أرشيف دنيا

الاتحاد

ابن رضوان.. إمام الطب والحكمة نبغ في الفلسفة والفلك

أحمد مراد (القاهرة)

ولد أبو الحسن علي بن رضوان المصري سنة 998 ميلادية بمنطقة الجيزة في مصر، ونشأ في أسرة فقيرة، حيث كان أبوه يعمل خبازاً، وعندما بلغ الرابعة عشرة من عمره مات والده، الأمر الذي جعله يعمل في صناعات عدة ليعول نفسه، ويوفر نفقات تعليمه، وقد حرص على تحصيل العلم، وتخصص في دراسة الطب.
وكان المعلم وقتها يقرأ من الكتاب دون أن يفسر ويعلق على ما يقرؤه، فانصرف عن الجلوس للمعلمين، وعكف على دراسة كتب الطب، ومن هذه الحصيلة العلمية النظرية، ومن مشاهداته العملية تكون الطبيب النابغة أبو الحسن علي بن رضوان، ونبغ في هذا المجال بشكل كبير، حتى صار من أشهر الأطباء، وقد اختاره الحاكم الفاطمي لمصر ليكون رئيساً للأطباء في قصر الحاكم.
وكان لابن رضوان المصري العديد من الإنجازات الطبية، وصاحب طريقة مميزة في فحص المريض وتشخيص المرض، وقد أشاد الأطباء في العصر الحديث بطريقته التي لا تختلف كثيراً عن الفحص الاكلينيكي المتبع في هذه الأيام، حيث كان يهتم بمعاينة المريض والتعرف إلى المرض، وذلك بالنظر إلى هيئة أعضاء المريض وبشرته، وتفقد أعضائه الباطنية والخارجية، وطريقة نظره وكلامه ومشيته، والتعرف إلى نبض قلبه وعلى مزاجه عن طريق توجيه الأسئلة إليه.
وعن منهجه في العلاج، يقول ابن رضوان: إذا دعيت إلى مريض فأعطه ما لا يضره إلى أن تعرف علته فتعالجها عند ذلك، ومعنى معرفة المرض هو أن تعرف من أي خلط حدث أولاً، ثم تعرف في أي عضو هو، وعند ذلك تعالجه.
والطبيب من وجهة نظر ابن رضوان هو الذي اجتمعت فيه سبع خصال، تام الخلق، طيب الرائحة، نظيف البدن والثوب، كتوماً لأسرار المرضى، وأن تكون رغبته في إبراء المرضى أكثر من رغبته فيما يلتمسه من الأجرة، ورغبته في علاج الفقراء أكثر من رغبته في علاج الأغنياء، وأن يكون حريصاً على التعليم والمبالغة في منافع الناس، سليم القلب، عفيف النظر، مأموناً ثقة على الأرواح والأموال، يعالج عدوه بنية صادقة، كما يعالج حبيبه.
وصل عدد مؤلفات ابن رضوان إلى 100 كتاب ومصنف أهمها كتاب «النافع في كيفية تعلم صناعة الطب»، وفيه يتحدث عن طريقة تعليم الطب للمتعلم، ثم الصفات الواجب توافرها في التلميذ الراغب في دراسة الطب وعلامات كفاءة الممارس في صناعة الطب.
ومن مؤلفاته شرح كتب العرق، والصناعة الصغيرة والنبض الصغير، وكتاب الأصول في الطب، ورسالة في علاج الجذام، وكتاب تتبع مسائل حنين، وتفسير ناموس الطب لأبقراط، وتفسير وصية أبقراط المعروفة بترتيب الطب، وكلام في الأدوية المسهلة، وكتاب في عمل الأشربة والمعاجين.
كما نبغ ابن رضوان في الفلسفة، فكان من العلماء الموسوعيين الذين جمعوا بين فنون وعلوم مختلفة، وقد وصفه الإمام الذهبي مؤرخ الحضارة الإسلامية بأنه صاحب المصنفات، ومن كبار الفلاسفة، وقال عنه ابن تغري بردي، كان من كبار الفلاسفة في الإسلام، وكان إماماً في الطب والحكمة، كثير الرد على أرباب فنه.
كذلك كانت له إسهامات في علم الفلك أهمها تسجيله حدثاً مهماً حين حدث في الفضاء انفجار نجمي عظيم، وشوهد في كثير من أنحاء الكرة الأرضية، وسجله ابن رضوان ووصف الحدث وهو في الثامنة عشرة من عمره بمنتهى الدقة، حجمه ومكانه وشدة إضاءته بالنسبة لكوكبي الزهرة والقمر.
ذكرت المؤرخة مارجريت دونسباخ عام 2006 أن مجموعة من علماء الفلك في إنجلترا وأستراليا في عام 1977 قرروا دراسة بقايا هذا الانفجار النجمي الذي حدث عام 1006، واستعانوا بتقارير الذين سجلوا هذا الحدث من الصين وسويسرا واليابان ومصر، فلم يدلهم على مكانه إلا الإحداثيات التي ذكرها ابن رضوان المصري.
توفي ابن رضوان سنة 1061 ميلادية.

اقرأ أيضا