الاتحاد

الرياضي

موري.. فقد الساق والذاكرة ولم يفقد الأمل

أبوظبي (الاتحاد)

أن تعيش الغربة وتشعر بالوحدة بعيداً عن الأهل فهذا أمر صعب.. ولكن أن تتعرض لحادث مروع بدراجتك النارية في الغربة وتفقد الوعي فهذا أقسى ما يتعرض له المرء.. ماركوس سانتوس موري البرازيلي الذي سافر من بلاده إلى اليابان قبل 11 عاماً يراوده الأمل في حياة أفضل.. الحلم في مساعدة أسرته.. الفضول في التعرف على واقع جديد.. بدأ قصته مع التحدي منذ 5 سنوات.
قال ماركوس: أهوى سباقات الدراجات النارية.. أحبها وأقضي معها معظم فترات اليوم.. أستمتع بالسرعة مع تغيير الاتجاهات بمنتهى المرونة.. أفرح بالانطلاق في الهواء لأنني أريد أن أطير في الفضاء كي أهرب من فقري وحاجتي.. عندما وصلت إلى اليابان، وتحديداً إلى مدنية تشوزوكا، كان عمري 24 عاماً، اشتريت دراجة نارية.. وشاركت في السباقات التي تقام هناك.. كسبت أحياناً وأحياناً أخرى لم يحالفني التوفيق.. لكن الحياة مرت وكنت سعيداً للغاية.. خصوصاً أنني كونت صداقات جديدة في الوطن الجديد.. أحببت اليابان وتشوزوكا كثيراً.. قررت أن أعيش فيها للأبد مع دراجتي وأصدقائي.. وتعلمت معهم ومنهم رياضة الجو جيتسو فكنت أمارسها في أوقات فراغي. وأضاف: قبل 5 سنوات كنت أسير بدراجتي في الشارع الرئيسي.. كل المعطيات عادية.. أعرف السرعات المسموح بها ولا أتجاوزها.. أطبق قوانين المرور كما هو مدون في الكتاب.. لا شيء علي، فقد عبرت هذا الطريق نفسه مئات المرات.. ولكن ماذا حدث؟؟.
وتابع: لم أتذكر شيئاً مما حدث لي.. كل ما أتذكره أنني بعد فترة من الزمن وجدت نفسي في المستشفى منهكاً.. فتحت عيني فاستغربت وتعجبت أنه ليس سريري!!.. ماذا حدث لي؟؟، حاولت أن أقوم فلم أتمكن.. لا أشعر بقدمي.. أين قدمي اليمنى؟؟،.. لدي إصابات كثيرة في صدري وأذرعي ورأسي أيضاً.. تساءلت من أنا ؟؟.. حاولت مرة أخرى أن أقوم لم أتمكن وأيقنت أنني بلا قدم يمنى.. صرخت في المستشفى.. أين أنا وماذا حدث؟؟.. جاءتني الممرضة وأخبرتني بأنني تعرضت لحادث مروع.. وأتيت إلى المستشفى منذ 3 أسابيع.. كنت فاقداً للوعي تماماً.. لم أستفق إلا الآن.. سألتها من أنا.. قالت لي أنت ماركوس فاستغربت الاسم.. لا أتذكر أي شيء.. استدعت لي الطبيب تحدثت معه وأخبرني أن الحادث كان كبيراً.. وأن ساقي تم بترها.. وأن العناية الإلهية أنقذتني من الموت.. وسوف أبقى في المستشفى معهم فترة.
