الاتحاد

دنيا

ناس الغيوان المغربية تغني بصوت البسطاء

غنت للبائس والمظلوم، للشباب والشيب، للشجر والحجر، غنت للسلم والحرب، فكانت صوت من لا صوت له، ولسانا جريئا، غاضبا، لا تخرس كلماتها حدة سيف ولا صهيل سياف·· إنَّها الفرقة الموسيقية المغربية ناس الغيوان ، التي تأسست في نهاية الستينيات، ولا يزال صدى أغانيها يتردد حتى يومنا هذا على خشبات المسارح في الوطن العربي·
تألفت الفرقة من خليط شباب نازح من مختلف البوادي المغربية نحو الدار البيضاء الكبرى، لتحمل عبق التنوع الثقافي والحضاري، أطلقوا على أنفسهم اسم الدراويش الجدد قبل أن يصبح اسم فرقتهم ناس الغيوان ، والغيوان هو عنوان فن موسيقي مغربي له كلام عميق، وضارب في البساطة وقوة المعنى الذي يخترق القلوب قبل العقول، غنوا وحملوا همّ كل القضايا· عبروا عما يجول في الوجدان وفي الدواخل وتفاعلوا مع الجمهور، كانت لهم رؤيتهم الشعبية التي تتخللها غضبات الروح والجسد، يتمردون بأغنيات الاحتجاج والوجل، تفاعلوا مع جماهير عريضة ولازالت طريقة أغانيهم تحبس الأنفاس، وتشد انتباه المتلقي· التقتهم دنيا الاتحاد لدى زيارتهم لأبوظبي وكان هذا اللقاء·



