 شخصا، يليه قارب «النعيمي» ويتسع لـ127 فردا. كما شاركت في كثير من المسابقات وكنت أقود أحد القوارب بينما ابني يقود القارب الآخر، وحققنا إنجازات ومراكز متقدمة بفضلهما». يبتسم مضيفاً: «من القوارب المهمة لدي كثيرا «الصاروخ1» الذي قدمته إلى صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، وكان ذلك منذ 9 سنوات».

أنواع وأدوات
تمر صناعة القوارب بعدة مراحل وتستلزم أدوات ومواد عديدة، يشير إليها الشامسي، ويقول: «الخشب هو المادة الرئيسة في صناعة القوارب، وتتوفر منه عدة أنواع هي: «السّاي الأصلي» ويتم جلبه من نيبال والهند، وهو أجود أنواع الخشب الملائم للقوارب، وله رائحة مميزة تشبه رائحة العود. وهناك «الدمن» وهو أعلى درجات هذا النوع من الخشب ومن يمتلك قارباً مصنوعاً منه يشعر بالفخر لقوة قاربه. أما «السّاي الإفريقي» فيتم جلبه من إفريقيا، وهو أقل جودة من سابقه. وهناك «البافوري» أحد أنواع الساي. و»الفيني» الذي يعادل الساي في مزاياه تقريبا. و»المنطيح» الذي يختلف عن الساي في خصائصه، وهو أقل منه في الجودة. وهناك خشب «كليفني» وهو قوي للغاية ويتم تطعيم المركب به عن طريق وضعه على حافة القارب لأنه يساعد على تماسكه ويحفظ قوته».
أما عن أنواع المسامير التي كانت تستخدم في صناعة القوارب فيعدد الشامسي أنواعها ويقول: «هناك مسمار «ثلاث دقات» وهو النوع الأكبر من المسامير والأكثر طولاً. ومسمار «بو دقتين»، ويقل في الطول والحجم. ومسمار «بو دقة واحدة» وهو أصغرها وأقصرها. ويختلف استخدام كل نوع باختلاف حجم المركب ونوع الخشب، فكلما كان القارب كبيرا والخشب عريضا استخدمنا المسمار «ذا الثلاث دقات» والعكس صحيح».
ويستدرك الشامسي ويوضح: «الآن، بفعل التطور الذي لحق بكل شيء أصبحت هناك أنواع حديثة من المسامير تدخل في صناعة القوارب، لا تحتاج إلى الدق كما كان الحال في الماضي.إلا أن أخشاب المجداف لابد أن تكون من خشب «السّاي»، وليس من أي نوع آخر، إذ قال أهل البحر في ذلك: «الحطب عقب السّاي جرم»، أي لا فائدة منه.


«الباليس والصلّ»
- كان الطلاء قديما يتم بمادة تسمى «صلّ» وكانت ذات رائحة كريهة، والآن يتم طلاء القوارب بمادة تسمى»الباليس» وهي مجموعة من المركبات يتم خلطها ومزجها بنسب معينة، ثم يطلى بها القارب».
- تبدأ أسعار القوارب من 60 ألف درهم وترتفع كلما زاد حجم القارب، وأقصاها لا يتعدى 100 ألف درهم.
- تمتد فترة تصنيع القارب نحو 30 يوماً، لكن عمره يمتد إلى 10 سنوات إذا ما تمت العناية بالقارب، وذلك بوضعه في أماكن ظليلة في حالة عدم تشغيله في البحر، لأن المواد الكيماوية «الباليس» المستخدمة في الطلاء تتفاعل مع الحرارة والرطوبة مما يؤدي إلى تعرضه للتلف».

اقرأ أيضا