الاتحاد

الملحق الثقافي

طار الطير.. وحلَّق الخيال

في محاولة هي الأولى من نوعها عكف مشروع “كلمة” للترجمة على ترجمة الحكايات الشعبية في إطار مشروع: “ثقافات الشعوب”، ومؤخراً صدر كتاب “مشرق الشمس ومغرب القمر” الذي يضم حكايات شعبية من النرويج التي جمعها: غاردن ثورن تومسون، وترجمها الى العربية: علي للو مع مقدمتين الأولى بقلم الناقد الدكتور علي بن تميم مدير مشروع “كلمة” تعرف بالمشروع وأهدافه وأهميته، والثانية تلقي ضوءاً كاشفاً على هذه الحكايات وسماتها ومميزاتها كتبها المترجم. وهنا بعض الحكايات التي سيلاحظ القارئ حتماً ما تنطوي عليها من الحكمة والأخلاقيات غير الوعظية التي جاءت في حلة مشوقة تجذب الطفل، وهو المستهدف من هذه الحكايات، وتأخذه إلى عوالم الجنيات والأبطال الخارقين وتخوم الخيال المجنح.

تيوس الماعز الثلاثة الفظة
في قديم الزمان كان هناك ثلاثة تيوس عليها الصعود الى جانب التل لتأكل وتسمن، وكان اسم عائلة هذه التيوس “الفظة”.
وكان هناك جسر فوق نهر يتوجب على التيوس أن تعبره حتى تصل الى التلة، وتحت الجسر عاشت جنية قبيحة ضخمة لها عينان كبيرتان بحجم طبقين، وأنف طويل كقضيب تحريك النار. في البداية تقدم التيس الأصغر ليعبر الجسر. “طق - طاق - طق - طاق” أصدر الجسر أصواتاً لدى مرور التيس. زأرت الجنية قائلة: “من هذا الذي يمشي مطقطقاً فوق جسري؟”.
قال التيس بصوت رقيق:”أوه، إنه أنا التيس الأصغر، وإنني ذاهب الى جانب التل لتسمين نفسي”.
قالت الجنية: “إنني قادمة الآن لكي ألتهمك”.
قال التيس الأصغر: “أوه، أوه، لا، أتوسل إليك ألا تأخذيني، فأنا مازلت صغيراً جداً، كما ترين، انتظري قليلاً حتى يأتي التيس الثاني فهو أكبر مني كثيراً”.
قالت الجنية: “حسناً، أغرب عن وجهي”.
وبعد فترة وجيزة جاء التيس الثاني عبر الجسر.
“طق - طاق - طق - طاق - طق - طاق”. أصدر الجسر أصواتاً لدى مرور التيس: “من هذا الذي يمشي مطقطقاً فوق جسري؟”.
“أوه، إنه أنا التيس الثاني، وأنا ذاهب الى سفح التل لتسمين نفسي”. ولم يكن صوته رقيقاً.
قالت الجنية: “إنني قادمة الآن لكي ألتهمك”.
ناشدها التيس: “أوه، أوه، لا، أتوسل إليك ألا تأخذيني، انتظري قليلاً حتى يأتي التيس الكبير فهو أكبر مني كثيراً”.
قالت الجنية: “حسناً، أغرب عن وجهي”.
بعدئذ جاء التيس الكبير.
وراح يسير فوق الجسر الذي بدأ يئن ويتصدع من ثقله.
“طق - طاق - طق - طاق - طق - طاق”.
صرخت الجنية قائلة: “من هذا الذي يمشي مطقطقاً فوق جسري؟”.
“إنه أنا التيس الكبير” قال ذلك بصوت ضخم أجش.
زأرت الجنية عالياً: “إنني قادمة الآن لكي ألتهمك”.
“حسناً تعالي! فلدي رمحان قويان جداً سوف أقتلع بهما بؤبؤي عينيك، ومعي أيضاً حجران عظيمان سأسحق بهما جسمك وعظامك”، هذا ما قاله التيس الكبير.
وهجم التيس على الجنية وطعنها بقرنيه وسحق عظامها وجسمها ورماها في النهر، ثم ذهب بعد ذلك الى التلة.
وهناك أصبحت التيوس سمينة جداً لدرجة أنها بالكاد كانت قادرة على السير الى البيت ثانية.
ويقول الراوي: “فإذا لم تصبح نحيفة، فلماذا تبقى سمينة”.
“توتة توتة، خلصت الحدوتة”.

لماذا بات الدب مبتور الذيل؟
التقى الدب في أحد الأيام الثعلب الذي جاء متسللاً يحمل مجموعة أسماك سرقها. فسأله: “من أين حصلت على هذه الأسماك؟”.
قال الثعلب: “يا سيدي بروين، لقد خرجت للصيد واصطدتها بنفسي”.
وعزم الدب على تعلم الصيد أيضاً وطلب من الثعلب المساعدة. وأجاب الثعلب قائلا: “إنه عمل سهل بالنسبة لك، وسرعان ما ستتعلم كيف تصطاد. ما عليك سوى أن تذهب الى الجليد وتحفر ثقباً ثم تدخل ذيلك فيه وتبقيه أطول مدة ممكنة. ولا تكترث إذا شعرت بوخز قليل في ذيلك، فهذا يحدث حين يعضك السمك، فكلما أبقيت ذيلك فترة أطول في الحفرة، جمعت المزيد من السمك، بعد ذلك اسحب ذيلك مرة واحدة وبقوة”.
فعل الدب كما قال له الثعلب وأبقى ذيله طويلاً في الحفرة، حتى تجمد من البرد، ثم سحبه بقوة شديدة فانكسر، ولهذا السبب لا يزال الدب “بروين” يتجول بذيله المجدوع حتى يومنا هذا.

