الاتحاد

تقارير

«النووي» الإيراني وجدوى التفاوض مع القوى الكبرى

راي تقية
باحث بارز في مجلس العلاقات الخارجية الأميركي


نادراً ما تقترن عبارات مثل التفاؤل والتقدم باللقاءات الدبلوماسية التي تنخرط فيها إيران، لكن مع ذلك أدى الاهتمام الظاهر لإيران بالمفاوضات خلال المباحثات الأخيرة، التي جرت بينها وبين الدول الخمس زائد واحد في كازخستان إلى انتعاش الأمل مجدداً في العواصم الغربية من أن العقوبات الاقتصادية ربما تكون قد جعلت من إيران محاوراً محتملاً.
والحال أنه في الوقت الذي تنكب فيه القوى العالمية على إيجاد حل للمعضلة النووية الإيرانية، فإنه من الأجدر بهم توخي الحذر وإدراك كيف تستخدم إيران الدبلوماسية للمضي قدماً في مسعى البحث عن السلاح النووي.
ولفهم هذا المعطى، لا بد من الإشارة إلى أن مسيرة إيران صوب القنبلة ترتهن بقدرتها على إنتاج كميات كبيرة من اليورانيوم منخفض التخصيب، وفي الوقت نفسه إدخال جيل جديد من أجهزة الطرد المركزي المتطورة ذات السرعة العالية، وهما الأمران اللذان تعكف عليهما إيران حالياً في محطة «نتنز» للتخصيب.
ولتبرير ذلك، تصر إيران على أن معاهدة عدم الانتشار النووي تمنحها الحق في إنشاء بنية تحتية نووية على المستوى الصناعي، بما في ذلك الاحتفاظ بمخزونات مهمة من اليورانيوم المخصب بدرجة 5 في المئة ومعها مجموعة من أجهزة الطرد المركزي. والحقيقة أن المنشآت في «نتنز» والأخرى الأكثر تحصيناً في «فاردو»، تمهد الطريق أمام إيران للوصول إلى القنبلة النووية، ولو بلغت محطة «نتنز» طاقتها القصوى في إنتاج اليورانيوم المخصب، ستكون إيران في طريقها إلى حيازة ترسانة نووية، لا سيما وأن الطبيعة غير الصارمة لمنظومة التفتيش المنصوص عليها في معاهدة عدم الانتشار النووي لا تتيح فرصة رصد عمليات نقل كميات اليورانيوم من المنشأة الصناعية إلى أماكن أخرى.
والأكثر من ذلك أن اعتماد إيران على جيل جديد من أجهزة الطرد المركزي ذات السرعة العالية سيمكنها من تخصيب اليورانيوم بسرعة أكبر وبناء منشآت سرية للتخصيب، كما أن فعالية تلك الأجهزة يعني أن عدداً محدوداً منها يكفي لتكون المحطات أصغر وأقل عرضة للرصد، لذا لا يحتاج البرنامج النووي الإيراني لمنشأة «فاردو» الحصينة تحت الأرض، ولا إلى الاستمرار في تخصيب اليورانيوم بدرجة 20 في المئة.
والمشكلة التي واجهتهـا إيران منذ البداية أن أنشطتها النووية غير الشرعية اكتشفت قبل أن تتمكن من بناء قدرتها وتطويرها، بحيث تدرك طهران أنه في الوقت الذي تبني فيه برنامجها النووي بطريقة تدريجية تبقى معرضة في كل حين لخطر التدخل العسكري.
ولتخفيف هذا الاحتمال يصر الدبلوماسيون الإيرانيون على ضرورة اعتراف الدول الخمس زائد واحد بحقها في التخصيب، والهدف من هذا الإصرار هو إضفاء الشرعية على البرنامج النووي الإيراني ومنحه غطاء قانونياً، لا سيما وأنه يوجد اليوم خارج نطاق القانون الدولي ومحدداته بالنظر إلى القرارات المتعددة الصادرة عن الأمم المتحدة التي تقضي بتعليق إيران لبرنامج التخصيب والتوصل إلى تفاهم مع وكالة الطاقة الذرية حول أنشطتها النووية.
ولو أن القوى الغربية خضعت لمطالب إيران بالاعتراف بحقها في التخصيب، فإن ذلك من شأنه إبعاد الخطر العسكري عن طهران، إذ من السهل على الولايات المتحدة، أو إسرائيل قصف المنشآت النووية الإيرانية عندما تكون في حالة غير شرعية مقارنة بالوضع الذي يحظى فيه البرنامج النووي بالشرعية، لذا يشكل إصرار إيران على الاعتراف بحقها في التخصيب مناورة الغرض منها حماية برنامجها النووي بغلاف من الشرعية.
ولإغراء الغرب بتقديم تنازلات في هذا المجال تلوح إيران بدهاء بإمكانية معالجة إحدى الإشكاليات غير الجوهرية في برنامج إيران النووي، وهي إنتاج اليورانيوم بدرجة تخصيب 20 في المئة، فمع أن التخصيب لهذه الدرجة يبقى خطيراً لأنه يقرب المواد النووية إلى المستوى العسكري، وبالتالي يعتبر تصعيداً للأزمة يجدر بالقوى الغربية وقفه.
لكن تمديد المفاوضات وحصرها في موضوع ضيق وتقديم تنازلات لإيران بشأن حقها في التخصيب مقابل تعليق إنتاج اليورانيوم متوسط التخصيب يصب فقط في مصلحة إيران الرامية إلى تجنب عمل عسكري أميركي، أو إسرائيلي، وفيما تقيدت إيران على مدى العقد الماضي من الجهود الدبلوماسية بكل تصميم وعزم بمطلب إنشاء برنامج نووي متطور، انخرطت القوى العالمية من جهتها في سلسلة المراجعات لمواقفها السابقة لتحد من أهدافها وتتراجع عن خطوطها الحمراء.
وفي حين تعاملت إيران مع تعثر المفاوضات بكل أريحية تعاطى معها الغرب بضيق واضح ساعياً إلى إحيائها بكل السبل، حتى لو تطلب ذلك إعادة نظر في المواقف والتخفيف منها.
لذا ولتحقيق بعض النجاح في المفاوضات يتعين على مجموعة الدول الخمس زائد واحد إظهار القدر نفسه من التصميم، بحيث يبقى الأسلوب الأفضل لنزع سلاح إيران التركيز على مطلب واحد وأساسي هو التقيد بقرارات مجلس الأمن الدولي المرتبطة ببرنامجها النووي، وهو ما يعني مراقبة مكثفة لأنشطتها في منشأة «نتنز» وعدم حصر الاهتمام بمحطة «فاردو»، أما غير ذلك، فسيؤدي فقط إلى إثارة شهية النظام الإيراني الواعي بتغيرات موازين القوى وبتذبذب المواقف الغربية للمطالبة بالمزيد من التنازلات والإفلات من الضربة العسكرية دون وقف التخصيب.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا