الاتحاد

الاقتصادي

«مجموعة العشرين» تواجه انتقادات حادة بسبب عدم وضوح معايير عضويتها

اجتماع قمة العشرين في أميركا حيث تواجه المجموعة انتقادات حادة

اجتماع قمة العشرين في أميركا حيث تواجه المجموعة انتقادات حادة

تباهت مجموعة العشرين في قمتها بشهر سبتمبر الماضي في مدينة بيتسبرج الأميركية بتنصيب نفسها المؤسسة الاقتصادية العالمية العليا لتحل محل مجموعة الثماني غير النموذجية ولتستحوذ على نفوذ أعظم في تجمعها الجديد، وكان رد الفعل العام السائد إيجابياً، فعلى كل تمثل مجموعة العشرين 85 في المئة من اقتصاد العالم وثلثي سكانه ورغم عددها الكبير، إلا أنها صغيرة بدرجة تكفي لأن تجعلها غير فاعلة.
ولكن مجموعة العشرين في الواقع تنهك مبادئ التعاون الدولي الأساسية من خلال انفرادها بصنع قرارات مالية مهمة ينبغي أن تشارك فيها سائر الدول، وبانتهاكها تلك المبادئ فإنها تجهض أيضاً الحقوق السيادية لدول صغيرة طالما كانت في طليعة المدافعين عن تعددية العلاقات الدولية والقانون الدولي وفي مقدمة المجددين للسياسات.
ويلاحظ أنه لا توجد لمجموعة العشرين معايير عضوية واضحة، فلا يجوز الاشتراك إلا لدول كبرى من مختلف القارات سبق أن اختارتها الولايات المتحدة عام 1999، ومن اللافت للنظر أن هذه المجموعة “العشرينية” من الدول الرائدة ليست محددة الحجم، فبالإضافة إلى 19 دولة يعتبر الاتحاد الأوروبي عضواً.
ولم يتم ضم إسبانيا رغم كونها تاسع أكبر اقتصاد في العالم، ولكنها أقحمت نفسها في قمة واشنطن في شهر نوفمبر الماضي، وما كان من هولندا إلا أنها قررت الانضمام ولم يوقفها أحد، فاقتصادها على كل حال أكبر كثيراً من اقتصاد الأرجنتين أحد أعضاء مجموعة العشرين، وحين يكون هناك اجتماع دولي مرتكز على مبدأ إقحام الذات عنوة، فإن مجمعاً من هذا القبيل لا يستحق الاحترام.
كذلك ليس لمجموعة العشرين قواعد حوكمة متفق عليها، ففي قمة لندن في أبريل الماضي ترددت شكاوى من أن القرارات الفعلية كانت مبنية على تآمر “كبار” الأعضاء مع استبعاد النصف على الأقل من دول مجموعة العشرين، وهذه هي النتيجة الطبيعية إذا ما ترك الزعماء السياسيون المتسلطون دون رابط.
وهناك عيب خطير آخر يتمثل في أن مجموعة العشرين تخل بمبادئ العالمية أو الشمولية التي وضعت عند تشكيل عصبة الأمم عقب الحرب العالمية الأولى. فأحد أسباب عدم فاعلية عصبة الأمم آنذاك هو أن بعض الدول الرئيسة منها ألمانيا والاتحاد السوفييتي لم تكن أعضاء. ولتصحيح ذلك الخطأ، تم تعزيز مبدأ العالمية والشمولية عقب الحرب العالمية الثانية في هيئة الأمم المتحدة ومؤسسات بريتون وودز، ونظراً لأن هذا المبدأ قد اعتبر أمراً مسلماً به فقد طواه النسيان للأسف ولكنه يظل دائماً مهماً.
وأكبر عيوب مجموعة العشرين هو أنها تنتهك مبدأ السيادة الوطنية الذي ترسخ في سلام ويستفاليا عام 1648، ففي الوقت الذي زعمت فيه مجموعة الثماني أنها منتدى مناقشة غير رسمي نجد أن مجموعة العشرين قد انتزعت السلطة على النظام المالي العالمي، وصنعت ولا تزال تصنع قرارات تتوقع هي أن تطيعها 160 دولة أخرى رغم أن هذه الدول المئة والستين غير ممثلة، ما يذكرنا بدبلوماسية سفن المدفعية الغابرة.
