الاتحاد

الملحق الثقافي

سقطات الشعراء!

لم يألف القارئ العربي الحديث أن يساق القول الشعري إلى قضاء اللغة، لأنّ الشائع عرض الديوان للتعريف بقصائده ومستوياته الفنّية من حيث الفكر والإيقاع والصور والطرافة في المواضيع والعواطف والأساليب.
ولكن مع شيوع الاستخفاف باللغة العربية، وتراجع المهتمّين بها، توجهنا إلى كسر الرتابة، والانصراف عن تمجيد الشاعر إلى الاستدلال على بعض السقطات اللغوية التي تتسرّب إلى نصوصه، بدافع النصيحة لأصحاب اللغة، وأرباب الأدب، لا بدافع التقريع والتعنيف.
ونحن نعلم أنّ من واجب القارئ أن يتفاعل مع النص الأدبي، فيتثقف ويشير إلى العيوب، كرمى للغة الضّاد، وحدبا على من يتخذها كتابة ابداعية.
وقفتنا ستكون مع الشاعر اللبناني الراحل ايليا أبو ماضي (1889-1957) في ديوانه الخمائل، حيث سنختار الإشارة إلى بعض الهفوات اللغوية التي صادفناها آملين من أهل العربية التصويب والاعتبار... وهنا نماذج لهذه السقطات.
في قصيدة الشاعر والملك الجائر (ص 19) تقديم وتأخير غير مبررين، حيث قال أبو ماضي في أحد الأبيات مؤكّدا خلود أقوال الشعراء:
الشيخ يلمس في جوانبها
صور الهوى والحكمة الولد
وكان عليه أن يقول: ويلمس الحكمة الولد، فلا يجوز هنا حذف الفعل وتقديم المفعول به على الفاعل، وهذا عبث لا يبرره أيّ باب من أبواب اللغة كالمنصوب على الاشتغال.
و في قصيدة عش للجمال (ص37) عطف اسمي اشارة للمكان متماثلين بطريقة أضعفت المعنى والسياق، فقال:
عش للجمال تراه ههنا وهنا
وعش له، وهو سرّ جدّ مكنون
و في قصيدة الكنار الصامت (ص67) قال الشاعر:
ولنستعض عنه بطير من لجين أو نضار
ولا يجوز استعمال عنه بعد الفعل نستعض والصواب منه، لأنّ حرف الجرّ (عن) بعد هذا الفعل لم يرد في كلام العرب.
في قصيدة لم يبق غير الكأس (ص76) قال واصفا خيبته:
فكّرت فيما نحن فيه كأمّة
وضربت أخماسي إلى أسداسي
أخطأ في استعمال الفعل ضرب وحرف الجر إلى، والصواب أن يقول: وضربت أخماسي بأسداسي، فالعرب تقول: ضربت الشيء بالشيء وليس ضربت الشيء إلى الشيء.
أما في قصيدة الخمر والدنيا (ص92-93) فأخطأ الشاعر في استخدام لفظة السّوى بمعنى الغير، فحكمها ألا تعرّف، وهو قال مخالفا:
وبعضهم عن رغبة وعن هوى
وبعضهم لعلّه يرضي السّوى
كما أخطأ في استعمال لما في قصيدة لمّا (ص95) فأدخلها على الجملة الاسميّة قائلاً:
لمّا صديقي صار من أهل الغنى
أيقنت أنّي قد أضعت صديقي
والصّواب : لمّا صار صديقي... وإذا قدرنا وجود فعل محذوف بعدها اختلّ التركيب.
وفي قصيدة الغابة المفقودة (ص156) أدخل ليس على جملة اسميّة صدرها أنّ، وهذا لم يرد في كلام العرب، إذ قال أبو ماضي:
آمنت باللّه وآياته أليس أنّ اللّه باريها؟
وقال في القصيدة نفسها (ص158):
فاعجب لأطواري وأطوارها تعبث منّي وأجاريها
الخطأ في قوله: تعبث مني، والصواب: تعيث بي.
وسقط في قصيدة فلسطين ص(166) فعرّف لفظة كلّ، وهي لفظة شديدة الإبهام ولا تعرّف حسب رأي كثير من علماء اللغة، فقال:
ديار السّلام وأرض الهنا
يشقّ على الكلّ أن تحزنا
وفي قصيدة الغبطة فكرة (ص172) كرّر الخطأ معرّفا لفظة غير، فقال:
لاتكن مرّا، ولا تجعل حياة الغير مرّة...
مع التذكير بأنّ مؤتمر المجمع اللغوي في القاهرة سنة 1969 أجاز تعريف غير بشرط أن تقع بين متضادّين، وهذا لا يصحّ في الجملة التي ذكرناها.
وفي قصيدة شبح (ص187) أخطأ في استخدام لفظة شتّى، فجاءت مضافة، خلاف ما اشتهرت به في القرآن الكريم والشعر العربي القديم، فقال:
وسمعتم شتّى الطّيور صوادحا
أسمعتم أشجى من الحسّون؟
وفي قصيدة عبد الله البستاني (ص198)استعمل الفعل مضى مع حرف الجرّ عن، فقال :
وان مضى العافون عن بابه
سارت عطاياه وراء العفاة
والعرب تقول: مضى في الشيء ومضى إليه، ولا تقول مضى عنه وان كان بمعنى ذهب، فلا يتصل هذا الفعل بعين الجارة بتاتا.
وفي قصيدة مستشفى تل شيحا (ص213) أخطأ أبو ماضي في استعمال لفظة القرايا طباقا للفظة المدائن، وكان الصّواب أن يستخدم القرى، جمع قرية على غير قياس. قال الشاعر:
تقصّ على المدائن والقرايا
حكاية قومك المستنبطينا
وأصل لفظة القرايا من قريّة أي المرأة المضياف، وهذا لا يثبته سياق البيت الشعريّ الذي ذكرناه.

اقرأ أيضا