عن مجموعة ناس الغيوان يقول عمر السيد، الناطق الرسمي باسم المجموعة، وأحد مؤسسيها: ''مجموعة ناس الغيوان، انطلقت من حي فقير في الدار البيضاء هو ''حي مولاي الشريف''، حي عمالي، كانت تفد إليه اليد العاملة من مختلف المناطق المغربية، وله خاصية تجميع أنماط متعددة من مختلف الثقافات، كان التعبير عنها في الحي المفتوح، الذي تحلو للبعض تسميته بالمسرح المفتوح، كنا نجتمع، نحن الشباب، نحكي ونتحدث عن معانات آبائنا مع المستعمر، ونضالهم من أجل الاستقلال من جهة، ومع لقمة العيش من جهة ثانية، وكانت تختمر الأفكار، وتشحذ الهمم، وكان رد الفعل يتجسد في البحث عن مخرج نعبر من خلاله عن معاناتنا، فمارسنا المسرح في الحي، كنا نتصور الأشياء كأنها فيديو كليب يرسم أمامنا، كنا نحس بمعنى الحديث ومعنى الزجل ومعنى الشعر، لذلك مارسنا المسرح ونحن صغار فقد كان عمر أكبرنا لا يتجاوز ال 19 سنة، لعبنا أدوارا مسرحية، قبل الغناء في مسرح الطيب الصدّيقي، وقبله مسرح القرية، وكان ذلك سنة ،1963 ولعبنا مسرحية ''الحرّاز''، ولا زالت شامخة إلى اليوم، ولأن الطيب الصديقي عرف فرقة ''ناس الغيوان'' من خلال التعامل معها في المسرح، وقال عنها: ''ناس الغيوان ليسوا مغنين بالمفهوم الكلاسيكي، بل هم مغنون ممثلون، لذلك استطاعوا إيصال صوتهم لأكبر شريحة من المجتمع''، كنا نعطي لكل أغنية حقها من الإحساس، وكانت كل الأغاني صادقة نابعة من الوجدان·''
الحي صانعنا
ويروي عمر السيد قصة البداية قائلاً: ''أعمار مؤسسي الفرقة كانت تتراوح بين 17و22 سنة، ولكن كلامهم والهموم التي يحملونها أكبر بكثير من سنهم، لأنهم خبروا الحياة في رحم حي يعيش كل التفاعلات وكل المتناقضات، كان الحي مسرحا مفتوحا يشمل كل الألوان الفنية من ''الحلقة'' حيث كنا نسمع الحكواتي يحكي قصة عنترة بن شداد، والأزلية ويحكي عن الأميرة ذات الهمة، وكان كل مهاجر يحمل معه إيقاعه وآلته الموسيقية كالبندير والطبل والتعريجة والناقوس، كل هذا الزخم الفرجوي والتفاعل في هذا الحي، وهذا الثراء الثقافي جعل الشباب يعيشون حالة من الوعي السابق لأوانه، ملكنا الغناء، وكان وسيلة للتعبير عما نشعر به، كنا نكتب ونلحن ولم يكن كلام الأغاني يحكمه موضوع واحد بل تعبير عن كل ما يحيط بنا، بكل بساطة ركبنا قطار الأغاني ولم نكن نعرف أين سنصل، ولا ندعي المثالية ولكن غنّينا من نبض الشارع والشعب، وكانت كل الأغاني نابعة من الواقع، هذا ما أدى إلى التفاعل الكبير معنا، وتأسست الفرقة عقب اجتماعات بسيطة بين شباب في مقهى الكوميدي في الدار البيضاء من طرف عمر السيد والعربي باطمة وبوجميع وعبدالعزيز الطاهري، وضعنا مشروع الفرقة الغنائية الجديدة ومباشرة انطلقت أولى حفلاتها فاحتضنها الجمهور مباشرة، لكن الوضع السياسي بالمغرب كان مخيفا بحيث كان الجنرال أوفقير يمسك بمفاتيح الأمن في البلاد وكان الجو مشحونا بالخوف وبرغبة الاحتجاج، ورغم هذا الوضع لم يثننا عما نقوم ونؤمن به، بل زادنا إصرارا وقوة، التفّ حولنا الشباب، وانحازوا للأغنية الغيوانية لأنها عبرت عن واقع شبيبة مغربية، واكتملت الثورة بالالتفاف حول الأغاني الغيوانية، مما حدا بالبعض إلى تفسير الأغنية الغيوانية بالسياسية لكن هذا لم يكن صحيحا، نحن ببساطة نحتج على واقع معين احتجاجا صوفيا على ظلم اجتماعي، كما غنينا الأغاني الدينية من صوفية وأمداح نبوية، وغنينا بكلمات الزجل واستعملنا مجازات وطرق بلاغية كادت أن تنسى وأرجعناها إلى سوق الرمزية بطرق عصرية وتعابير كاد المثقف وغيره من الشعب أن يفهمها ويتواصل معنا''·
وفاء لذكرى
يرجع بذاكرته لسنين امتدادها لنهاية الستينات وبداية السبعينات ويقول عمر السيد: ''تأسست الفرقة، وكان الفضل الكبير في ذلك يرجع للمرحوم بوجميع وكان الدعدوع (آلة موسيقية تراثية) لا يفارقه، كان يرتاد ملاذاً للمثقفين في مقهي شعبي، وهناك التقى بالقصاص المغربي الراحل محمد زفزاف، وحدثه عن حلم يراوده في تأسيس فرقة موسيقيه لم تتضح ملامحها بعد، لكنه كان يرغب في شيء مختلف تماما عن الموجود والمتعارف عليه، بتصور جديد ونمط مختلف لحنا وأداء للكلمات، وبذلك تأست الفرقة سنة 1970 وكانت بحجم التحدي، إذ قطعت الصلة مع الماضي وثوابته الفنية المتحجرة، وغنى بوجميع ''فين غادي بيا خويا'' و''الصينية''، وكثير من الروائع التي مازال يتغني بها هذا الجيل، بل هو أعاد إحياءها من جديد، وبعد أربع أعوام من تأسيس الفرقة، أي في سنة 1974 أسلم أبو جميع روحه للبارئ عز وجل تاركا وراءه إرثا فنيا وعزيمة لم تمت، ولم يحصد الموت بوجميع فقط بل طارد العديد من أعضاء الفرقة''·