وأخيراً، تتألف مجموعة العشرين من نفس صناع السياسات الذين تسببوا في الأزمة المالية العالمية الراهنة. فهم الذين فرضوا سياسة نقدية بالغة التسيب ولا توازنات عالمية وسياسة متدنية لأسعار تبادل العملات وشركات رهونات تكفلها الحكومات ولوائح مالية عاجزة. ولن تلوم دول مجموعة العشرين أنفسها وأثبتت ذلك من خلال مهاجمة ملاذات الضرائب وصناديق التحوط التي لم تسبب الأزمة. ودون تحليل نزيه لن تقوم على الأرجح بتحسين الوضع وإذا تُرك المهتمون أنفسهم يخفون آثارهم خلف أبواب مغلقة فتلك هي المقدمة لسياسات أسوأ وكوارث أقسى.
إن مجموعة العشرين تشكل انتكاسة كبرى للحوكمة العالمية وعودة إلى اتفاق الأمير ميترنيتش بين القوى العظمى في فيينا عقب الحروب النابوليونية في عامي 1814-1815، حيث تلوثت سمعة مؤتمر فيينا بسبب أجندته الرجعية وعدائه للديمقراطية.
في الواقع، تم آنذاك تجاهل معظم الحكومات المدعوة وتألف مؤتمر فيينا “الحقيقي” من أربع دول أولاً ثم خمس دول بعد ذلك، واليوم هناك مناقشات حول تطوير مجموعة العشرين إلى مجموعة أربع “الولايات المتحدة والصين واليابان وتشكيلة أوروبية ما” تكون أقل تمثيلاً للعالم.
والمفارقة في ذلك أن الدول الصغيرة طالما كانت المؤيدة والمتمسكة بالتعاون المتعدد الدولية، بينما دأبت الدول الكبرى على تجاهل القانون الدولي، بل كثيراً ما شجعت مبدأ الأحادية، ولكن الآن تعامل الدول الصغيرة كما لو كانت مجموعة دولية محرومة من حماية القانون تصنع لها القرارات مجموعة العشرين التي اختارت نفسها - وتحت شعار التعددية الدولية، وذلك إنما يبلغ في درجته حكم عصابة دولية، وهو ما لا ينتظر أن يحظى باحترام وطاعة الدول خارجها.
فحكم الدول الكبرى للدول الصغيرة سيصبح على الأرجح شديد الحذر مثلما حدث مع مؤتمر فيينا، فالدول الصغرى في المتوسط أثرى من الدول الكبرى للفرد الواحد بسبب أنها أيسر من حيث الحوكمة.
وعادة ما يستوعب الدول الكبرى أهم المفكرين وتستقبل المناقشات العامة، ولكن الدول الصغرى تميل إلى تنفيذ المزيد من الإصلاحات السياسية المهمة.
والأمثلة كثيرة، ففي ثلاثينيات القرن الماضي كانت السويد أول من اتبع الإدارة الكينيزية للطلب، واستحدثت تشيلي إصلاحات الرواتب التقاعدية المرتكزة على حسابات التوفير الخاصة عام 1980، كما أن نيوزيلندا هي التي بدأت استهداف التضخم عام 1990 وأستونيا هي التي أطلقت نظم ضريبة الدخل الثابتة عام 1994. أما الدول الكبرى، فهي أفضل من حيث اغتصاب السلطة، ولكن قصد مجموعة العشرين المعلن هو إصلاح السياسات والذي تعتبر هي غير ملائمة له.
وبالتالي، فإن الفكرة السائدة بجعل مجموعة العشرين منظمة اقتصادية عالمية ذات صلاحيات فوق وطنية على الدول غير الأعضاء إنما تعد ضد المبادئ الجوهرية للقانون الدولي ولا بد من إيقافها.
والأجدر من ذلك يتعين على المجتمع العالمي الإسراع إلى إصلاح صندوق النقد الدولي بصفته يملك كل ما تفتقره مجموعة العشرين من خواص: العالمية والقوانين والحوكمة وهيكل الموظفين، ولكن إطلاق مجموعة العشرين إنما يعد تصويتاً بسحب الثقة في أدائه وظائفه.
ولكن يلزم صندوق النقد الدولي التطوير وأن يصبح أكثر تمثيلاً للدول وأكثر سلطة وأكثر فاعلية، بينما يتعين على مجموعة العشرين أن تنزوي وإلا تستخدم سوى كمنتدى استشاري.

عن “فايننشيال تايمز”

اقرأ أيضا

ترامب يطالب البنك الدولي بالتوقف عن إقراض الصين