الاتحاد

تقارير

سُنة العراق... والبحث عن أرضية مشتركة

بعد مرور سبع سنوات على سقوط نظام صدام، اجتمع عشرات من العراقيين الممثلين لمختلف الجماعات المتمردة في فندق خمس نجوم في اسطنبول هذا الربيع، للتخطيط للعودة للعمل مجدداً في العراق. وبعد هذا الاجتماع بعدة أيام عقد أعضاء من حزب "البعث"المحظور" اجتماعاً علنياً في العاصمة السورية دمشق للاحتفال بالمولد الجديد للحزب. وهذان الاجتماعان غير المألوفين، أقلقا المسؤولين العراقيين والأميركيين، ويرجع هذا القلق لحقيقة أن تلك الجماعات، وعلى رغم أنها لا تمتلك قواعد شعبية كبيرة في العراق مقارنة بغيرها، فإن ما تمثله من جاذبية، يمكن أن يكسبها قوة دفع وسط الأزمة السياسية المحتدمة حالياً في العراق، والتي أدت إلى إضعاف الحكومة، وجعلت المسلمين السُنة، الذين كانوا يمسكون بزمام السيطرة في عهد صدام، يشعرون بأنهم قد باتوا الآن محرومين من الحقوق والمزايا.
وقد ضم الحاضرون في اجتماع اسطنبول ممثلين عن "ألوية ثورة العشرين"، و"جيش الراشدين" اللذين كانا من ضمن الجماعات السُنية المتمردة، التي تشكلت لمقاومة الاحتلال الأميركي. وكان قادة تلك الجماعات المرتبطة بروابط فضفاضة قد حاولوا -دون نجاح- أن يعيدوا تجميع صفوفهم من قبل، غير أن تكوين السرايا السنية شبه العسكرية "جماعات الصحوة" عام 2007 ، أحبط مساعيهم، وأفرغ التمرد من زخمه، ما دفع بعض هؤلاء إلى الخروج للمنفى، وأجبر آخرين على مساعدة الأميركيين. ومع انخفاض أعداد الجنود الأميركيين في العراق، يقول العراقيون السُنة الذين اصطفوا مع الولايات المتحدة ضد "القاعدة" إنهم يشعرون بأنهم قد باتوا مهمَلين، ومنكشفين في بلد يديره الشيعة. وحتى فترة قريبة كان قادة التمرد الموجودين في المنفى في دول مثل سوريا والأردن، يحافظون على ظهور خافت تجنبا للفت الأنظار.
في الآونة الأخيرة، انتقد المالكي تركيا وسوريا لسماحهما بعقد تلك الاجتماعات، بل ذهب إلى حد اتهامهما بالعمل على تقويض الاستقرار في العراق، في مقابلة أجريت معه قال فيها:"إن الوحيدين المستفيدين من عدم الاستقرار هم (القاعدة) والمنظمات الإرهابية... لذلك فإن النصيحة التي نقدمها لأصدقائنا وإخوتنا هي أن الإرهاب لا يعرف حدوداً ولا ديناً ولا عرقاً... فالإرهابيون يهاجمون العراق في الوقت الراهن، لأن هناك ظروفاً ملائمة تمكنهم من ذلك، وفي الغد سيهاجمون تركيا أو غيرها من البلدان".
وما تقوله تلك الجماعات يمكن أن يجد آذانا صاغية لدى قطاعات معتبرة من الشعب العراقي، خصوصاً إذا نظر للحكومة المقبلة على نطاق واسع، على أنها حكومة يفتقر فيها السُنة إلى التمثيل الكافي. ويشار إلى أن السنة يتهمون الحكومة العراقية، التي يقودها الشيعة، بأنها حكومة طائفية مشيرين في معرض التدليل على صحة اتهامهم، إلى عناصر مثل العدد الضخم من السنة المحتجزين في معتقلات وسجون الحكومة، والجهود التي تبذلها تلك الحكومة لاستئصال أبناء الطائفة من الوظائف الحكومية.
