الاتحاد

الملحق الثقافي

«الإعلاموفوبيا».. أو مرض الوهم الإسلامي

تتعرض صورة العالم الإسلامي لكثير من التشويه والتحريف والتضليل في أغلب وسائل الإعلام الغربية التي تروج صوراً نمطية عن الإسلام والمسلمين وتثير الشك والريبة والخوف، وتخلق أسباب النفور من كل ما له صلة بالدين الإسلامي. فكيف تكونت هذه الصورة، وهل ساهم المستشرقون في رسمها؟. ولماذا اعتبر الغرب أن الإسلام عدو له، بعد انهيار المنظومة الشيوعية؟. وهل يناهض الإسلام الغرب فعلاً ويصطدم معه حضارياً، أم أن الغرب بحاجة إلى عدو جديد لكي يفهم نفسه؟.
هذه الأسئلة وغيرها يطرحها الدكتور المحجوب بن سعيد في كتابه “الإسلام والإعلاموفوبيا” الصادر حديثاً عن دار الفكر بدمشق، ويحلل فيه المعلومات والأخبار والصور في وسائل الإعلام الغربية، ليصل إلى الأسباب الحقيقية والأساسية ـ على حد تعبيره ـ للخوف من الإسلام.

خوف موروث!
يرى بن سعيد أن صنع الصور النمطية المسيئة إلى الإسلام والمسلمين وترسيخها في العقل الغربي ظاهرة قديمة ومتجددة، فالإسلام أكثر الأديان تعرضاً للإساءة في الغرب، كما أن المسلمين هم أكثر شعوب الأرض حظاً من التشويه والتجريح في المجتمعات الغربية. ويدل الرصد التاريخي لتطور تلك الظاهرة على أن ساسة الغرب وقادة الرأي فيه كانوا ينظرون دائماً إلى الإسلام باعتباره يمثل تهديداً لهم، فاللاهوتيون في العصور الوسطى كانوا قلقين مما أسموه تأثير القيم الإسلامية في القيم المسيحية تأثيراً تدميرياً، ولذلك رأى هؤلاء أن حماية المسيحية من الإسلام لا تكون إلا بضربه عسكرياً، والاستيلاء على أرضه وإقناع معتنقيه باتخاذ المسيحية ديناً. وقد كان هدف الحملات العسكرية الصليبية في المرحلة التالية مواجهة ما أسموه (التهديد الإسلامي) قبل أن يغزو ديار الغرب.
ولم يختلف موقف الغربيين من الإسلام في حقبة الاستعمار في مطلع القرن العشرين عن مواقفهم في الحقب السابقة، فقد كانت حركة الاستشراق في مجملها أداة من أدوات مواجهة التهديد الإسلامي المزعوم. وكان المطلوب من هذه الحركة استكشاف معالم العقلية الإسلامية وفهمها فهماً جيداً لتسهيل عملية استعمار الشعوب الإسلامية، واستغلال خيرات البلاد الإسلامية. وفي المرحلة المعاصرة، تتسق نظرة الغربيين إلى الإسلام مع تلك المنظومة من الرؤى المعادية التي ورثها العقل الغربي. فالإسلام يمثل تهديداً للغرب كما هو واضح من نظرية زبجنيو برجنسكي عن (هلال الأزمات)، مروراً بنظرية برنارد لويس عن (عودة الإسلام)، وانتهاء بنظرية صاموئيل هنتنغتون عن (صدام الحضارات). ونهضة الإسلام بالنسبة إلى هؤلاء جميعاً تعني نهاية الحضارة الغربية (!) لا باعتبار الإسلام مجرد منافس أيديولوجي فحسب، بل لأنه أيضاً يمثل تحدياً حضارياً بالغ الخطورة!.
لكل ذلك، فإن بن سعيد يؤكد أن العالم الإسلامي والمسلمين اليوم ليسوا إزاء حالة عداء غربي محدود النطاق والتأثير، بل إن الواقع المعاصر يشهد ما أسماه الباحث البريطاني فرد هاليداي (ظاهرة معاداة الإسلام)، إذ يرى أن الاتجاه المعادي للإسلام أخذ يتسع في العالم، وليس في الغرب وحده، مع أواخر الثمانينيات من القرن العشرين، نتيجة لعدد من العوامل، منها انتهاء الحرب الباردة، وذيوع فكرة حلول الإسلام عدواً للغرب عوضاً عن الشيوعية التي أفل نجمها بانهيار الاتحاد السوفييتي، ثم أخيراً صعود التيار اليميني المتطرف في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية. فالغرب لم يعد قادراً على التعرف على نفسه، بعد انهيار خصمه الشيوعية، إلا من خلال تنصيب الإسلام (آخرَ) جديداً، فهو يصنعه صنعاً ليضمنه جميع أنواع السلب أو النفي التي تمكنه من تحديد هويته هو (أي الغرب) إيجابياً. وهكذا يصبح الإسلام وعاء لكل ما لا يرغب فيه الغرب ولكل ما يخاف منه!.

