أرشيف دنيا

الاتحاد

«رحمة» امرأة أيوب.. زوجة صالحة صابرة

محمد أحمد (القاهرة)

كان نبي الله أيوب رجلاً واسع الثراء، أنعم الله عليه بالنعم الكثيرة، وكان يحسن الشكر على النعمة، فهو مضرب الأمثال في حسن الصبر، وتعينه على ذلك زوجته الصالحة «رحمة» أو ليا بنت أفرائيم بن يوسف بن يعقوب، من النساء التي خلدها التاريخ في صبرها مع زوجها عليه السلام.
كانت «رحمة» تعيش في نعيم في بلاد الشام، آمنت مع أيوب وبدعوته، فقد كان براً تقياً رحيماً، يحسن إلى المساكين، ويكفل الأيتام والأرامل، رزقهما الله من الأبناء الذكور والإناث، وأوسع عليهما من الرزق، وفضلهما على كثير من خلقه، فكانت تكثر الحمد والشكر، إلا أنها خضعت لاختبار إلهي فيما آتاها الله وزوجها، فبرهنت على صدقها مع الله، قال تعالى: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ)، «سورة ص: الآية 41»، فكان مع كل هذا العذاب والصبر تقف بجانبه الزوجة الصالحة وتسانده، تسليماً منهما واحتساباً.
ابتلي أيوب في جسده وماله، وولده، ولم يبق له من حال الدنيا شيء يستعين به على مرضه، لكن زوجته حفظت ودَّه، لإيمانها بالله ورسوله، فظلت تخدمه 18 سنة، وكانت تخدم الناس بالأجرة، وتطعمه، ولم تفارقه رحمة ليلاً أو نهاراً، إلا لخدمة الناس، ثم تعود لرعايته، وطال عليه الأمر واشتد، فتضرع أيوب إلى ربه قائلاً: (... أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)، «سورة الأنبياء: الآية 83».
عاشت رحمة مع زوجها مثال الزوجة الصابرة الراضية بقضاء الله وقدره، وصفها ابن كثير، بالصابرة، والمحتسبة، المكابدة، الصديقة، البارة، والراشدة، وقال الحسن: ضُرب أيوب بالبلاء، ثم البلاء بعد البلاء بذهاب الأهل والمال، وصبر عليه السلام وصبرت زوجه رحمة صبراً جميلاً، فقد تعودت أن تكل أمرها إلى الله عز وجل.
استجاب الله لدعاء أيوب، فأمر أن يقوم من مقامه، وأن يضرب الأرض برجله، ففعل، فأنبع الله عيناً، وأمره أن يغتسل منها، فأذهب جميع ما كان في بدنه من الأذى، ثم أمره فضرب الأرض في مكان آخر، فأنبع له عيناً أخرى، وأمره أن يشرب منها، فأذهبت ما كان في باطنه من السوء، وتكاملت العافية ظاهراً وباطناً، قال تعالى: (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ)، «سورة ص: الآية 42».
لم تكن رحمة معه ساعة اغتسل من الماء، وعندما وصلت، فأخبرها بأن الله أكرمه، ومنّ عليه بالشفاء، سجدت وقالت إن ربي على كل شيء قدير، وإنه يحيي العظام وهي رميم، فأكرمهما الله عز وجل: (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ)، «سورة ص: الآية 43»، فكشفنا عنه ضره وأكرمناه ووهبنا له أهله من زوجة وولد، وزدناه مثلهم بنين وحفدة، كل ذلك رحمة منا به وإكراماً له على صبره، وعبرة وذكرى لأصحاب العقول السليمة، ليعلموا أن عاقبة الصبر، الفرج وكشف الضر.

اقرأ أيضا