الاتحاد

دنيا

دموع الشباب عصيّة

هل ينتقص البكاء من رجولته؟

هل ينتقص البكاء من رجولته؟

لماذا'' لا'' يبكي الشاب؟ أو بشكل أدق: لماذا يجب أن لا يبك الشاب؟!
هذا السؤال شرقي أكثر من أن يكون غربياً، فالشرق لا يعترف للشاب بحق البكاء أو حرية البكاء· ويفترض انه إذا اقترف هذا ''الإثم'' فإنه ينتقص من رجولته التي تعني في غالب الأحيان الصلابة والتجلد وبالتالي المسؤولية· مع ذلك، يمكن أن يبكي الشاب وتفيض عيناه بالدمع إلا انه يتوارى خلف قناع الصلابة·
في التحقيق إقرار صريح من بعض الشباب بذلك، وفيه إفصاح عن التجربة··· والسر في كتمان الدمع!!

لماذا يبكي الشاب؟
سؤال عن المواقف والأحوال التي تستدعي البكاء، وإذ نطرح السؤال فإننا نعتقد أن البكاء فعل إنساني، وجميل، خلافاً لما يشيع عن كونه ''نقص رجولة'' أو فعل ''عيب''، وما دامت الأمور قد تستقيم على هذا النحو من الفهم، فإن السؤال يحمل في باطنه دلالة الإيجاب لا النفي، ومعنى الاعتراف لا الاقتراف، وبين الاعتراف ''والاقتراف'' مسافة كبيرة قد تعادل مسافة الاختلاف بين جنس الشاب وجنس الفتاة·· وربما تزيد·
وفي مجتمعات الشرق يسود الاعتقاد بأن الشاب لا يبكي أبدا، لكن الواقع يقول إن الشاب يبكي، لكنه يلجأ إلى السرية ويتوارى بعيدا عن العيون، للتخفف مما يعذبه، والإفصاح عن مشاعره وعواطفه بحرية؟
دموع البوصيري
يقول سالم يوسف الجابري: غالبت دموع كل الشعراء بمن فيهم الخنساء، وغلبتني دموع الإمام البوصيري في بردته، فهي حارة وصادقة وجارفة·
ويؤكد سالم: أن أشد الأحزان وقعا هو ما تبكي فيه بصمت وهو ما نراه في هذا المشهد الذي ترسمه قصيدة أبي فراس الحمداني التي تغنت بها أم كلثوم ''أراك عصي الدمع'':
إذا الليل أضواني بسطت يد الهوى
و أذللت دمعا من خلائقه الكبر
أما عبد الله يوسف العامري فيقول: ''لو رجعت إلى طفولتي لتذكرت حالات البكاء التي أصابتني، فهي ما تزال محفورة في جدران ذاكرتي· الشاب بلا دموع هو إنسان بعيد عن إنسانيته، أقرب إلى الوحش ذي القلب الصلد، ولكن إن سلمنا بأن حالة البكاء هي إحساس إنساني وفضيلة للبشر فان حبس الدموع والامتناع عن البكاء امام الآخرين بالنسبة للشاب ليس عيبا وابتعادا عن الإنسانية، بل انه مظهر من مظاهر القوة والصبر، والشاب يعتبر أن دمعه غال، وانه يجب ألا يذرف عند أي مشكلة تصيبه، وخير مثال ما عبر عنه الشاعر أبو فراس الحمداني عندما خاطب حمامة تنوح وهي طليقة، بينما هو أسير خلف قضبان سجنه، بعيدا عن وطنه وأهله:
أقول وقد ناحت بقربي حمامة
أيا جارتا لو تشعرين بحالي
معاذ الهوى ما ذقت طارقة النوى
ولا خطرت منك الهموم ببالي
أيضحك مأسور وتبكي طليقة
ويسكت محزون ويندب سالي
فقسوة الحياة تعلمنا كيف نحبس دموعنا
،ونتماسك امام مصائب الدهر·
بكاء القلب
وفي نفس السياق يقول عبد العزيز عبد الله المنهالي: الدموع الحقيقية ليست الدموع التي تذرفها العين، بل تلك التي تسيل من القلب، فهذه أشد وطأة على صاحبها من دموع العين الظاهرة والتي تطفئ حين تسيل نيران الحزن المشتعلة، فيشعر الباكي بعدها بالراحة وتستقر مشاعره وتهدأ عواطفه· ولهذا لا أدين الشاب عندما تدمع عيناه ويبكي أمام الآخرين، ولا أعتبر أن التجلد وحبس الدمع دليل على قوة التحمل عند الشاب، ولكني تعلمت أن أخفي دموعي وأبدي ابتسامتي لأن الآخرين إما أصدقاء تحزنهم دمعتك، وهذا ما لا نريده، أو أعداء يشمتون بسيل دمعك ويفرحون بك باكيا·
دموع الفرح
أما خالد يوسف الكعبي فيؤكد أن الدموع لا تكون بالضرورة لغة الحزن، بل هي في كثير من الأحيان لغة الفرح، وفي لحظات السعادة يشعر الإنسان انه بحاجة إلى البكاء، وما أكثر مواقف الفرح التي أبكتني، ومثلما كنت أخفي دموع حزني، لم أسمح لدموع الفرح أن تبين، وأميل إلى التماسك، وأصر على أن أجعل الدموع سواء دموع الفرح أو الحزن، تسيل في داخلي ولا تظهر في عيني، فالبكاء إذن عند الإنسان هو مظهر من مظاهر إنسانيته فان كان البعض يبكي لوداع من أحب أو لغياب عزيز عليه، فالبعض الآخر ينفجر بالبكاء إذا طرح سؤال يثير في النفس الأسى أو يذكره بواقع مأساوي مرير·
على الجانب الآخر يعتبر علي قاسم الأحبابي ''البكاء حالة شعورية تقتصر على الإنسان· وهو نعمة كرمه الله بها، والشاب أقدر على الصبر وتحمل الأسى من الفتاة، فمنظر فتاة تبكي يثير مشاعر الرحمة والعطف، لذا يجب أن يكون الشاب أكبر من الدموع وأقوى من البكاء، والذي يصاب بكارثة عليه أن يقول ''الحمد لله على كل شيء، والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه''· ولا بأس أن يجعل دموعه تنهار داخل طوايا نفسه، ولا تظهر بأي حال من الأحوال في عينيه''·

اقرأ أيضا