الاتحاد

تقارير

تسييس مياه النيل

العاصفة الهوجاء التي تفجرت علانية بين مجموعة دول منابع نهر النيل من جهة ومصر والسودان من جهة أخرى، ليست جديدة، وقد ظلت تراكماتها تتطور منذ عقود من الزمان (تحديداً عندما توصل السودان ومصر إلى اتفاق عام 1959 لتقاسم الصادر من مياه النهر العظيم وشرعت مصر في تنفيذ مشروع السد العالي).
في البداية كانت ترتفع بعض الأصوات في الحبشة (إثيوبيا الامبراطور هيلاسلاسي) محتجة على أن مصر والسودان لم يشركاها في تلك المفاوضات، وهي ترى أن من حقها أن تكون طرفاً أصيلاً في أي اتفاق يتصل بموارد النيل الذي ينبع فرعه المسمى النيل الأزرق من أراضيها ويمثل مورده 80 في المئة من مياه النيل، عندما يلتحم النيل الأزرق والنيل الأبيض في ملتقى الخرطوم (المقرن)، ليعرف بعد ذلك بنهر النيل العظيم وهبة السماء لكل الشعوب التي عاشت ولا تزال، على جانبيه.
لكن بُعدْ نظر عبدالناصر وحكمة الامبراطور تغلبا على روح التهور والعداء التي ظهرت في البداية. وتم تدشن السد العالي وتحقق حلم المصريين، وأمنت مصر ألا تعود مآسي سنوات الجفاف وأيضاً مآسي الفيضانات غير المحسوبة.
أما العاصفة الهوجاء التي تفجرت مؤخراً وأوشكت أن تتحول إلى أزمة ساخنة، كان يمكن أن تتطور وترتفع حدتها وتدخل منطقة دول النيل (وبالضرورة أيضاً أفريقيا) في دوامة هائلة، وتخلق أوضاعاً خطيرة تهدد استقرار المنطقة والقارة (كما لو أنه لم يكفِ أفريقيا من مشاكل وأزمات وحروب قائمة الآن). الاتفاق الإطاري الذي وقعته مجموعة دول منابع النيل، هو محصلة مجهودات ظلت أثيوبيا على اختلاف أنظمتها من امبراطورية إلى ماركسية تعمل من أجل تحقيقه مدفوعة بمواريث تاريخية، توافقت مع أطماع وسياسات الدول الأجنبية في حوض النيل والقارة الأفريقية. وليس سراً أن إسرائيل وغيرها من الدول الطامعة في أفريقيا ظلت تحرض زعماء وقادة دول مجموعة منابع النيل بشتى الوسائل ضد مصر والسودان، كي تثير أزمة حول تقاسمها مياه النيل الواصلة إلى أراضيها الذي قننته اتفاقية عام 1959 بينهما.
إذن، برغم أن الأزمة القائمة الآن بين دول المصب (مصر) ودول المنابع، ليست قضية متصلة بالاتفاق على تنظيم وترتيب دول الحوض الاستفادة من موارد النهر العظيم الذي لا يزال الفاقد (نتيجة التبخر) أكبر من محصلته بأضعاف ما هو مستخدم حالياً في مصر والسودان وأثيوبيا. صحيح أن عنوان القضية هو مشكلة مياه النيل، لكن من خلف وتحت هذا العنوان العريض، تختفي أطماع وسياسات دولية أجنبية ومصالح لشركات كبرى وزعماء يكنون عداء غير مبرر ليس لمصر والسودان وحدهما، ولكن لكل العرب.
إذا كانت القضية- الأزمة، هي قضية الاتفاق على تقاسم وتنمية موارد مياه النيل، فتلك مسألة سهلة وحلولها يمكن الاتفاق عليها بما يحقق مصلحة شعوب دول الحوض مجتمعة، بل يمكن لدول حوض النيل إذا صدقت النوايا والإخلاص لمصالح شعوبها أن تتطور النظرة إلى منظمة دول الحوض المقترحة إلى تجمع أو تكتل ينظر في ويحقق المصالح المشتركة لشعوب المنطقة، وليس مسألة المياه وحدها بين دول المنطقة وشعوبها من المصالح والروابط الاقتصادية والأمنية ما يجعل من هذه المنظمة أو التكتل وحدة اقتصادية وتجارية كبيرة بالتعاون والتكامل في قضايا التعليم والصحة والبيئة وغيرها يصبح النيل نعمة وليس نقمة.
بفضل تعقل بعض زعماء التكتل الذين وقعوا الاتفاق الإطاري (يقول مصر إنها حتى اليوم لم تتلق منه نسخة بشكل رسمي)، وتدخلهم بين القاهرة وأديس أبابا وعواصم أخرى عملوا على تهدئة الأجواء حتى يمكن للدبلوماسية والسياسة الواقعية أن تحل أي خلاف بين أشقاء بينهم ما يجمع أكبر مما يفرق. إن أخطر ما في هذه الأزمة محاولة تحويل خلاف فني بين الدول المعنية إلى أزمة وتوتر بين الشعوب.
إن الأصابع الأجنبية لها دورها في هذا الموقف ولا يكفي أن نتحدث عن المؤامرات الخفية لتهديد العلاقات العربية-الأفريقية. بل على الدول العربية أن تنتهج سياسة واقعية تلعب فيها المصالح الاقتصادية والاستثمارات العربية دوراً كبيراً.
لقد قدمت الدول العربية مجتمعة وفرادى (بنك التنمية العربي في أفريقيا) كثيراً بدون منٍّ أو أذى ويمكن لهم بل يجب عليهم، أن يقدموا أكثر لأفريقيا التي هي أيضاً وطن للعرب، فسكانها ودولها ذات الجذور العربية أكبر عدداً وقوة من أي جذور أخرى. تسييس مسألة مياه النيل لن يعود بفائدة لا على دول المنبع ولا المصب، وبالعقل والتعقل يمكن حل أي أزمة مهما كانت درجة تعقيدها.

عبدالله عبيد حسن

اقرأ أيضا