وأوضح: «المشكلة لم تكن في الحادث نفسه.. بل كانت في الذاكرة البيضاء التي لا تدرك أي شيء.. ضاع منها الماضي بالكامل.. تعيش الحاضر ولا تعرف شيئاً عن المستقبل.. حاضري هو نتيجة الماضي.. ومستقبلي هو ابن الحاضر الذي أعيشه.. إنها مأساة.. لا بد أن أقتنع بذلك.. لا بد أن أبحث عن طريقة.. الطبيب أجرى لي فحوصاً وأكد لي أنني فقدت الذاكرة تماماً في الحادث، ولم أفقد قدمي وحدها.. فقدت الذاكرة مع القدم؟؟.. يا لها من مأساة معقدة.. بكيت طويلاً.. وصرخت حتى كاد ينقطع نفسي.. لا أتمكن من الحركة إلا بمساعدة الآخرين.. لا أعرف من أين أبدأ.. لأنني لا أعرف أين انتهت بي الأمور، ولكن وجدت شخصاً يتردد علي من حين لآخر في المستشفى.. عرفني بنفسه.. إنه كينزو قال إنه صديقي.. شكله ليس غريباً علي.. لم يكن كينزو وفقط بالنسبة لي.. بل كان هدية من السماء ليربطني بالحياة وأعرف منه من أنا وأين جذوري ولماذا أنا شكلي مختلف عن كل الناس الذين حولي، إنهم آسيويون يابانيون، ولكن أنا شكلي غريب ربما لا أكون آسيوياً.. هذا ما كنت أفكر فيه».
وقال: بقيت في المستشفى فترة طويلة، شهور مرت بعد شهور، وأكملت عاماً بالمستشفى.. كينزو صديقي ولكنه لا يعرف شيئاً عن أسرتي أين هي وكيف أتواصل معها.. سئمت من حياة المشفى.. وكرهت البقاء.. وتمنيت أن أفارقها.. طالت الأيام والليالي.. لا جديد في الحياة.. فلا أمل لي لأنني لا أعرف ماذا أفعل.. ولا حياة من دون أمل.. فكرت أن الأمل يمكن أن يبدأ بالخروج من المستشفى.. لكن الطبيب حولني إلى مستشفى آخر لتأهيلي للعودة إلى المجتمع والاندماج فيه.. وبالفعل انتقلت إلى مستشفى آخر.. أسير على قدم واحدة.. يمكن أن أعتمد على نفسي قليلاً.. أن أتحرك ولكن ببطء وصعوبة.. كل يوم أتعلم شيئاً جديداً كيف أعتمد على نفسي.. جاء صديقي ليزورني فطلبت منه أن يأتيني بملابس الزائرين في المرة القادمة وليس المرضى.. كنت قد فكرت في الخروج من المستشفى ولو كان ذلك عن طريق الهروب.
وأضاف: جاء صديقي وبدلت ملابسي وخرجت متخفياً وهربت من المستشفى وألقيت بنفسي في محيط الحياة.. ومع اندماجي وتعرفي على الناس بدأت أستعيد الذاكرة تدريجياً، وبدأت أتعرف على نفسي بالكامل.. مرت الشهور فتذكرت كل شيء إلا شيئاً واحداً وهو الحادثة التي وقعت وكانت نقطة التحول في حياتي.. لا أتذكر منها أي شيء حتى هذه اللحظة.. عدت لأتدرب الجو جيتسو.. وأركب الدراجة النارية.. حاولت أن أستعيد نفسي واتصلت بوالدي فجاء إلى اليابان.
وتابع: زيارة والدي لم تكن كلها شهداً فقد اكتشف أنني معاق.. وعاش لحظات قاسية.. ظل معي 3 أشهر يقنعني بالعودة إلى البرازيل وأنا رفضت تماماً، فعاد هو وتركني.
وأضاف: في العام الماضي عرفت بطولة أبوظبي العالمية وأتيت وشاركت فيها، وكانت رحلة رائعة أعادتني إلى الحياة وإلى البسمة من القلب.. وفي العام الماضي افتتحت ورشة لإصلاح الدراجات النارية وكان أسعد يوم في حياتي.. حرصت على الحضور في العام الحالي للمشاركة في أبوظبي العالمية.. شاركت وحصلت على الذهبية.. أقضي الآن أفضل أيام حياتي، ولكني تمنيت لو أن دراجتي كانت معي.. لكني سعيد لأن غداً يوم جديد.

اقرأ أيضا

فرنسا تتهم رئيس مجموعة "بي إن" ولامين دياك بالفساد