الاتحاد

الملحق الثقافي

الأمن في منطقة الخليج.. الصورة والإطار

ترك وصول الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى سدة الرئاسة الأميركية أثره الواضح على مجمل السياسية الأميركية داخليا وخارجيا، وإن بدا هذا الأثر على مستوى المواقف والرؤية بطيئا وغير حاسم كما كان يأمل الكثيرون. ويأتي العراق وإيران في مقدمة الدول الأكثر تأثرا بهذا المتغير السياسي الأميركي، الأمر الذي يدفع بالباحث عبد الجليل المرهون إلى تناول تأثير هذا المتغير وانعكاساته على الوضع الأمني والاستقرار في منطقة الخليج العربي، في كتابه “أمن الخليج: العراق وإيران والمتغير الأميركي”.

البعد العراقي
في البعد الأول الذي يخصصه للشأن العراقي يركز الباحث على استراتيجية الخروج الأميركي منه بعد أن فرض الغزو الأميركي للعراق واقعا غير مسبوق تجلى لأول مرة في تكريس وجود عسكري أميركي في شمال الخليج ما ساهم في إعادة تشكيل للقوة الأميركية في المنطقة نجم عنه إعادة ترتيب لواقع وأدوار الحلفاء في المنطقة، وإعادة إنتاج للعلاقات الأميركية ـ الإيرانية. لكن اتجاه الولايات المتحدة بعد ست سنوات من الغزو إلى سحب جزئي لقواتها من العراق محتفظة بوجود غير محدد كما ونوعا في إطار خطة الرئيس أوباما لسحب تلك القوات نهائيا مع نهاية العام القادم قد شكل تحولا في هذه العلاقات، إذ بدأ العراق بالابتعاد عن كونه ركيزة للقوة الأميركية في المنطقة بحيث ساهم ذلك في خلق فرط لإمكانية اندماج العراق في فضائه الإقليمي الخليجي فكان ذلك أحد المتغيرات التي نجمت عن المتغير الأمريكي الجديد في معادلة أمن الخليج العربي. إن هذا المتغير لا يمنع الباحث من التنويه إلى التحديات الكثيرة التي ما تزال قائمة في إطار العلاقة الأميركية ـ العراقية وفي المقدمة منها الموروث التاريخي وقضايا الديون والتعويضات المستحقة على العراق، إضافة إلى التباين الإيديولوجي الذي يمكن أن ينجم عنه استقطاب من نوع ما. على صعيد الإندماج العراقي في محيطه الخليجي يطرح الباحث سؤالا مركزيا حول إمكانية دول مجلس التعاون الخليجي بناء نسق متوازن من التعاون العراق يسهم في تحقيق وظيفتين اثنين أولهما: كبح التوترات قبل أن تصل إلى الانفجار. وثانيهما: تنمية مجالات التعاون المدني بما يدعم مجالات التفاعل الإقليمي.

التعاون الخليجي ـ العراقي
ولكي تصل العلاقات الخليجية العراقية إلى هذا المستوى من إعادة البناء يطرح مجموعة من الخطوات التي يراها ضرورية، وفي مقدمتها توفر الإرادة الثابتة وإدراك تاريخية المرحلة، ومن ثم العمل على تحييد الخصوصيات الإيديولوجية عن مسار التعاون انطلاقا من رؤية تأخذ في اعتبارها المصلحة المشتركة للأمن والتنمية الإقليمية، وذلك عبر سلسلة متكاملة من الإجراءات التي تعيد الحياة لهذه العلاقات. ويطرح الباحث ثلاث خيارات للوصول إلى هذا الهدف منها العمل على إعادة توازن جديد للقوى أو الانضواء في معاهدة عدم اعتداء والعمل على زيادة ما يعرف بكلفة الفكاك التي يمكن تحقيقها من خلال دخول مجلس التعاون في شبكة مصالح متداخلة مع العراق بشكل يقود إلى استبعاد أي خسائر لأي طرف من الأطراف. كما أن هذه الدول معنية بالدفع بمسار التجارة البينية بشكل يخلق مزيدا من آفاق التعاون فيما بينها. أما على المستوى الثقافي فيرى ضرورة تشييد جسور من التعاون بين المعاهد والجامعات العراقية والمعاهد والجامعات الخليجية. ويقترح الباحث حلا لمشكلة الديون العراقية يتمثل في شراء العراق من دول الخليج سلعا وخدمات تعادل بسعر السوق قيمة الديون المستحقة عليه ما يخلق سوقا كبيرة للسلع والخدمات الخليجية بصورة تؤدي إلى خلق قدرة تنافسية أمام بقية المصدرين الإقليميين.

