الاتحاد

الملحق الثقافي

صحوة الجنرال..

بأسلوب ساخر، وترميز ممتلئ بالتأويلات والحمولات السياسية والفنية، قدمت مسرحية “جمهورية الموز” حكاية الانقلابات العسكرية وخفاياها، لكنها أضمرت اسم البلد ربما تحايلاً على الرقابة أو هروباً من التأويل.. فالعنوان يوحي بأن الانقلاب العسكري يجري في إحدى دول أميركا اللاتينية لكن في سياق الأحداث لا يحتاج الأمر الى اجتهاد كبير لكي يكتشف أنها لا تبتعد عن العالم العربي وانقلاباته.

تتناول المسرحية ثيمة أساسية هي تخفي الانقلابيين وراء شخصية ضعيفة تكون طيعة في أيديهم أو “واجهة محترمة” يسلمونها الرئاسة شكلياً ريثما تستقر الأمور لهم، وعندها يبدأ فصل جديد في الصراع على السلطة. ففي بداية العرض تظهر صورة جنرال على شاشة كبيرة توحي بالهيبة والوقار والحزم، تليها صورته في لحظة رغبوية مع سكرتيرته “إيمان ياسين” وهو يساومها على أجرها، تتبعها صوراً كرتونية للمسلسل المعروف “توم وجيري” مقدمة عبر تقنية الفيديو سيتضح فيما بعد أنها مشاهد إيحائية لتفاصيل قادمة.. تلك الصور التي تطارد بعضها مصحوبة بكثير من المعارك تنتهي باتفاق مكتوب.. لكن سرعان ما يتجدد الخلاف فيمزق الكلب الاتفاق لتتفجر سلسلة جديدة من المطاردات.
والعرض الذي قدم ضمن فعاليات موسم الربيع المسرحي الأول الذي أقيم مؤخراً في عمّان، وألفه الكاتب والناقد المسرحي السوري رياض عصمت وأعده علي عليان وأخرجه إياد شطناوي، يحوي مواقف ممتعة ولاذعة في ثوب هزلي يبدأ مع علم “علي عليان” الجنرال “غوميز” باختياره قائداً للانقلاب دون أن يكون له أي دور أو علم بالتخطيط أو نجاح الانقلاب؛ فهو يتولى مسؤولية التموين في جيش جمهورية الموز وليس له أية صلة بالسياسة بل إنه، حسب قوله، لا يحب السياسة ولا السياسيين، ومما يعمق هذه الفكرة ظهوره بملابسه الداخلية لحظة إعلامه بالخبر.
ويتفاجأ الجنرال بترقيته لمنصب الرئيس، ويعتبرها في البداية مقلباً من الكاميرا الخفية لكنه يواصل لعب الدور كما يريد منه المجلس العسكري رغم اقتناعه بأنه مجرد واجهة مؤقتة لهم. وتتفجر الخلافات عندما يتدارس المجلس العسكري في أول اجتماع له قضايا مواجهة الجوع في الدولة ليقترح واحداً من الضباط شعار “موزة لكل مواطن” طريقة لكسب اعتراف دول العالم بالحكم الجديد وبحجب وسائل الإعلام عن المواطنين ومعاقبة الدول الرافضة للانقلاب بوقف تصدير الموز.

إسقاطات
يمارس النص إسقاطات سياسية هدف لها معد ومخرج “جمهورية الموز”، ويمكن القول إن المشاهد المتتالية رغم ما فيها من فكاهة ليست بريئة ولا خالية من رسالة سياسية واجتماعية، قد تنسحب على عدد من الانقلابات العسكرية التي حدثت في دولنا العربية؛ فكم من شخصية عسكرية محترمة سخرت كواجهة للانقلابيين ريثما تستقر الأوضاع للعسكر لتزاح بالترهيب أو الترغيب وأحياناً أخرى بالإقامة الجبرية!! وكم من انقلاب تبعثر أو غاب القائمون عليه في مجاهل التاريخ وبقي واحد فقط في السلطة.
وثمة مشهد آخر ربما يكون متسقاً مع “عربنة” النص عن موقف الأميرة الفرنسية “ماري” عندما رأت الجياع يتجمهرون حول قصرها مطالبين بالطعام فقالت: “روحوا كلوا بسكويت”، يكرر أحد رجالات الانقلاب المعنى ذاته عندما قال: “خلوا الناس يأكلوا موز”.

كمين بيسان
أثناء تسلسل المشاهد نشهد تحولاً دراماتيكياً في الأحداث، حيث تحدث صحوة مفاجئة للجنرال عقب إخفاقه في إلقاء خطاب للأمة عبر الشاشة الفضية يوضح فيه استراتيجيات النظام الجديد، مما يدفعه الى تمزيق الورقة ثم يتحدث بشكل ارتجالي كاشفاً فساد المجلس العسكري، وسعي رجالاته وراء المال وإشباع رغباتهم الجنسية مع السكرتيرة “نيلي”.
وما ساعده على كشف أعضاء المجلس العسكري قيام زوجته “بيسان خليل” بنصب كمين لهم، وتصويرهم وهم يتسللون تباعاً لمكتب الجنرال لقضاء ليلة حمراء مع السكرتيرة التي انتحلت الزوجة شخصيتها، وخدعتهم بإطفاء الأنوار ليتوهموا أنها السكرتيرة التي يشتهون جمالها وأنوثتها، فسقطوا في الفخ ووقفوا عراة إلا من ورقة التوت.
لكن هذا التحول السريع في شخصية الجنرال من رجل يلهث وراء النساء إلى شخصية تريد مصلحة الشعب حدث بسرعة مذهلة وغير منطقية، وبلا مقدمات بحيث لم يشعر المشاهدون بأي بوادر تسبق هذه الصحوة أو تمهد لها.
لكن هذا لا يمنع من القول إن علي عليان قدم دوراً يجمع بين الفكاهة الجميلة والممتعة وإن وقع في التهريج أحياناً.
ورأى المسرحي السوري كنعان البني أن العرض وقع في فخ التهريج، فيما أكد مخرجه إياد شطناوي أنه سعى إلى تقديم قضية مهمة في شكل كوميدي جاد. وأضاف: “كان هاجسي تقديم عرض كرتوني لكن الميزانية حالت دون ذلك”!.
بدوره اعتبر المسرحي المغربي د. عبد المجيد شكير المسرحية “بروفة” أو عرضاً ما قبل العرض، فيما توقف الفنان التونسي حسام الساحلي عند تشابه الشخصيات وسقوطهم جميعاً في فخ السكرتيرة لكنه أشار لوضوح العرض وكوميديته والمتعة المقدمة للجمهور.

اقرأ أيضا