الاتحاد

دنيا

البروتين الفضائي··!

اذا كان مرض (جنون البقر) قد أحدث أزمة في اللحوم على المستوى العالمي، فإن (جنون البقر) الفضائي العربي قد أحدث (بالعكس) رواجاً لا مثيل له على المستوى العربي لكل أنواع اللحوم، وفي الوقت الذي شحت فيه - وإلى حد كبير - كمية اللحوم المعروضة للبيع في أسواق اللحم على مستوى معظم دول العالم·· نرى أن المعروض من اللحوم على المستوى الفضائي العربي قد زاد وفاض وغطى حاجة البلاد والعباد··!
(جنون البقر) على الفضائيات العربية بدأ متواضعاً وخجولاً على بعض القنوات التجارية، وراح - على استحياء - يعرض بعض الأجزاء من (اللحم الآدمي) بين حين وآخر في البرامج المتخصصة في عرض اللحوم· وفوجئت هذه القنوات بحجم الإقبال الذي رحب بما يرى طالباً بالمزيد والمزيد، وفوجئت القنوات الأخرى التي كانت تطلق على نفسها اسم (الملتزمة) بمشاهديها ينسحبون شيئاً فشيئاً - وعلى استحياء - إلى قنوات (اللحم)، مفضلين (جنون البقر) على (عقلانيته)، ثم كانت المفاجأة الأشد حين راحت شركات الإعلان - وبلا استحياء - تنسحب متجهة بإعلاناتها إلى حيث شاشات اللحوم·· وحيث الملايين من محبي لحوم هذه الشاشات التي يطلق عليها تجاوزا (مذيعات) أحياناً·· أو (فنانات) في أحيان أخرى، والتي تباع معبأة في عبوات تسمى (فيديو كليب)، والجميع يتنافسون على عرض ما يكفي ويغطي حاجة المشاهدين وغير المشاهدين وما يغنيهم عن كل لحوم البقر المجنون·· بل والعاقل أيضاً··!
هذه النكسة الإعلانية التي أصابت قنواتنا الرائدة في مجال عرض اللحوم، وكان أن نقضت - دون إنذار أو اعتذار - كل التزاماتها (ما خفي منها وما ظهر)، وراحت تتنافس تنافس الملهوف على استضافة كل ألوان (اللحوم الفنية) و(اللحوم الراقصة)، وما كان يطلق عليه (الفيديو كليب)، وهكذا راجت واتسعت أسواق اللحوم، مما خفف على المستهلكين والمشاهدين توابع أزمة (جنون البقر) وعوضهم بجنون من نوع آخر يطلق عليه (جنون البشر)، وهكذا·· (وبين يوم وليلة) أصبح التفريق بين قناة كان يقال عنها (فالتة)·· وأخرى كانت تدعى أنها (ملتزمة) صعباً·· إن لم يكن مستحيلاً· وهكذا أيضاً راجت واتسعت سوق اللحوم وأصبحت أسواقاً، بعد أن اكتفى المستهلكون باللحم البشري الأبيض المنتشر ليلاً ونهاراً على شاشات الفضائيات، والتي فاق جنونها كل ألوان (جنون البقر) الذي توارى خجلاً من (جنون البشر) الذي غطى على جنون كل المخلوقات!
وبعد أن كان الشائع أن أزياء المناسبات والسهرات هي الأكثر رواجاً بين المذيعات ومقدمات البرامج انقلبت الحال في ظل التطور التليفزيوني الفضائي، فقد تحولت إلى ألوان أخرى من الملابس أصبحت هي المعتمدة فضائياً وفنياً في مجالات الطرب والكليبات، وفي إطار هذا التوجه الجديد أصبحت ''الكومبينات'' وقمصان النوم هي سيدة الموقف وخاصة بعد أن اتضحت حاجة مشاهديها إلى الاستمتاع بكم (البروتين الأنثوي) الذي يطل عليهم من شاشاتها، والذي يحسم تماماً أي منافسة بين أي فضائية منفتحة وأخرى ما زالت غير مقتنعة بالبروتين الأنثوي وبفوائده··! وبعد أن كانت عناصر الأغنية المعروفة والناجحة هي ''الكلام·· واللحن·· وصوت المطرب أو المطربة'' تطور هنا الوضع تماشياً مع الاتجاه البروتيني المعاصر حسب الترتيب والأهمية وشروط النجاح التي أصبحت هي: ''الكلام·· واللحم·· ثم صوت المطربة''· وشيئاً فشيئاً استقرت هذه العناصر - بناء على رغبة الجماهير المتعطشة للبروتين إياه - حسب الترتيب التالي: ''الكلام·· اللحم· اللحم·· اللحم·· صوت المطرب أو المطربة''· وبينما كان البروتين الأنثوي مقصوراً على المطربات اللواتي يسيطرن على أسواقه، أصبح بعض المطربين من الرجال موردين وعارضين لبروتينهم الرجالي المتميز، وأصبح الغناء بالملابس الداخلية شيئاً عادياً·· كما أن إبراز (السوبر رجل) بشعره الكث وتركيز كاميرا الفيديو كليب عليه لتأكيد رجولته جاء رداً على انفراد المطربات بتسويق بروتينهن واحتكار هذا البروتين لأسواق الغناء والطرب - اذا كان هناك حق غناء أو طرب كما يشيعون··!
عرض اللحوم ما زال مستمراً، وسوق البروتين في الفضائيات العربية ما زال نشطاً وفاعلاً، لا تهمه أزمات (جنون البقر) ولا تؤثر على حركته (الحمى القلاعية) أو (الخلاعية) كما يحلو للبعض أن يسميها·· وكله عند العرب جنون·· ولا عزاء للبقر··!