الصحافة الفرنسية نموذجاً
اختار الباحث الصحافة الفرنسية عينة للدراسة المضمنة في الفصل الثاني من الكتاب، لأن فرنسا برأيه من أبرز الدول الأوروبية التي تتجسد فيها تناقضات العقل الغربي إزاء الإسلام، وتتبلور فيها بجلاء التفاعلات والارتباطات القوية والمستمرة لسيرورة بناء الصور النمطية عن الإسلام والمسلمين. فقد وصل الأمر بالصحافة الفرنسية مؤخراً إلى حد أنها ألقت على عاتق المسلمين بأسباب الأزمة الاقتصادية والبطالة واختلال الأمن والعمليات الإرهابية، وأصبح الناخبون الفرنسيون في مواقع عدة يصوتون لأكثر المرشحين عدوانية ضد الإسلام والمسلمين، كما أن المجلات التي تخصص أعداداً تدور محاورها حول الإسلام ترتفع معدلات مبيعاتها 15%.
ويرى بن سعيد أن الرؤية الفرنسية للإسلام تستند إلى أربعة مكونات أساسية، أولها الخطاب القروسطي، وهو من إنتاج المؤسسة الدينية التي ظلت تعتبر الإسلام (كارثة طبيعية مدمرة)، وثانيها الخطاب التنويري، والذي تجسده فلسفة الأنوار التي تمثل أحد أهم الأركان المؤسسة للفكر الغربي المعاصر، وهي تجمع بين مدح الإسلام وذمه، والإعجاب به واستهجانه، والانبهار به والسخرية منه. وثالث هذه المكونات هو الخطاب الاستشراقي، الذي يصور العرب والمسلمين على أنهم متخلفون ذهنياً وغير متحضرين وخاملين تتحكم بهم عيوب فطرية تمنعهم من التطلع وتجعل حركيتهم مراوحة في المكان نفسه!. أما رابع هذه المكونات فهي خطاب الكتاب المدرسي، وهو امتداد للصورة التاريخية التراكمية السلبية لهذا الدين وحضارته وأتباعه.

ثلاث محطات
ويذكر الكاتب ثلاث محطات أساسية مرت بها صورة الإسلام في الإعلام الفرنسي، أولها مرحلة الأحداث المهمة، وتتحدد هذه المرحلة زمنياً خلال السنوات (1978 ـ 1989م)، فقد كان الإسلام حتى بداية عقد السبعينيات من القرن العشرين بالنسبة إلى الرأي العام الفرنسي ديناً (غريباً)، لكن منذ الثورة الإيرانية عام 1979 أصبح موضوعاً للنقاشات العائلية بفعل تغطية إعلامية مكثفة لحدث الثورة الإيرانية التي كان قائدها الإمام الخميني منفياً في الديار الفرنسية. وبدأت تتبلور ملامح صورة أخرى عن الإسلام، تزامنت مع بروز ظاهرة الهجرة من بلدان المغرب العربي، إذ أولى الإعلام الفرنسي اهتماماً بالغاً للمهاجرين المغاربة، وجعل الفرنسيين ينظرون إليهم على أنهم تهديد للمجتمع الفرنسي. أما المحطة الثانية فهي مرحلة ضبط الأقليات والجاليات المسلمة في فرنسا والتي تمتد من سنة 1990 إلى 2000م، وخلال هذه المرحلة تراجعت صورة إيران بوصفها ممثلاً للإسلام لتحل محلها صورة العراق والرئيس الراحل صدام حسين، والجزائر إبان ظهور الجبهة الإسلامية للإنقاذ. وفي بداية التسعينيات من القرن العشرين عادت قضية الهجرة لتحتل الواجهة الإعلامية، وتداولت المنابر الإعلامية الفرنسية مصطلح (انتفاضة الضواحي) لتوصيف حالة المهاجرين المسلمين القادمين من دول المغرب العربي، الذين قاموا بمظاهرات عنيفة واشتباكات دموية مع رجال الشرطة احتجاجاً على انعدام شروط الحياة الكريمة في أحيائهم الهامشية، فوصف الإعلام الفرنسي هذه الأحياء بالمناطق الخارجة عن القانون. فيما تبدأ المرحلة الرابعة بعد تفجيرات الحادي عشر من أيلول والتي أفرزت تداعيات خطيرة على المسلمين، حيث استفحلت ظاهرة الحقد والكراهية، وسيطرت العقلية الأمنية داخل الدولة الفرنسية في تعاملها مع المسلمين، وأصبحت المساجد والخطب ولقاءات المسلمين وجمعياتهم خاضعة لرقابة شديدة من طرف وزارة الداخلية ورجال المخابرات. وانتشرت ثقافة (الخوف من الإسلام) أو ما اصطلح على تسميته بالإسلاموفوبيا، مما زاد في تعميق الصورة المشوهة عن الإسلام والمسلمين في الإعلام الفرنسي.
ويخلص بن سعيد إلى أن لخطاب الخوف من الإسلام في وسائل الإعلام الغربية دوافع دفينة في الرغبات لا يريد الخطاب الغربي التعبير عنها صراحة، وتنبع من حاجات أشبه بالحاجات البيولوجية بالنسبة إلى اللا شعور الفردي، مثل الحاجة إلى البترول والرغبة في استمرار السيطرة عليه، والحاجة إلى المهاجرين المتناقضة مع الرغبة في التخلص منهم تحت ضغط هواجس اقتصادية أو عنصرية، والحاجة إلى بقاء العالم الإسلامي قائماً كآخر لا بد منه، والرغبة في أن يظل مشتتاً ومتخلفاً وتابعاً!.

اقرأ أيضا