الاتحاد

دنيا

الأمراض «السيكوسوماتية» .. تنتج عن جرعات زائدة من الآلام النفسية أمام شاشات الفضائيات

العنف الجسدي أكثر المشاهد إيلاماً للنفس

العنف الجسدي أكثر المشاهد إيلاماً للنفس

يؤكد كثير من الأطباء أن عدداً كبيراً من المرضى الذين تزدحم بهم العيادات في الآونة الأخيرة، لا يعانون أمراضاً عضوية. لكن الضغوط النفسية والشد العصبي والتوتر الشديد والقلق، تقف وراء قائمة طويلة من الأمراض والأعراض التي يشكون منها مثل الصداع، والقولون العصبي والأكزيما العصبية، وقرحة المعدة واضطرابات الدورة الدموية وضغط الدم وأمراض القلب، والوهم المرضي، وبعض أعراض ومظاهر الضعف الجنسي، وغيرها، حتى إنه لم يُعد هُناك فاصل حقيقي بين المرض النفسي والمرض الحقيقي.

يفسر الدكتور عباس السادات، استشاري أمراض الجهاز الهضمي والكبد بمركز الخليج للتشخيص في أبوظبي وزميل الجمعية الملكية للأطباء في انجلترا، هذه الظاهرة بأنها انعكاسات عضوية «فسيولوجية» نتيجة أسباب وتداعيات ومؤثرات نفسية تظهر في أعراض التوتر والقلق واضطرابات النوم والكوابيس وانعدام الشهية المرضي أو الإفراط في الأكل، والشعور بالإحباط والخوف والاكتئاب، من جراء جرعة الهموم والمآسي والعنف والقتل وترويع الآمنين والمشاكل والاضطرابات التي تبثها مختلف شاشات الفضائيات للأحداث اليومية التي يشهدها الشارع العربي من المحيط إلى الخليج، على امتداد ساعات اليوم، وهو الأمر الذي يحظى بطبيعة الحال باهتمام ومتابعة الناس باختلاف جنسياتهم وأعمارهم، ومن ثم فان هذه المشاهد الدرامية المأساوية تخلف تأثيراً كبيراً على نفسية المشاهد، ومن ثم يشكو من الأمراض النفسجسدية، أو ما يعرف بالأمراض «السايكوسوماتية».
ويوضح الدكتور السادات الأمراض «السيكوسوماتية» بأنها «مجموعة من الأمراض المرضية العضوية لمشكلات نفسية، ويطلق عليها اسم أمراض العصر بسبب العلاقة الوثيقة بينها وبين الضغوط النفسية والتوتر الداخلي، ومن الحقائق العلمية أن أي نوع من الانفعالات لا بد أن تصاحبه تغيرات بدنية خارجية وتغيرات فسيولوجية داخلية، فانفعالاتنا الخاصة بالسعادة أو الحزن، بالتوتر أو الراحة، بالقلق أو الطمأنينة.
ومن ثم تنعكس بشكل مباشر على الجسم وحياتنا الجسمانية تعتمد بشكل قوي على الجهاز العصبي الذي يتحكم في إفرازات الغدد الصماء والغدد غير الصماء التي تؤثر بدورها على الجهاز العصبي بطريقة عكسية، والجهاز العصبي هو المهيمن على كل شيء حتى على الأفكار والحركة وكافة الصور الحياتية ابتداء بالتنفس وانتهاء بالدورة الدموية والنشاط الذهني واللاشعوري، فهو إذن القائد المسؤول والرابط الرئيس للسلوك وردود الأفعال الفسيولوجية والاستجابات المرضية، وأي انفعال نفسي خارجي يؤثر حسب درجته وشدته بشكل فوري وسريع على التوازن الداخلي ويتضح تأثير ذلك على أجهزة الجسم كالمعدة والرئتين والقلب.
كذلك الذبحة الصدرية الكاذبة والحمل الكاذب وارتفاع ضغط الدم العصبي، فهي بعض الحصاد المر لتأثير الضغوط النفسية، وتكون في كثير من الأحيان من الحدة والقوة، بحيث تقاوم كل أشكال العلاج الطبي المعروفة التي تعجز عن مقاومتها أو تخفيف حدتها، فالمرض «السيكوسوماتي» باختصار مرض جسمي أو عضوي ذو جذور وأسباب نفسية يظهر على شكل رد فعل استجابي لأي عضو مصاب كالاستجابات المعدية أو المعوية أو الاستجابات القلبية أو التنفسية أو الجلدية أو العضلية أو الجنسية.