إيران والمتغير الأميركي
ظهر المتغير الأميركي في العلاقة مع إيران من خلال الانفتاح الأميركي عليها والتخلي عن مشروع إسقاط النظام فيها وقبولها كطرف في الحوار وإشراكها في الملفات الإقليمية. وقد جاء ذلك عقب النداء الذي أطلقه أوباما ودعا فيه النظام والشعب الإيراني إلى التخلي عن عقود من العداء. ومع هذا التحول في العلاقات يطرح الباحث سؤالا حول موقع دول الخليج منه بعد أن طالبت القمة التشاورية لمجلس التعاون في الرياض العام الماضي بألا يكون الحوار الأمريكي ـ الإيراني على حساب مصالح دول الخليج، خاصة وأن هناك هواجس من أن ينعكس ذلك عبر محاولة فرض الهيمنة الإيرانية على الخليج. وعن الموقف الأميركي من البرنامج النووي الإيراني الذي يشكل تهديدا لمسيرة الحوار بينهما يقدم رؤية أولية يناقش فيها الإمكانات الإيرانية لصنع القنبلة النووية والقرارات الدولية التي صدرت عن مجلس الأمن وسلة الحوافز الاقتصادية والسياسية والأمنية التي قدمت لها مقابل تعليق الأنشطة المتصلة بتخصيب اليورانيوم وتصنيعه. وإذا كانت إدارة أومابا قد اختارت الخيار الديبلوماسي إلا أنها ظلت ماضية في خيار العقوبات بسبب التعنت الإيراني لكن الصعوبة التي تواجهها تلك العقوبات تتمثل في صعوبة وصوله إلى جوهر تجارة إيران الخارجية المتمثلة في النفط لأن ذلك سيترك تداعياته على السوق النفطية العالمية. ويحاول الباحث مقاربة إمكانية التأثير الأمريكي على الوضع الإيراني سواء كان على المستوى الديبلوماسي أو الداخلي في حين يرى أن الخيار العسكري قد بدأ يتوارى وذلك من خلال مناقشة الخطط العسكرية الأمريكية لاحتمالات الضربة العسكرية وما تواجهه من صعوبات تقنية ولوجستيه ومن تمركز مكثف لقواتها البحرية وحاملات طائراتها في دائرة ضيقة من مياه الخليج.

مستقبل الأمن
أخيرا يتناول الكتاب تأثير المتغير الأمريكي ليس على مستوى الخليج وحسب وإنما على مستوى أمن المنطقة لأن الانسحاب الأمريكي من العراق يتطلب ضرورة وضع العراق ضمن نظام موثوق للأمن الإقليمي كما أن بناء العلاقات الأمريكية الإيرانية من جديد يفتح الباب أمام فرص الالتقاء الخليجي العراقي الإيراني لبناء نظام أمني مشترك مع الإشارة إلى الصعوبات التي ما تزال تعترض هكذا خيار. وينتقل من محاولة استكشاف الأفق المستقبلي إلى تناول موضوع الموازن الخارجي الذي اعتمدت عليه الولايات المتحدة حتى الآن في مقاربة أمن الخليج. ولحل معضلة قدرة أمريكا على المحافظة على هذا المبدأ ورعاية الأمن الإقليمي الذي تكون إيران طرفا فيه يرى ضرورة أن تأخذ التوجهات الأمريكية في حساباتها أمرين اثنين هما تحسين العلاقات الخليجية – الإيرانية، والعمل على إلغاء عوامل التوتر الكامنة. أما التحدي الآخر فهو يتمثل في وجود إيران كطرف في نظام أمني جامع. وفي الختام يعمل على الإجابة عن سؤال يتعلق بالخيار الأمني الخليجي الممكن انطلاقا من حقيقة بلورة حد أدنى للتوافق الأمني يجنّب المنطقة الهزات والصراعات التي تهدد العيش المشترك في هذه المنطقة وتقضي على آفاق التعاون الإقليمي فيها.

اقرأ أيضا