الاتحاد

دنيا

رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء

أحمد محمد (القاهرة)

لما رأى زكريا عليه السلام، أن الله يرزق السيدة مريم فاكهة الشتاء في الصيف، ‏وفاكهة الصيف في الشتاء، ‏طمع حينئذ في الولد، ‏وكان شيخاً كبيراً قد وهن العظم منه، واشتعل الرأس شيباً، وكانت امرأته كبيرة وعقيماً، لكن لكمال إيمانه، وحسن ظنه بربه وبكمال قدرته، ونفوذ مشيئته وحكمته، أقبل على الدعاء: «رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ»، (سورة آل عمران: 38).
سأل زكريا ربه، وناداه نداء خفياً، كما في قوله تعالى في سورة مريم: «إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا»، ودعا «رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ»، جاء الطلب بلفظ الهبة، لأن الهبة إحسان محض، ليس في مقابله شيء، وهو يناسب ما لا دخل فيه للوالد، لكبر سنه، ولا للوالدة لكونها عاقراً، فكأنه قال أعطني من غير وسط معتاد، لأنه لم ينظر إلى الأسباب والمسببات بظروفها العادية، ‏بل نظر إلى خالقها، ‏وهذا هو الإيمان الصادق، وعلى حسن ظن العبد بربه.
قال ابن جرير الطبري، عند رؤية زكريا ما رأى عند مريم من رزق الله الذي رزقها، وفضله الذي آتاها من غير تسبب أحد من الآدميين في ذلك لها، ومعاينته عندها الثمرة الرطبة التي لا تكون في حين رؤيته إياها عندها في الأرض، طمع بالولد، مع كبر سنه، من المرأة العاقر، فرجا أن يرزقه الله منها الولد، مع الحال التي هما بها، كما رزق مريم على تخليها من الناس ما رزقها من ثمرة الصيف في الشتاء وثمرة الشتاء في الصيف، وإنْ لم يكن مثله مما جرت بوجوده في مثل ذلك الحين العادات في الأرض، بل المعروف في الناس غير ذلك، كما أن ولادة العاقر غير الأمور الجارية به العادات في الناس، فرغب إلى الله جل ثناؤه في الولد، وسأله ذريةً طيبة، وذلك أن أهل بيت زكريا كانوا قد انقرضوا في ذلك الوقت.
ودلت هذه الآية على طلب الولد، وهي سنة المرسلين والصديقين، قال تعالى: «ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية».
وقال ابن كثير، إن زكريا عليه السلام، وكان شيخاً كبيراً قد ضعف ووهن منه العظم، واشتعل رأسه شيباً، وإنْ كانت امرأته كبيرة وعاقرا، لكنه مع هذا كله سأل ربه وناداه نداء خفيا، رب هب لي من عندك ذرية طيبة، ولدا صالحا إنك سميع الدعاء، قال الله تعالى: «فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب»، خاطبته الملائكة وهو قائم يصلي في محراب عبادته، ومحل خلوته، ومجلس مناجاته وصلاته، وبشرته «أن الله يبشرك بيحيى»، بولد يوجد لك من صلبك.
وقال القشيري، لما رأى زكريا كرامة الله سبحانه مع مريم، ازداد يقينا على يقين، ورجاء على رجاء، فسأل الولد على كبر سنه، وإجابته إلى ذلك كان نقضاً للعادة، سأل الولد ليكون عوناً له على الطاعة، ووارثا من نسله في النبوة.
وقال الفخر الرازي، إن دعاء الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام لا يكون إلا بعد الإذن، لاحتمال أن لا تكون الإجابة مصلحة، فحينئذ تصير دعوته مردودة، وذلك نقصان في منصب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وقال الشعراوي، ساعة أن قالت له مريم إن الرزق من عند الله، وأنه الحق الذي يرزق من يشاء بغير حساب، أيقظت فيه القضية الإيمانية فجاءت أمنيته إلى بؤرة الشعور، فقال زكريا لنفسه، فلنطلب من ربنا أن يرزقنا ما نرجوه لأنفسنا، وما دام قد قال هذا القول، فلا بد أنه قد صدّق مريم، بأن هذا الرزق الذي يأتيها هو من عند الله، ودليل آخر في التصديق، هو أنه لا بد وقد رأى أن الألوان المتعددة من الرزق التي توجد عند مريم ليست في بيئته، أو ليست في أوانها، وكل ذلك في المحراب.

اقرأ أيضا