وكان السُنة قد شاركوا بشكل قوي في الانتخابات البرلمانية التي جرت في السابع من مارس الماضي، وهو ما ضمن الفوز بالمركز الأول في تلك الانتخابات لقائمة "العراقية"، التي يغلب عليها الطابع العلماني لحد كبير. ولكن المشكلة أن تلك القائمة لم تفز بعدد المقاعد الذي يكفي لتمكينها من تحقيق الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة الجديدة بمفردها، مما جعل الاحتمال الأكبر هو أن تتمكن القائمتان الشيعيتان اللتان حلتا بعدها في الترتيب في تلك الانتخابات من تشكيل الحكومة الجديدة من خلال الدخول في ائتلاف.
ويعلق"جوست هيلترمان" الخبير في الشؤون العراقية بـ"مجموعة الأزمات الدولية" على ذلك بقوله:" ليس هناك شك أن السنة سيشعرون بأنهم مقصيون، ومحرومون، ومهمشون، إذا لم يتم منحهم حصة كبيرة في الحكومة الجديدة".
ويضيف "هيلترمان":"ليس من الواضح حتى الآن مدى جدية التهديد الذي تمثله الجماعات السُنية لأمن الدولة العراقية، خصوصاً أن السُنة يعانون من نقاط ضعف أخطرها على الإطلاق انقساماتهم الداخلية وافتقارهم لقيادة تتمتع بالشعبية".
وقال"رابح حداد" وهو أحد منظمي المؤتمر الذي عُقد في اسطنبول مؤخرا، ويقيم حاليا في بيروت، إن الغرض من هذا المؤتمر كان هو البحث عن أرضية مشتركة بين الجماعات السنية، وأن قادة تلك الجماعات قد تشجعوا بالفرص التي يمكن أن تتاح لهم مستقبلاً عندما تسحب الولايات المتحدة قواتها وسط حالة الجمود السياسي القائمة حالياً.وأكد"حداد" أن المزاج العام الذي كان سائدا في هذا المؤتمر"كان متفائلاً". وكشف "حداد" أن عدد من حضروا المؤتمر المذكور بلغ 250 شخصا يمثلون 20 جماعة سنية وأنه قد تم اختيار تركيا لعقده، لأنها دولة "ديمقراطية ومنفتحة".
وعبر المسؤولون الأميركيون للحكومة التركية عن عدم رضاهم على عقد هذا المؤتمر غير أن تلك الحكومة أكدت أنها لم تلعب أي دور في عقده. ويشار في هذا السياق إلى أن المسؤولين الأميركيين حاولوا العام الماضي إجراء محادثات مع ممثلين سياسيين للجماعات السُنية المتطرفة، لإقناعهم بالمشاركة في العملية السياسية، ولكنهم لم يتمكنوا من ذلك.
يشير"دي. فيلتمان" مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لذلك بقوله:"هذه الجماعات التي عقدت اجتماعا في تركيا كان بإمكانها المشاركة في الانتخابات التي جرت بالعراق مؤخراً، لو كانت قد التزمت بالقواعد المعمول بها".
قادة الجماعات السُنية يقولون إن الولايات المتحدة ستظل هدفهم الأول، لكنهم يوجهون في الوقت نفسه انتقادات عديدة للحكومة العراقية.
يقول "حارث الضاري" أحد كبار قادة السنة المنفيين ورئيس "هيئة علماء المسلمين في العراق" في مقابلة هاتفية أجريت معه حيث يقيم في العاصمة الأردنية" عمان": "نحن لا نحبذ استخدام العنف ضد الحكومة العراقية، ولكن إذا استمرت تلك الحكومة في استخدام القوة ضد جماعاتنا المقاومة، وإذا لم تتخذ خطوات لها معنى نحو المصالحة، فإننا سنكون مضطرين في هذه الحالة للدفاع عن أنفسنا".


إرنستو لوندونو - بغداد

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست»

اقرأ أيضا