أفلام الكرتون·· لا خجل بعد اليوم!

في إجازة العيد الأخيرة سافرت لزيارة الأهل، حيث وجدت فرصة جميلة للابتعاد عن الأجواء المنغصة للأخبار وكآبة المسلسلات الخليجية وقرف الأفلام العربية· والفضل يعود لبنات وأبناء إخوتي وأخواتي الصغار الذين كانوا يحتكرون الشاشة الفضية فلا يدعون أمامنا من خيار سوى مشاركتهم في مشاهدة أفلام الكرتون·
في إحدى الجلسات الكرتونية برفقة استبداد أحباب الله فوجئت بمحطة أطفال وهي تعلن عن قرب موعد بث مسلسل بعنوان ''بظ يطير''!! فسألت ابنة أخي فطوم: ''شو يعني بظ'' فقالت ساخرة: ''عمو هاذلين بايخين، هو أصلاً اسمه ''buzzlight'' اسمه بالعربي مو حلو''· فتعجبت لهذا التصرف العبقري في الترجمة حيث قلب القائمون على المسلسل حرف الزد الإنجليزي إلى منطوق حرف ''الظاد أم عصاية'' باللهجة المصرية، أما التفكير في مصدر كلمة يطير فإنها مسالة طيّرت عقلي بالفعل!· المهم تم بث حلقة ''بظ يطير'' ففوجئت بحوارات فصحى عجيبة غريبة من بينها صرخة للبطل ''بظ'' قال بعدها: ''تحويل افتراضي''!!! فقلت في نفسي مساكين أطفال هذه الأيام مع كل ما نستورده على علاته من العالم الغربي، فسألت فطوم بنت التاسعة من باب الفضول: ''فطومة يعني شو تحويل افتراضي''؟ فأخرستني الدهشة عندما أجابتني بشكل سريع وهي منهمكة في متابعة المسلسل: ''يعني الانتقال من عالمنا الحقيقي إلى عالم الكومبيوتر''! فقلت في نفسي: ''ظلمتك والله يا فطوم، كما ظلموا جيلاً بأكمله، والله لو وجهت السؤال إلى شباب جامعات هذه الأيام لأنكروا سماعهم عن شيء يدعى ''الوقع الافتراضي أو العالم الافتراضي''·
منذ تلك اللحظة تنبهت لملجأ الكرتون، وعندما عدت من إجازتي حرصت على استعادة الزمن الجميل بمشاهدة ''توم آند جيري'' و''بينك بانثر'' ربما لتعويض ما فاتني أيام طفولتي عندما كانوا يجبرونني على الذهاب إلى البقالة لشراء حاجة منزلية بينما ينفطر قلبي ألماً على مفارقة متعتي الهائلة في متابعة أفلام الكرتون التي كنت أعود بفارغ الصبر من المدرسة لمشاهدتها حين تحين فقرة الأحبة الأطفال في زمن بث ثماني ساعات على المحطة الأرضية فقط لا غير·
مؤخراً اتصل بي صديقي ''أبو محمد'' قائلاً: ''شو عندك، مشغول والله فاضي''؟ فقلت له: ''حيّاك مرّ اشرب قهوة'' وما هي إلا دقائق حتى وصل أبو محمد ففتحت له الباب دون أن أتذكر تغيير محطة الكرتون بالتلفزيون، وعندما جلس صديقي تنبه للشاشة قائلاً: ''شو قاعد اتشوف''؟ فقلت له: قرأت مؤخراً دراسة تقول: ''إن الأطفال يشاهدون الكرتون من سن السنتين حتى سن الخمسين''، فضحك أبو محمد وقال: ''وأزيدك من الشعر بيت، وهي أحلى من أفلام صفيح المقاولات العربية''!!·