وهناك اضطرابات أخرى تشمل الدورة الدموية وجهاز الغدد الصماء وأعضاء الجسم المختلفة، إلا أن هُناك من يقول بأن الأمراض الناتجة عن أسباب نفسية أو التي تظهر وتتفاقم بفعل العوامل النفسية تشمل الربو والصداع النصفي والسمنة المفرطة وارتفاع ضغط الدم والتهابات الجلد والتهابات القولون التقرحي وقرحة المعدة «.
ويضيف الدكتور السادات: «إن تأثير الضغط النفسي يتوقف على الأسلوب أو الحل الذي يستجيب به الفرد لشدائد الحياة ومواقفها، فإذا تمّ إخراج الانفعالات التي يتطلبها الموقف في صورة طبيعية أو لفظية فإن التوترات الداخلية تعمل من الداخل وتعطل الوظائف السوية لبعض الأعضاء، أي أن انفعالاتنا إذا لم تتمكن من التعبير الظاهر عن نفسها بصورة ملائمة فإن أجسامنا تتولّى التعبير عنها بما تستهلكه من لحم ودم، وعلى سبيل المثال، فإن أمراض القلب الناتجة عن أسباب نفسية فتسببها مواقف انفعالية تثيرها ظروف اجتماعية عديدة كالضياع والاغتراب والكبت والقلق والمشكلات العائلية والانفعالية والاضطرابات ومظاهر القتل والقمع وسواها مما تحمله لنا المشاهد اليومية المأساوية المعقدة»..
التعاطف السلبي
يُشير الدكتور السادات إلى أنه بالرغم من صعوبة تحديد أسباب الأعراض «السيكوسوماتية»، إلا أنه من المعروف أن هذه الاضطرابات تظهر نتيجة ضغط وانفعال شديدين أو مستمرين واللذين غالباً ما يتولدان عند استجابة الفرد لبعض مواقف الحياة وأحداثها، فإذا لم يقم الفرد بالتفريغ اللفظي أو الجسدي للتوترات التي نتجت عن تعرّضه لموقف ما، فإن كبتها سيؤدي إلى تعطيل أو إحداث خلل في بعض الوظائف للأعضاء الداخلية، فنجد مثلاً زيادة تنشيط العصب الحائر، مع فرط إفراز الحامض المعدي، مما يؤدي للإصابة بالتهابات المعدة والارتجاع المريئي، وكذلك القرحة.
وقد يظهر أيضاً في شكل حالات من الإمساك أو الإسهال مع تقلصات في البطن مما ينبئ وجود التهاب القولون العصبي، كما تتجلى أيضاً في انعكاسات أخرى على الدورة الدموية والقلب وارتفاع ضغط الدم أو صداع مستمر وثقل في الرأس أو على شكل خلل في ضربات القلب وتسارع معدل ضربات القلب نتيجة رؤية المشاهد المؤلمة المتكررة لأوضاع مأساوية نراها جميعاً على الشاشة، فضلاً عن إصابة كثير من الناس بما يعرف بالوهم المرضي الذي تزايدت حالاته مؤخراً نتيجة الضغوط النفسية والاجتماعية المتواصلة لما يجري من أحداث دامية في المنطقة العربية من حولنا».
ويلفت الدكتور السادات إلى جانب آخر من تداعيات عدم التفريغ اللفظي أو الجسدي، ويقول: «هُناك أمر آخر لا يقل أهمية يتمثل في وجود شعور ضاغط جداً على نفسية الفرد عندما تتكرر رؤيته لمشاهد دموية أو مأساوية مؤسفة على الصعيد الأخلاقي والإنساني، فتتولد لديه الرغبة الجارفة لتقديم أي صورة من صور الدعم أو المعاونة «تعاطف سلبي»، لكنه يعجز، ومع الإحساس بالعجز تتضاعف الضغوط النفسية، ومن ثمّ يصبح فريسة للشعور بالإحباط».


تفريغ الشحنات العاطفية
ينصح الدكتور السادات المشاهد العربي من الإقلال - ما أمكن له ذلك - من متابعة الأحداث المؤسفة التي تجري في الشارع العربي، وعدم الاستسلام لحالة الفضول التي يضطر معها من الانتقال طيلة الوقت من قناة إلى أخرى لمتابعة الأحداث، وعليه أن يحاول الخروج من هذه الحالة بمشاهدة برامج مبهجة، لتحقيق تعادل وتوازن نفسي ومزاجي حتى لا يصبح فريسة لمشاهد العنف والتوتر.
ويفضل أن يُشاهد البرامج التلفزيونية مع آخرين، ومن ثمّ يمكن له أن يتواصل ويتحاور مع الغير فيما يشاهد لتفريغ الشحنات العاطفية السلبية لديه. كما يراعى الآباء والأمهات حجب مثل هذه المشاهد عن أعين الصغار ما أمكن لهم ذلك، ولا سيما في الساعات التي تسبق النوم، حتى لا تخلف آثارها السلبية على مشاعر الأطفال المرهفة.

اقرأ أيضا