الاتحاد

تقارير

الانقسام الفلسطيني: السياسة والمجتمع

يفرض الانقسام الفلسطيني الحاصل منذ يونيو 2007، عقب المواجهات العسكرية بين "فتح" و"حماس" في قطاع غزة، كثيراً من التساؤلات حول حقيقة هذا الانقسام، وخصوصا أنه ما يزال يتعامل معه على أنه انقسام سياسي، أي انقسام في النظام السياسي وعليه. ومنذ ذلك الحين تجلت كثيرٌ من الوقائع والأحداث الاجتماعية التي كان محركها الانقسام الفلسطيني. وفي استطلاع للرأي نفذه مركز معلومات وإعلام المرأة الفلسطينية في غزة، حول مدى تأثر العائلة الفلسطينية بحال الانقسام الداخلي، أفاد أن النسبة الأكبر من الأسر الفلسطينية في القطاع غزة تأثرت بحالة الانقسام، وذكر 84.6 في المئة من أفراد العينة أن عائلاتهـم تأثرت بالانقسام، بينما أفاد62 في المئة بأن حال الانقسام والصراع الداخلي أحدث مشاكل عائلية داخل أسرهم، وأفاد 19.9في المئة بأنها وصلت إلى حد استخدام العنف أو التهديد به. وفي بعضها أدت هذه الانقسامات إلى قطع الصـلات العائلية. وفيما أفاد حوالي 50 في المئة أنهم متشائمون حيال المستقبل، ذكر 41 في المئة أنهم متفائلـون. ولمعرفة مدى تأثر العلاقات الأسـرية من ناحية اختيار الزوجات والزواج بمسألة الانقسام، أجاب 71.1 في المئة أنه أصبح للانتماء السـياسـي تأثير كبير في اختيار الزوجات والأزواج. وعن علاقات الأطفال في المدارس، يقول 68.1 في المئة من أفراد العينة إن علاقات أطفالهم مع زملاء دراستهم وأصدقائهم قد تضررت جراء الانقسـام الداخلي. والإجابة الأخطر في هذا الاسـتطلاع كانت حول الموقف من الهجرة للخارج، فقد قال 47.8 في المئة بأنهم يفضلون الهجرة للخارج إذا سنحت لهـم الفرصة، مقابل 45 في المئة فضلوا البقـاء في الوطن.
وتفيد تقارير صادرة عن المحاكم الشرعية الفلسطينية، بارتفاع نسبة الطلاق في العامين الأخيرين، خصوصاً في قطاع غزة، وبأنه من الأسباب الخلافات الحزبية بين الزوجين أو بين أحد الزوجين وأسرة الآخر. والتساؤل هنا: هل جذر الانقسام الفلسطيني سياسيا كان أم اجتماعيا؟ وهل الفلسطينيون منقسمون اجتماعيا قبل انقسامهم سياسيا، أم أن الانقسام السياسي أدى إلى الانقسام الاجتماعي؟
من الصعوبة بمكان دراسة العمل السياسي دون الأخذ بعين الاعتبار العوامل الاجتماعية. لقد لعبت الأسرة الفلسطينية دوراً بارزاً في التنشئة السياسية، فتفجر الانتفاضة الأولي عام 1987 من شباب وأطفال الحجارة كان تتويجاً لدور الأسرة الفلسطينية في التنشئة السياسية التي حافظت على الهوية الوطنية للطفل الفلسطيني بعد أن زيفت سلطات الاحتلال كل المقررات الدراسية، ونزعت منها أي بعد قومي، لكن إذا بها تفاجأ بالأسرة الفلسطينية وقد أخرجت لها جيلا أقوى وأصلب وأقدر على المقاومة. لكن لماذا تأثرت الأسرة الفلسطينية بالانقسام السياسي؟ لماذا فقدت دورها كحاضنة وكمصدر أمنٍٍ وأمان لأبنائها في ظل الاحتلال الصهيوني الإحلالي؟
تشير البيانات أيضا أن الانقسام طال طلبة المدارس والجامعات. مما يؤكد أن تلك المؤسسات لم تكن محصنة كما يجب، بل كان سهلا اختراقها وإقحامها في الصراعات الداخلية. والأنكى أن غالبية من شاركوا في الاقتتال الفلسطيني الداخلي هم من جيل المراهقين والشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 15 و25 سنة، هذا الجيل تربى في ظل وجود سلطة وطنية فلسطينية، فأين هذه المناهج الحديثة التي تواكب التطور والحداثة ونشأ عليها هذا الجيل إذا كانت المحصلة صفرا؟ ألهذا الحد كانت المؤسسة التعليمية مهترئة ومتآكلة؟
مما لا شك فيه أن الشعب الفلسطيني صمد صموداً بطولياً في وجه أعتى قوة في العالم، وقدم تضحيات وبطولات من أجل الوطن وفي سبيل الله. ولا يخامرنا أدنى شك في نبل وتضحيات وبطولات الشعب الفلسطيني في مواجهة التحدي الصهيوني. لكن ما يثير الاستغراب هو ضعفه في مواجهة الأخطار الداخلية ومواجهة الذات والعمل على نقدها وكشف عيوبها ومثالبها. فهذا التحدي الخارجي لم تقابله بنى داخلية قوية رصينة توازيه في المقدار، بل ضعف داخلي مشين وعجز فاضح على مجابهة الأخطار الداخلية. إن المجتمع الفلسطيني في أمس الحاجة إلى امتلاك ثقافة النقد الذاتي وإلى الحرية الفكرية والجرأة الكبيرة.
والخلاصة أن البنية التحتية للمجتمع الفلسطيني هي بُنية ضاغطة على النخب السياسية، وناظمة للتفاعلات السياسية، وضامنة لنفاذ القواعد الدستورية، وبالتالي حاضنة للتحول الديمقراطي الذي يشهد تقهقرا في الوطن المحتل.
اهتزاز الثوابت الأخلاقية التي تمثل المرجعية العليا وضمير الجماعة ومعايير السلوك التي تحدد ما يجب أن يكون عليه هذا الأخير، فهذا مؤشر على عقم واهتراء كل المؤسسات الفلسطينية، ابتداء من الأسرة مروراً بالمدرسة والجامعة وانتهاءً بالحزب السياسي. فلا غرو والحالة هذه أن تكون النتيجة هي أن يمر المجتمع السياسي بحالة من الفوضى والتيه السياسي.
لا نورد هذا التحليل ليكون مبعثاً على التشاؤم، بل لأن بداية المعالجة هي التشخيص السليم. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لنبين تأثير الانقسام على البنى الاجتماعية التي لم تنل الاهتمام الكافي، لطغيان التحليل السياسي، والاهتمام بالقضايا الكبرى، وتقديم الموضوع السياسي الوطني على الهم الاجتماعي والديمقراطي، دون إعارة اهتمام كاف بـ"القضايا الصغرى". ومن ناحية ثالثة لنوضح خطورة ما وصل إليه الوضع الفلسطيني حالياً، مما يتطلب إعمال العقل والنقد الذاتي والمراجعة الشاملة، وبخاصة خلال العقدين الأخيرين من حياة الفلسطينيين، وضرورة إنجاز عقد اجتماعي وطني جديد. وأخيراً لتبيان أن ثمة أزمة بنيوية شاملة تطال الأنساق الاجتماعية والسياسية والعلاقات والمفاهيم وأشكال العمل السائدة في الحياة الفلسطينية.

عياد أحمد البنطيجي - كاتب فلسطيني

ينشر بترتيب خاص مع مشروع «منبر الحرية»

اقرأ أيضا