الشفرة الغذائية

عندما تلقيت الدعوة على الإفطار في رمضان من ذلك المنتدى على الإنترنت، قبلت على الفور ومن دون تفكير·· لا يجب أن ينتظر المرء ليفكر عندما يتعلق الأمر بالطعام المجاني· وهناك مثل لا أذكر نصه يقول: ''لا أحد يموت من الأكل·· من يمت يمت جوعًا!''·
صحيح أنني سأسافر من مدينتي إلى القاهرة، ويكون علي أن أعود بعد الإفطار بمعدة ممتلئة وجسد متثاقل، وحجاب حاجز مرتفع، ومخ تدنى الأكسجين الواصل له، لكني قلت إن الأكل يأتي أولاً وبعد هذا نفكر·
هكذا أرسلت موافقتي·
بعد يومين كان هناك حادث سياسي جلل تكلمت عنه الصحف، فدخلت ذلك المنتدى لأعرف رأي الشباب وما يقولون·· هنا وجدت هذه السطور المرعبة:
ـ''الدمار المدمر: حساء ودجاج بانيه·· رجل المستحيل: مكرونة ولحم مسلوق·· فتاة الغد: مكرونة وحساء ودجاج بانيه··'' وهكذا على امتداد ثلاث صفحات كاملة·· وقد أصابني الرعب لأنني افترضت أن هذه شفرة مهمة، ويبدو أن شباب هذا المنتدى قرروا أن يقوموا بعمليات على أعلى درجة من الخطورة·
إن الشفرات المتعلقة بالأكل شهيرة جدًا في العالم العربي·· أذكر أن شفرة التحذير من هجوم من ناحية إسرائيل في حرب 1967 كانت (عنب·· عنب·· عنب)· وهي الإشارة التي أرسلها الشهيد (عبد المنعم رياض) فجر يوم 5 يونيو فلم يتلقها أحد أو تلقوها وحسبوا أنه رجل يشتهي العنب، أو أنه يتنبأ بأغنية سعد الصغير التي سيغنيها بعد هذا بأربعين عامًا (العنب العنب)·
أذكر كذلك الشفرة التي سمعناها من إذاعة فتح وتقول: ''الويسكي في الطريق·· واصلوا الرقص·· الله معكم!''··· طبعًا معناها هو (الذخيرة قادمة·· استمروا في المقاومة·· الله معكم)·
وهناك شفرة شهيرة جدًا هي (السنجة في الرنجة) وتعني القتل الفوري، وقد استعملت في أحد أفلام فؤاد المهندس، واشتهرت مع شفرات أخرى غير غذائية مثل (الفلة في الفانلة) و(العملية في النملية)·· و(القزازة في البزازة)·
المهم أن الذعر أصابني ورحت أتخيل ما قد تعنيه (مكرونة ودجاج بانيه) هذه، وهل علي أن أنصحهم بالتروي أم لا؟ ثم فوجئت باسمي وأمامه العبارة الرهيبة (مكرونة ودجاج مشوي)·· يا نهار اسود!!
هنا فهمت·· إنهم يحصرون ما ينوي أن يأكله كل واحد من ضيوف الإفطار· وهو نشاط محمود، لكن لا أفهم أن يأخذ كل هذه المساحة على الإنترنت·· دعك من أنني ريفي أعتبر الأكل من الأسرار الحميمة، لهذا لا أفهم أن يذاع على الملأ ليقرأه كل من يقرأ العربية على ظهر الكوكب·· نفس المنطق الذي يجعلني عاجزًا عن فهم إعلانات الزواج التي تخبر الجميع أن فلانة ستنام في فراش فلان هذه الليلة!
تمنيت لو استطعت رفع اسمي من هذه القائمة الرهيبة·· لكن الأوان قد فات على كل حال··
وفي اليوم الموعود ذهبت إلى الإفطار· جلست إلى المائدة خافض الرأس كاسف البال، هنا وجدت أنهم وضعوا أمام كل منا طبقًا فيه أرز وربع دجاجة مع برام خضار لكل ثلاثة·· لم أفهم السبب لكنهم قالوا لي إنهم وحّدوا وجبة الطعام منعًا لحدوث ارتباك·
إذن ما لزوم حملة التشهير هذه على الإنترنت؟
تناولنا الإفطار والحمد لله أنني لم أشبع بما يكفي·· هؤلاء القوم لا يملكون فكرة عن شهيتي، فهذا الذي أكلته هو أقرب إلى التمر الذي أغير ريقي به بعد الصيام·· هكذا وجدت في نفسي القوة والعافية اللتين تسمحان لي بالسفر عائدًا إلى مدينتي· سألوني عما يدعوني إلى الإسراع فقلت في جدية: :''أريد أن أتناول الإفطار··· أنا جائع!''·
مضى عامان، وما زالت تلك الصفحات موجودة على الإنترنت، تعلن بوضوح أننا مجموعة من الشرهين الذين اجتمعوا ذات يوم في رمضان لالتهام الدجاج والأرز والمكرونة واللحم·