ويضيف: ''العربي باطما ابن رحالة، ومؤلف سيرته الذاتية ''الرحيل''، ظهرت مواهبه المتعددة في المسرح والسينما والغناء والزجل، كان فنانا خارقا للعادة، عندما يصدح ويغني يدخل الجمهور في حالة جنون وهستيرية يتفاعل معه بدرجة غير عادية، أحاطه الجمهور بحب وولاء خاص، ومن أشهر أغانيه، والتي هي بمثابة ملحمة شعرية، ''حوض النعناع''· كان يكتب ويلحن ويغني تحركه طاقة ابداعية خلاقة، توفي هو الآخر تاركا وراءه عشاقا كثيرين''·
ويتابع السيد متذكراً: أيضاً علال يعلا، وهو مجنون موسيقى، كما يحلو للبعض من الملحنين وصفه، تراه صامتا لكن داخله بركان يشتعل ويتأجج عند بداية العزف، انسان عصامي تعلم الموسيقي بطرق عفوية، ثم درسها ليصبح أستاذا كبيرا في العزف، يعزف على آلة البانجو التي استخرج منها ألحاناً خارقة، كما أنه يتقن العزف على الكثير من الآلات غير الوترية·
أما عبدالرحمن باكو، فهو فنان كناوي من العيار الثقيل، يتفنن في الألوان الكناوية، وقد اكتشفه الراحل بوجميع الذي قصد مدينة مراكش للبحث عن عازف ماهر على آلة ''الهجهوج''، واقترح عليه الاشتغال مع المجموعة، كما عزف باكو على آلة السنتير''·
ويضيف محدثنا مقترباً من ذاته: ''أما (أنا) عمر السيد، فقد شهدت ولادة، بل مخاض، الفرقة منذ البداية، بل مخاضها، ورعيتها سنيناً عديدة، واليوم أرقبها تتألق من جديد، أخاف عليها كخوفي على أعز ناسي، بعد وفاة الأسطورة العربي باطما حاولنا جلب شبيه له يزيد الفرقة ألقاً، ويكرس ما فعله العربي في عز عطائه، ما كان ذلك ليتحقق إلا بضمّ أخيه رشيد الذي تترعرع في وسط فني كبير، وفعلا كان جديرا بالثقة، إنه باحث كبير ومجنون بالموسيقى، صوته صداح ويحمل من العربي باطما الشيء الكثير، يعزف على الطامطام، وهو أصغر واحد بالفرقة، كما أتينا بأخيه حميد باطما، وشفاع عبدالكريم الذي تعلم على يد عازف البانجو علال''·
ناس الغيوان وقصة ''النحلة شامة''
ردد ناس الغيوان الكثير من الأغاني التي تعبر عن هم المواطن حملوا هم قضايا كثيرة، فغنوا: (الصينية )، (غادي فحالي)، (فين غادي بيا أخويا) المليئة بالحنين للأرض والتربة، و(زاد الهم)، ومن قصائدهم المشهورة (مهمومة) وهي تفضح واقع عيش مزر، وأغنية ''ما هموني'' وهي تتغنى بجراح فلسطين، ناهضوا الرشوة عبر العديد من الأغاني: ''باسمك''، ''يا جمّال''، ''يا صاح''، (الله يامولانا)، (قطتي الصغيرة)· ومن آخر ابداعاتهم ألبوم (النحلة شامة)·
يحكي عمر السيد قصة أغنية النحلة شامة ويقول: ''النحلة شامة، هو ثالث ألبوم أنتجه الغيوان منذ وفاة العربي باطما، الذي كان بمثابة روح المجموعة، ونذكر هنا أنَّ الفضل في هذا العمل يرجع لرشيد باطما وحميد باطما وشفاع عبدالكريم، هؤلاء أعطوا خير ما عندهم في هذا الألبوم، وفيه تمَّ اعتماد أسلوب العودة إلى الجذور التقليدية للأغاني المغربية، إذ تجد عناصر من الموسيقى الشعبية التقليدية مثل الملحون والشعبي والكناوي وأقلال، والنحلة هي قصيدة شعرية للمرحوم الحاج التهامي المدغري، وهو زجال يكتب الملحون، وترجمها للغة الفرنسية محمد الفاسي، وهو وزير ثقافة سابق، وفي مطلع سنة 1985 كان يستضيفنا (الملك الراحل الحسن الثاني)، وسألنا لماذا لم لم نغن قصيدة النحلة، وتحدث عنها بإسهاب، وملخصها، أن ملكة النحل دخلت عند السلطان من شق النافذة، وقالت له: ''ما يقال لك عن أنَّ الشعب مرتاح وعلى خير ليس حقيقة''· ثم دار حوار بين السلطان وملكة النحل التي تحدثت عن جودة خدمات وزرائها من النحل لتزويدها بالعسل، فيما كان وزراء السلطان يخفون عنه الحقائق، أما اسم شامة المرفق بالنحلة فهو اسم عين ماء قرب بيتي بدرب مولاي الشريف منبع ناس الغيوان، وبعد سنوات عديدة من البحث توفّق رشيد باطما وحميد باطما في الحصول عليها، فقمنا بالاشتغال عليها وغنيناها بإحساس جميل وفاء لذكرى إنسان مثقف وذوّاق، وأطلقنا الألبوم الذي لاقى ترحيبا منقطع النظير سنة ·2006

اقرأ أيضا