الثعلب رينار والديك
كان هناك في قديم الزمان ديك حطَّ على سياج الحظيرة، وصاح ورفرف بجناحيه، وبعد قليل مر به الثعلب رينار.
فقال: “طاب يومك أيها الديك، لقد سمعتك تصدح بصورة جميلة، لكن هل تستطيع الوقوف على رجل واحدة وتصيح وتغمض عينيك”.
قال الديك: “نعم، أستطيع ذلك بشكل جيد”. ثم وقف على رجل واحدة وصاح لكنه غمز بعين واحدة ونفش ريش ورفرف بجناحيه كأنه قام بعمل عظيم.
قال رينار: “جميل جداً كجمال صوت الواعظ في دار العبادة، لكن هل تستطيع أن تقف على رجل واحدة وتغمض عينيك في الحال؟ أشك أنك تستطيع ذلك”.
قال الديك: “أجل، أستطيع!”. ثم وقف على رجل واحدة وأغمض عينيه الاثنتين وصاح، لكن الثعلب أمسك به من حنجرته وألقاه على ظهره، وحمله الى الغابة بسرعة كبيرة قبل أن يسمع أحد صياحه.
وعندما وصلا تحت شجرة صنوبر جميلة ألقى رينار الديك على الأرض ووضع مخلبه على صدره، وهم بالتهامه.
فقال الديك: “أنت شرير يا رينار فالصالحون يشكرون الله قبل أن يأكلوا”.
بيد أن رينار لم يكن شريراً، حقاً لم يكن كذلك، لذا أرخى قبضته عن الديك ورفع براثنه عن صدره وبدأ دعاء الشكر، لكن الديك انتفض وطار فوق الشجرة.
قال رينار لنفسه: “يجب ألا تترك المكان” ثم ذهب وعاد يحمل قطعاً خشبية صغيرة تركها الحطّابون وراءهم. أطل الديك ليعرف ما هي هذه القطع، قال للثعلب: “ماذا لديك هنا؟”.
قال رينار: “هذه رسائل وصلتني، هلّا ساعدتني على قراءتها لأنني لا أجيد القراءة والكتابة”.
قال الديك: “يسرني ذلك، لكنني لا أجرؤ لأن هناك صياداً قادماً الى هنا، إنني أراه يحمل كيسه وبندقيته. عندما سمع رينار الديك يتحدث عن الصياد، أسلم ساقيه للريح وولى هارباً.

القسيس والكاتب
ذات مرة كان هناك قسيس يستقوي على من هم أضعف منه، حتى إنه كلما قابل شخصاً يقود عربته على الطريق، كان ينادي عليه من بعيد: “تنحّ عن الطريق جانباً، تنحّ عن الطريق فالقس قادم”.
وفي أحد الأيام بينما يقود عربته ويتصرف كعادته، قابل الملك.
“تنح عن الطريق! تنح عن الطريق!” زعق القس من بعيد، لكن الملك واصل طريقه ولم يتنح، وإنما القسيس هو الذي تنحى بحصانه جانباً في تلك المرة، وعندما مر الملك بجانبه قال له: “عليك أن تأتي غداً الى القصر، وإذا لم تستطع الإجابة على ثلاثة أسئلة أوجهها لك، فسوف تفقد وظيفتك نتيجة لتكبرك وغرورك”.
كان هذا شيئاً مختلفاً تماماً عما أراد القس سماعه، فهو يستطيع الزعيق والاستقواء على الضعفاء، والصراخ والتوبيخ. يستطيع أن يفعل كل هذه الأمور، أما الأسئلة والأجوبة فلا تناسبه. ولذلك انطلق الكاتب الذي يقال إنه أذكى من القس، وأخبره أنه لا يفكر بالذهاب الى الملك “لأن أحمق واحد بإمكانه طرح أسئلة لا يستطيع أكثر من عشرة حكماء الإجابة عليها”. والخلاصة أنه جعل الكاتب يذهب بدلاً منه.
أجل، انطلق الكاتب ووصل الى القصر مرتدياً ملابس القس. وهناك قابله الملك على الشرفة وهو يحمل التاج والصولجان، وقد لاحت عليه علامات الهيبة والعظمة.
قال الملك: “حسناً، ها قد جئت إذن؟ قل لي أولاً: كم يبعد المشرق عن المغرب؟”.
أجاب الكاتب: “رحلة يوم واحد”.
سأله الملك: “وكيف ذلك؟”.
قال الكاتب: “ألا تعلم أن الشمس تشرق في الشرق وتغيب في الغرب، وهي تفعل ذلك في يوم واحد؟”.
قال الملك: أحسنت، والآن قل لي: ماذا أساوي أنا الآن في مكاني هذا؟”.
قال الكاتب: “حسناً، لقد بيع المسيح بثلاثين قطعة من فضة، وأنا لا أستطيع تقييمك بأكثر من تسع وعشرين قطعة من فضة”.
قال الملك: هذا حسنٌ، وبما أنك حكيم فربما تستطيع أن تخبرني بما أفكر به الآن؟”.
قال الكاتب: “آه! أنت تظنني القس الذي أمرته بالقدوم الى القصر، لكنك مخطئ لأني أنا الكاتب وليس القس”.
قال الملك: “أغرب عن وجهي، ولتصبح أنت القس، وليكن هو الكاتب” وهذا ما حصل.

اقرأ أيضا