الاتحاد

عربي ودولي

«دَيلي كوللر»: أموال قطر المشبوهة تلوث سمعة الجامعات الأميركية

موقع دَيلي كوللر

موقع دَيلي كوللر

دينا محمود (لندن)

شنت وسائل إعلامٍ أميركيةٌ هجوماً عنيفاً على جامعة «جورج تاون» لتلقيها مئات الملايين من الدولارات من النظام القطري والمؤسسات المرتبطة به خلال السنوات القليلة الماضية، على الرغم من الشبهات الكثيفة التي تحيط به وبسياساته الداخلية والخارجية. وفي تقريرٍ إخباريٍ مطولٍ، شددت صحيفة «دَيلي كوللر» واسعة الانتشار على أن العلاقات المثيرة للجدل التي تربط بين الجامعة -التي أُسِسَتْ عام 1798- و«نظام الحمدين»، تقوض مساعي هذه المؤسسة التعليمية للنأي بنفسها عن ماضيها المرتبط ببعض ممارسات العبودية وتجارة الرقيق.
وأشارت الصحيفة إلى أن كل الإجراءات التي اتخذتها «جورج تاون» على هذا الصعيد مؤخراً لا قيمة لها تقريباً، في ضوء ما كشفته وثائق حكوميةٌ أميركيةٌ قبل أسبوعين حول تلقي الجامعة اليسوعية الكاثوليكية الأقدم في الولايات المتحدة، نحو 333 مليون دولار من الدوحة على مدار قرابة خمس سنوات.
وأفادت البيانات التي صدرت عن وزارة التعليم الأميركية بأن جامعة «جورج تاون» -التي تتخذ من واشنطن مقراً لها- حصلت على تلك المساعدات المالية القطرية المشبوهة بين عامي 2011 و2016، جنباً إلى جنب مع مجموعةٍ أخرى من جامعات الولايات المتحدة، التي تلقت أموالاً مماثلة من نظام تميم بن حمد خلال الفترة نفسها، بقيمةٍ إجماليةٍ بلغت نحو مليار دولار.
ولكن الوثائق الحكومية أكدت أن «جورج تاون» هي المستفيد الأكبر من تلك الأموال، التي يُعتقد على نطاقٍ واسع أنها تندرج في إطار الجهود المحمومة التي تبذلها قطر منذ فرض المقاطعة عليها قبل أكثر من عامٍ ونصف العام، للتأثير على الدوائر السياسية والأكاديمية في الدولة الأكبر في العالم.
وفي التقرير الذي أعدته مسؤولة قسم التعليم في الصحيفة نيتو شانداك، أكدت «دَيلي كوللر» أن الإبقاء على العلاقات القائمة مع «نظام الحمدين»، يهدد بشدة الخطة التي أعلنتها «جورج تاون» عام 2016 للتطهر من هذا الماضي، وحملت اسم «سياسة العمل الإيجابي» واستهدفت تعويض أحفاد أولئك العبيد الذين بيعوا في ثلاثينيات القرن التاسع عشر.
وتضمنت الخطة -التي شكلت ثمرةً لجهود مجموعة عملٍ شُكِلَتْ قبل ذلك بعام- اعتذاراً رسمياً قدمه مسؤولو الجامعة في أبريل 2017 عن انتفاعها من عائدات بيع العبيد الـ272، بجانب توزيع كتيباتٍ تسرد تفاصيل «الفصول المؤلمة» في تاريخ تلك المؤسسة التعليمية، فضلاً عن إعادة تسمية بعض مبانيها بأسماء أشخاصٍ ملونين كانوا «جزءاً من تاريخها»، وكذلك التخطيط لإنشاء معهدٍ يُعنى بتطوير الدراسات والمناهج المرتبطة بظاهرة الاسترقاق.
ولكن «دَيلي كوللر» أبرزت المفارقة المتمثلة في أن «جورج تاون» تجمع بين المضي قدماً على هذا الطريق، وقبول أموالٍ من «دولةٍ شرق أوسطيةٍ (مثل قطر) تتفشى فيها العبودية» حسبما تؤكد مختلف المنظمات الدولية المعنية.
وأبرزت الصحيفة في هذا السياق ما ورد في تقرير وزارة الخارجية الأميركية لعام 2018 بشأن الإتجار في البشر من أن «وقائع التأخر في سداد الرواتب أو عدم تسديدها على الإطلاق تمثل عاملاً رئيساً في نشوء ظاهرة العمل القسري في قطر»، وهو ما يُوصف بأنه أحد أشكال «العبودية الحديثة».
ونقلت «دَيلي كوللر» عن التقرير الرسمي الأميركي إشارته إلى أن «الكثير من العمال المهاجرين (إلى هذا البلد) يعيشون في ظروفٍ تكتنفها القيود، وفي ظل أوضاعٍ غير صحية، ويشكو عددٌ كبيرٌ منهم من ساعات العمل الزائدة عن الحد، وأجوائه التي تتسم بالخطورة، فضلاً عما يتلقونه من تهديداتٍ بترحيلهم، وما يلحق بهم من أذى جسديٍ وأضرارٍ ماليةٍ، علاوةً على الانتهاكات التي يتعرضون لها بدنياً وذهنياً وجنسياً».
ولتجسيد حجم هذه الظاهرة المفزعة المستشرية في الدويلة المعزولة، أوضح تقرير الصحيفة أن ما يربو على 90% من العمال الوافدين في قطر كانوا في عام 2015 يحتاجون إلى الحصول على تصريحٍ من أرباب عملهم لمغادرة البلاد، مما كان يجعلهم «سجناء من الناحية الفعلية» هناك، وهو ما دفع نقاباتٍ عماليةً دوليةً للقول، إن «مأساة 1.7 مليون عاملٍ مهاجرٍ عالقين في قطر، توضح طبيعة العبودية الحديثة» التي لا تزال قائمةً في عالمنا.
وأورد التقرير شهاداتٍ مروعةً أدلى بها بعض هؤلاء العمال المنكوبين، من بينهم حارس أمنٍ يعمل في فندقٍ فاخرٍ في الدوحة قال بمرارة: «هل جربت يوماً أن تظل واقفاً لاثنتي عشرة ساعةً متصلة؟.. (في البداية) كنت أعجز عن السير بشكلٍ طبيعي؛ لأنني كنت قد شعرت بأن مفاصلي قد خُلِعَت من مكانها، ولكنني اضطررت للقيام بذلك في كل الأحوال، لأنه كان يتعين عليّ أن استعيد الأموال التي دفعتها للسمسار حتى آتي إلى هنا.. ينتابك شعورٌ وكأنك ضُرِبتَ في رأسك ألف مرة». واستعرض التقرير شهادةً أخرى صادمةً قال صاحبها، إنه ورفاقه يعملون «ببطنٍ خاوٍ لمدة 24 ساعة؛ 12 منها خلال العمل نفسه والـ12 الأخرى أثناء الليل الذي لا يوجد فيه أي طعام.. وعندما شكوت، اعتدي عليّ مديري وركلني إلى خارج مخيم العمل الذي كنت أعيش فيه، ورفض أن يدفع لي أي شيء».
ولم تغفل «دَيلي كوللر» الإشارة كذلك إلى معدل الوفيات المرتفع بشدة في أوساط العمال المهاجرين المشاركين في عمليات تشييد المنشآت المرتبطة باستضافة قطر لكأس العالم المقبلة لكرة القدم المقررة عام 2022، خاصةً بين القادمين من دولٍ آسيويةٍ فقيرةٍ مثل نيبال.
وقال مراقبون، إن من بين الأسباب التي تحدو بالمسؤولين القطريين لإغداق أموالهم على هذه الجامعة بالتحديد، كونها تتبوأ «موقعاً تكتيكياً» متميزاً بالنسبة لدويلةٍ تحاول التأثير على الساسة الأميركيين مثل قطر. وأشاروا في هذا السياق إلى أن «جورج تاون» تقع «في موقع السلطة (بالولايات المتحدة)، قرب مقر وزارة الخارجية، فضلاً عن أن خبراءها كثيراً ما يُستشهد بهم وبآرائهم من جانب المجموعات التي تصيغ السياسات في أميركا»، بجانب كونها تُدرّب الكثير من دبلوماسيي الولايات المتحدة في المستقبل من خلال كلية «الخدمة الخارجية» التابعة لها.

اقرأ أيضا