الاتحاد

الملحق الثقافي

جهاد أبو حشيش: كل حالة خارج الأكفان نصٌّ لي

يرى الشاعر جهاد أبو حشيس أن السؤال نبض القصيدة، أصابعها التي تعزف سيمفونية الخلق والاختلاف. بها يصوغ رؤى قادرة على المحو واستنهاض المدفون من الفعل، ويشيد عوالم مشتهاة، ويحاول استنهاض ذاكرة مدفونة لترى رغم العماء.

? لمن تكتب؟
? اكتب لذاكرة مدفونة تحت أكوام الفراغ، لذاكرة تحاول أن تنهض لترى رغم كل هذا العماء. اكتب لي ولك ولكل الذين يفتشون عن أسئلتهم القادرة على تجاوز سكونية السائد.
? وماذا بعد أربعة دواوين، كيف تتطلع إلى المستقبل الشعري؟
? أنا أكتب دون أن اشغل نفسي بمستقبل الشعر لأنني على ثقة أن عجلة التطور لا تنتظر أحدا، حتى وإن رأى البعض أن الشعر يتراجع ليفسح مساحة أكبر للرواية، فكل ما يهمني أن أقول الشعر وان أحرر أسئلتي ورؤاي لكي لا اختنق بها.

نصل اللحظة
? ما الذي يثيرك ويحفزك لكتابة قصيدة، وعن ماذا تعبر بالضبط؟
? حين تقف على نصل اللحظة، وتتدثرك حالة ما، حين تغيب الاتجاهات، يتوحدك المكان والزمان لا يكون إلاك، وحين تصبح أناك هي الكون وتصبح أنت سيد أسئلتك ومفرداتك، عندها كل شيء قد يكون قابلا للكتابة، دمعة الصغير حين يغتالها الجوع، وجع التراب حين يحاول أن يكون بلادا.. كل حالة خارج الأكفان تكون قابلة للولادة كنص.

? بعض النقاد يرون أن القصيدة النثرية قتلت الشعر الموزون، ماذا ترى بهذا الشأن؟
? لا يمكن أن يكون الشكل بأية حال من الأحوال قالباً جاهزا لتحنيط ما يتوالد من نصوص إبداعية جديدة، ولا يعني هذا أيضا أن يكون البحث عن شكل النص بحثاً تعسفياً، النص هو الذي يستطيع أن يحدد إيقاعه وجمالياته/ مبنى ومعنى، لا يمكن لمن يستخدم لغة نمطية ورؤى تقليدية أن يدعى القدرة على خلق نصٍ إبداعي من حيث المبنى والمعنى. إن التشكل الإيقاعي التقليدي ما هو إلا احتمال من متعدد, وللكتابة حريتها في استحداث ما تشاء من الوحدات الإيقاعية, فالربط بين الوحدات الصوتية والنحوية والدلالية هو ما يؤسس لبنية إيقاعية مغايرة للسائد، فالإيقاع “نَّفَس” والنَّفَس تعبير عن رؤية مغايرة ومقدمة لتدمير سلطة اللغة ونمطيتها، لأن الكتابة فعل شهواني مفتوح للحياة، تمنح للغة إمكانية التجدد وللذات حق متعتها الفيزيولوجية والبيولوجية وللمجتمع فسحة ابتكار علائقه وقيمه التحررية.. حين تعجز اللغة في الشعر عن تجاوز الأنماط التقليدية فهي بالضرورة غير قادرة على خلق نص إبداعي قابل للحياة.

أمراض النقد
? علاقتك بالنقاد هل هي تصالحية أم تصادمية، وبماذا تعلق على “تبادل الخدمات” النقدية: “أكتب عني أكتب عنك”؟
? الكتابة النقدية بعمومها تخضع لمعايير لا نقدية في معظمها، فمهمة الناقد كما أفهمها، التنقيب عن النص المبدع كما ينقب عالم الآثار عن تحفة نادرة ليمنحها حقها في الحياة، موقعها، قيمتها. أكثر النقاد حين تقرأ لهم يشعرونك بضآلة رؤاهم وعدم قدرتهم على تحسس جماليات النص، البعض يفتقد لوضوح منهجه النقدي حيث تكتشف في كل مرة تقرأه فيها من خلال كتابته النقدية أن مرتكزاته في قراءة نص ما تكاد تكون نقيض مرتكزاته في قراءة نصٍ آخر، وهؤلاء ينتظرون من المبدع أن يدق باب قلاعهم متوسلا، معلناً ولاءه لسلطتهم لينتبهوا لنص هنا أو هناك. النقد سلطة، علقة لا تعيش بدون وجود المبدع وإبداعاته، وعندنا تحول النقد إلى سلطة قمعية مكرسة للسائد. يصدمني الكثير من النقاد الذين يكتبون انطلاقا من وجهة نظر جاهزة ومفصلة على مقاساتهم، يقرأون مضامين النص وينقدونها ولا يتعرضون للمبنى/ الشكل لا من بعيد ولا من قريب، تشعر وكأنهم يريدون أن يحاسبوا النص من حيث التزامه برؤاهم لا بقدرته على التفرد والتميز والاختلاف. قلة من نقادنا تضطرك للوقوف احتراماً، اتفقت معهم أو اختلفت لأن رؤاهم ومنهجيتهم واضحة، لا مقاييس جاهزة ليصلبوا عليها النصوص، همهم التنقيب عن كل ما يمكن أن يكون مبدعا. على النقد أن يكون شمولياً في نموه, وإلا فهو غير كائن أصلاً, إن الكثير مما يسمى نقدا، لا يؤسس لإبداع بل يعيد إنتاج أجيالٍ تحترف لذة القمع وتتقن الرقص والتصفيق للسائد/ المستبد واعتباره معيارا للارتقاء والإبداع.

? بماذا تفسر انحسار القصيدة وتحول شعراء معروفين لكتابة الرواية على وجه الخصوص؟
? للشعر قامة غير قابلة للاندثار, لكن القارئ يفتش عما يشبهه من أسئلة أو أجوبة, فهل نحن قادرون على خلق أسئلة تشبه القارئ ولا تكونه, أسئلة تنقله إلى دور الشريك في النص لا المنشد. هنا سواء كان النص رواية أو شعرا سيجد قارئه إن استطاع أن يحقق هذا الشرط، ولا أنكر أن الكثير من النصوص المغلقة التي لا تمتلك رؤى إبداعية بقدر ما تقلد وتتسلق قد أبعدت قارئ الشعر نوعا ما، وربما من هنا رأى الكثيرون في الرواية ملاذهم لان مساحات السرد شاسعة تسمح لهم بالاسترخاء ناهيك عن ثقافة الاستهلاك التي تشكلٍ موجة هي الجسد الطاغي على الساحة الثقافية.

اقرأ أيضا