الاتحاد

ثقافة

«يوميات بيسوا».. الشاعر مكتوباً بخطّ يده

الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا

الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا

محمد نجيم (الرباط)

فرناندو بيسوا، صاحب أكثر من يد في الكتابة، وصاحب أكثر من اسم مُستعار يظهر به ويوقع به كتاباته، وهو كاتب دائم الاختفاء والتملص.
هذا بعض ما يقع عليه قارئ الترجمة العربية لكتاب «يوميات فرناندو بيسوا» التي نقلها مؤخراً إلى العربية الشاعر والمترجم المغربي المهدي أخريف، وهي يوميات نشرت للمرة الأولى بالبرتغالية العام 2007، وتؤرخ لمراحل معينة من حياة الشاعر الذي حفر عميقاً، بحياته وأدبه في مدونة الأدب، سواء في البرتغال بلده الأصلي، أو في أدب العالم - بعد عودته من ديربان في جنوب أفريقيا - بدءاً من (1906 - 1908 ثم 1913 و1914 و1915)، بعدئذٍ نلاحظ حصول انقطاعات في وتيرة التأريخ في السنوات اللاحقة، ربما بسبب انقطاع المؤلف أكثر فأكثر لأعماله الشعرية والنثرية اللاحقة الموقعة باسمه هو.
ما يلفت الانتباه في هذه اليوميات في المقام الأول أن التدوينات اليومية للسنوات المبكرة الأولى (1906- 1908) حافلة بالتفاصيل الدقيقة لحياته الدراسية، علاقاته، انشغالاته الأدبية والفكرية، بينما نجد التدوينات المؤرخة ما بين 1913-1915 تنحو منحى التحليل والتعليق على الأحداث الصغيرة والكبيرة الشخصية والعامة، ومن خلالها نتعرف على انخراطه المتزايد في الحياة الثقافية في بلده، وعلى تطور وغزارة إبداعه الأدبي نثراً وشعراً، وكذلك على اضطلاعه بدور رائد في حركة الحداثة الأدبية البرتغالية، فضلاً عن حياته العلمية وتوسّع علاقاته مع أبرز الأدباء ورموز الحركة الطليعية، إضافة إلى مساهمته في السجالات السياسية والثقافية ضد التيارات المحافظة والرجعية. وحسب المترجم، فقد كتبتْ أجزاء عديدة من هذه اليوميات بالإنجليزية في الأصل (وهي لغة الدراسة والتكوين في جنوب أفريقيا).
ولعل ما يمنح هذه اليوميات أهمية خاصة ترفعها إلى مستوى بعض كتاباته الرئيسة هو ما يتخللها من نوعيات كتابية مختلفة ومتنوعة، أدناها بعض الخطاطات والملاحظات البيوغرافية والبيبلوغرافية، وأعلاها تجسدها تلك النصوص والمقاطع التأملية البيسويّة الخالصة، بما تفصح عنه من نضج مدهش، ومبكر، في مقاربة قضايا يومية وذهنية من منظوره الميتافيزيقي الفريد الذي سيظل يغني رؤيتنا للوجود الإنساني.
تبقى الإشارة إلى أن بعض هذه النصوص والانطباعات مؤرخة في سن مبكرة منها ما كتب قبل بلوغه سن العشرين، ومن خلال تلك اليوميات، نتعرف على حياة فرناندو بيسوا، وهي حياة متقلبة، غامضة، يعتريها الكثير من الغرابة والقلق، فصاحب «اللاطمأنينة» يخاف من اليوميّ ويهرب منه، يتحاشى الناس ولا يخالطهم.
أما بيسوا كشاعر فهو يرى أن الشعر «موجود في كل شيء، في البر وفي البحر، وفي البحيرة وعلى ضفة النهر، وموجود أيضاً في المدينة، لا تنكر ذلك، يبدو جلياً أمام عيني وأنا جالس، ثمة شعر في ضوضاء السيارات على قارعة الطريق، ثمة شعر في أي حركة مبتذلة ومُضحكة لصباغ في الناحية الأخرى من الشارع وهو يلون إعلاناً لدكان لحام».
صدر هذا الكتاب القيّم عن دار توبقال، في الدار البيضاء، (2017) بغلاف يحمل لوحة للفنان جوزي ألمادا نغريروس.

اقرأ أيضا

«العرجون القديم» أطياف موازية للشخصيات