الاتحاد

تقارير

فجوة اجتماعية بين ضحايا الحروب الأميركية

منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001، تجاوز عدد قتلى الحربين العراقية والأفغانية الـ5 آلاف من الأميركيين، يكاد يصل عدد مواطني ولاية كاليفورنيا بينهم حوالي 600 جندي. وتستحق هذه التضحيات، وكذلك التضحيات التي لا يزال يقدمها جنودنا من الجنسين رجالاً ونساءً في ساحات القتال أن نفخر بها، ونحن نحيي مناسبة اليوم التذكاري. ونحن نفعل ذلك، فإنه لا يجوز لنا أن نغض الطرف عن جانب واقعي جداً من جوانب الحرب، على رغم كونه لا يزال مستتراً بعض الشيء: الفجوة الاقتصادية الاجتماعية بين الذين يقدمون هذه التضحيات الكبيرة دفاعاً عن أمتنا وأمنها.
فخلال السنوات الست الماضية، عكفنا على دراسة وتحليل ظاهرة الفجوة أو اللامساواة هذه بين قتلى الحرب وضحاياها، اعتماداً على البيانات الميدانية التي جمعناها من بيوت وعائلات وأماكن سكن ما يزيد على 400 ألف جندي، من قتلى الحرب العالمية الثانية، ثم الحرب الكورية، مروراً بفيتنام ثم حربي العراق وأفغانستان. ولدى مقارنتنا لهذه البيانات مع قاعدة بيانات الإحصاء السكاني، فقد توصلنا إلى استنتاجات غير مشكوك في صحتها. فمنذ الحرب الكورية، ظلت المجتمعات والعائلات المستضعفة اقتصادياً الأكثر معاناة ونصيباً من عدد قتلى حروبنا الخارجية. وفي المقابل ظلت المجتمعات الأوفر حظاً اقتصادياً بمنجاة من دمار الحروب وحصادها للأرواح. بل أظهرت النتائج التي توصلنا إليها أن هذه الفجوة بين قتلى الفقراء والأغنياء الأميركيين قد اتسعت لتصل أقصى مداها في ظل الحرب العراقية المستمرة حتى الآن. وعلى رغم أن الجيش يستخدم عبارة "الإصابة" لتشمل كلاً من القتلى والجرحى، غير أننا نقصر استخدامنا للمفهوم، انطلاقاً من العلوم السياسية، على القتلى وحدهم.
تشير الإحصاءات القومية إلى أن المجتمعات الأميركية المصنفة في أدنى درجة من درجات السلم الاجتماعي الاقتصادي -أي الفئات الثلاث الأقل حظوة اقتصادية في مجتمعنا- كانت نسبتها من عدد قتلى الحروب الكورية والفيتنامية والعراقية: 35 و36 و38 في المئة على التوالي. وبالمقارنة فقد انخفضت نسبة الفئات الثلاث الأوفر حظاً اقتصادياً واجتماعياً في الحروب نفسها، ولم يزد نصيبها من عدد قتلاها عن 25 و26 و23 في المئة. كما تشير نظم إحصائية أكثر تقدماً -لكونها تضع في الاعتبار عدة عوامل أخرى- إلى وجود أدلة قوية على فجوة كبيرة في عدد قتلى المجتمعات على أساس مستويات الدخل والمستوى التعليمي. فعلى سبيل المثال، تبلغ نسبة الحاصلين على درجة علمية في مدينة لوس أنجلوس، حوالي 27 في المئة. وبالمقارنة لا تزيد نسبة الحاصلين على درجة جامعية في البلدات المحيطة بلوس أنجلوس، وهي البلدات التي خسرت أحد شبابها في حرب العراق، عن 12 في المئة. أما في مدينة نيويورك، فيبلغ متوسط الدخل الأسري ما يقارب 24 ألفاً، بينما لا تزيد نسبة دخل العائلات في البلدات الفقيرة المجاورة لها، وهي البلدات التي فقدت أحد شبابها وشابتها في العراق في الحد الأدنى، عن 34 ألفاً، أي تقل عن نظيرتها في نيويورك بنسبة 19 في المئة.
وليست جديدة هذه المزاعم التي تتحدث عن وجود فجوة اجتماعية اقتصادية كهذه بين ضحايا الحروب الأميركيين. فخلال الحرب الأهلية كانت هناك صيحات تحذيرية مما وصف بأنه حرب بين الأغنياء والفقراء. غير أننا وجدنا صعوبة كبيرة في توثيق حقيقة هذا الزعم.
والسبب أن الدراسات التي أجريت سابقاً في هذا المجال، اتسمت بالمحدودية وبتناقض النتائج التي توصلت إليها. وقد دفع هذا التشويش بعض المحللين السياسيين من أمثال ويليام إف. باكلي إلى وصف حرب فيتنام بأنها "كانت تضحية ميدانية حربية لجميع الأميركيين". غير أن الدراسة التي أجريناها تظهر انعدام المساواة بين قتلى حروب كوريا وفيتنام والعراق.
وربما كانت هذه الفجوة الاجتماعية الاقتصادية بين قتلى الحروب لا مناص منها، لكونها جزءاً من واقع لا مساواة أوسع نطاقاً، إضافة إلى كون الجيش مؤسسة معينة على الحراك الاجتماعي وارتقاء الدرجات العليا من السلم الاجتماعي. غير أن في هذه الفجوة نفسها ما يتناقض ورسوخ مفهوم التضحية الحربية المشتركة، الذي يعود تاريخه إلى تاريخ نشأة الجمهورية الأميركية نفسها. وفي هذا الصدد هناك القول المأثور للأب المؤسس جورج واشنطن: "يدين كل مواطن يتمتع بحقوق وامتيازات المواطنة بجزء من ملكيته لأميركا فحسب، بل إن عليه أداء الخدمة الشخصية دفاعاً عنها".
فما الذي يحدث فيما لو علم الأميركيون بوجود فجوة اجتماعية اقتصادية بين قتلى الحروب التي تخوضها بلادهم؟ هل يعيدون النظر والتفكير في ثنائية الحرب والسلام؟ للتوصل إلى إجابة محددة عن السؤال، أجرينا دراسة تجريبية لاستطلاع رأي الجمهور اعتماداً على عينات تم اختيارها على مستوى قومي.
وقد أشارت نتائج الدراسة إلى ترجيح معارضة الأميركيين للجهود الحربية الجارية الآن في العراق وأفغانستان، في حال وعيهم بوجود فجوة اجتماعية اقتصادية بين قتلاها. وهذه هي النتيجة الأهم التي توصلت إليها الدراسة التجريبية: فليس مرجحاً الاعتراض على الجهود الحربية الحالية فحسب، بل كذلك على أي تفكير مستقبلي ذي نزعة حربية. ولكن المشكلة أن فجوة القتلى التي نتحدث عنها ليست جزءاً من الحوار العام في واشنطن، لكونها تتعارض وإحدى أهم قيم الشراكة العامة الأميركية. ومن شأن إجراء حوار نزيه وصريح عن هذه الفجوة، أن يغير مجرى الحوار السياسي في واشنطن، بما في ذلك كون هذه الفجوة جزءاً من عدم مساواة اجتماعية اقتصادية أوسع نطاقاًَ بين المواطنين.

دوجلاس كراينر - أستاذ مساعد للعلوم السياسية بجامعة بوسطن
فرانسيس شن - زميل باحث بمشروع القانون بمؤسسة مكارثي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«إم سي تي إنترناشيونال»

اقرأ أيضا