مواقف طريفة
نسرين درزي

تصرفات غير مبررة بعضها طريف وبعضها ساذج، نكررها بشكل ميكانيكي مع أننا على دراية بأنها غير لازمة، لا بل منافية للمنطق·
سلوكيات صغيرة نلجأ إليها باستمرار ولا نشعر بسذاجتها لأنها تأتي متفرقة· أما اليوم فقد اخترنا أن نجمعها لكم في سلة واحدة لنذكركم بها، ونذكر أنفسنا بما نفعله وينطبق عليه الوصف، لزوم ما لا يلزم· وليست غايتنا هنا أن نلغي هذه التصرفات، لأنها تلقائية ولا يمكن أن نتحكم بها، وإنما القصد أن نسليكم ونضحككم في آن·
لماذا نرفع أكتافنا إلى الأعلى عندما نضطر للمشي تحت المطر من دون مظلة؟ وهل تحمينا أكتافنا من المطر؟
لماذا نخفض صوت المسجل أو الراديو في السيارة عندما ندرك أننا دخلنا في الطريق الخطأ؟ وهل الهدوء سيهدينا إلى الطريق الصحيح؟
لماذا نضغط بقوة على أزرار ''الريموت كونترول''، عندما تكون بطارياته ضعيفة؟ وهل بالضغط نشحن البطاريات؟
لماذا عندما نقرأ على الجدار: احترس من الدهان، لا نصدق حتى نلمس الجدار بإصبعنا؟ وهل يحتاج الدهّان لـ(أن يحلف يميناً) أن الصبغ لم ينشف بعد؟
لماذا عندما يتأخر المصعد نضغط عدة مرات على الزر؟ هل الضغط المتواصل يسرع وصوله؟
لماذا عندما نكون في انتظار المصعد ويأتي شخص آخر نجده يضغط أيضاً لطلبه؟ فهل يظن مثلاً أننا ننتظر الفرج؟
لماذا نفتح أفواهنا عندما نقوم بإطعام الطفل الصغير؟ ومن الذي يأكل هو أم نحن؟
لماذا عندما نجري اتصالاً عن طريق الهاتف يكون الرقم الخطأ دائماً غير مشغول؟ فيا للمصادفة ويا للحظ!
لماذا نشعر دوماً بأننا في حاجة إلى 10 دقائق نوم إضافية كلما استيقظنا صباحاً؟ ألا ينفع أن تكون خمس دقائق؟
لماذا الشخص الذي يشخر ليلاً يكون أول من تغمض عيناه؟ وهل من الضروري أن يأتي إزعاجه مبكراً؟
لماذا نكتب أسماءنا أولاً بواسطة القلم الذي أهدانا إياه أحدهم؟ ألا تضم اللغة أي كلمات أخرى؟
لماذا نقول دائماً هدية مجانية·· وهل هنالك هدية غير مجانية؟
لماذا عندما نرى غصناً منخفضاً أثناء قيادة السيارة نقوم تلقائياً بخفض رؤوسنا؟ فهل الغصن قادر على اختراق سقف السيارة؟
لماذا بعد شرب آخر رشفة من فنجان الشاي ننظر بداخله؟ ألا نصدق أنه فرغ؟
لماذا نغمض أعيننا عند سماع صوت مرتفع أو أثناء تكسير الصحون مثلاً؟ فهل سيخف الصوت إذا أغمضنا؟
لماذا عندما نسمع رنة موبايل حتى وإن كنا نسمعها للمرة الأولى، أول ما نفعله النظر إلى أجهزتنا؟

اقرأ أيضا