الاتحاد

تقارير

«الجنائية الدولية»... لماذا التركيز على أفريقيا؟

ديفيد بوسكو
أستاذ السياسة الدولية في الجامعة الأميركية بواشنطن


قبل 15 عاماً تقريباً، اجتمع مندوبو أكثر من 100 بلد في قاعة مؤتمرات مكتظة في روما، حيث هتفوا وغنوا بل وذرفوا بعض الدموع أيضاً. وبعد أسابيع من المفاوضات العسيرة، تمكنوا من صياغة ميثاق محكمة دائمة أنيطت بها مهمة المتابعة القضائية لقضايا الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب عبر العالم.
كوفي عنان، أمين عام الأمم المتحدة وقتئذ، قدم المحكمة في صورة لا مثيل لها إذ قال: «حتى الآن، عندما كان بعض الرجال الأقوياء يرتكبون جرائم ضد الإنسانية، كانوا يعرفون أنه طالما بقوا أقوياء، فإنه لا توجد محكمة على الأرض تستطيع محاكمتهم».
ولكن تلك المحكمة اشتد عودها اليوم. مقرها الزجاجي في أطراف لاهاي يضم أكثر من 1000 محام ومحقق وموظف من عشرات البلدان. وقضاتها ينحدرون من كل مناطق العالم. وبالنسبة لمؤسسة ذات مهمة عالمية وموظفين دوليين، فإن تركيزها كان محدوداً جداً: ذلك أنه بعد أكثر من 10 سنوات، فإن كل التحقيقات الثمانية التي فتحتها المحكمة كانت في أفريقيا؛ وكل الأفراد الذين أدانتهم المحكمة – أكثر من أربعة وعشرين - هم أفارقة، ورغم تصريح عنان، فإن بعض الأشخاص الأقوياء جداً في مناطق أخرى من العالم تفادوا المتابعة القضائية.
المحكمة بدأت عملها في أوغندا والكونجو، حيث ركزت بالخصوص على جرائم الميليشيات. وفي عام 2005، جاء تحقيق بارز في ادعاءات بالإبادة الجماعية والتطهير العرقي في منطقة دارفور السودانية. وبعد ذلك، فتحت المحكمة تحقيقات في جمهورية أفريقيا الوسطى وكينيا. ثم في عام 2001، فتح المدعي العام تحقيقاً في أعمال العنف في ساحل العاج. وخلال الفترة نفسها تقريباً، قفزت المحكمة إلى المشكلة الليبية، وأدانت القذافي وابنه ومدير مخابرات النظام. ومؤخراً، أعلنت المحكمة نيتها التحقيق في فظاعات بمالي.
ولكن الزعماء الأفارقة سجلوا اهتمام المحكمة الجنائية الدولية المكثف بقارتهم، وقد تضخم رد الفعل الغاضب بعد أن أدانت المحكمة الرئيس السوداني عمر حسن البشير في عام 2009؛ حيث جادل العديد من المسؤولين الأفارقة بأن من شأن تدخل المحكمة أن ينسف فرص التوصل لحل متفاوض بشأنه لنزاعات ذلك البلد. وضغطت عدد من البلدان الأفريقية من أجل أن تعيد المحكمة النظر في هذا القرار، بل إن الاتحاد الأفريقي، الذي يمثل أكثر من 50 دولة، أخبر أعضاءه بأنه ليس هناك واجب قانوني يرغمهم على توقيف البشير. واشتكى رئيس مالاوي من أن «إصدار مذكرة توقيف في حق رئيس دولة ذات سيادة إنما يُضعف التضامن الأفريقي والأمن والسلام الأفريقيين».
وعليه، فلماذا تركز أول محكمة جنائية للعالم على أفريقيا؟ الواقع أن ثمة تفسيرات عدة لهذا التركيز، ذلك أن نزاعات كثيرة تبتلي عدة مناطق من أفريقيا؛ كما أن القارة تحتضن بعضاً من أضعف الدول في العالم. ولذلك، فإن عشرات البلدان الأفريقية تختار الانضمام إلى المحكمة، وهو ما يمنح المؤسسة سلطة قضائية واسعة على أعمال العنف التي تُرتكب داخل حدودها. وعلى سبيل المثال، فإن الكونجو وأوغندا وجمهورية أفريقيا الوسطى وساحل العاج، طلبت صراحة من المحكمة التحقيق في فظاعات ارتُكبت على أراضيها.
وبالمقابل، كانت بعض الدول العربية والآسيوية أكثر تردداً في الانضمام، وهو ما خلق مشهداً متفاوتاً من حيث السلطة القضائية للمحكمة، فهذه الأخيرة لا تستطيع الوصول إلى داخل سوريا أو سريلانكا، مثلاً، ولكنها تستطيع التحقيق في جمهورية أفريقيا الوسطى والكونجو ومالي (يُذكر هنا أن الولايات المتحدة لم تنضم إلى المحكمة الجنائية الدولية، وهو ما يحد من سلطة المحكمة على المسؤولين أو الجنود الأميركيين).
والواقع أن مجلس الأمن الدولي يملك السلطة لتوسيع نطاق تأثير المحكمة. فمن خلال «إحالة» قضية ما على الجنائية الدولية، يخلق المجلس سلطة قضائية حتى على الدول التي لم تنضم إلى المحكمة. غير أنه في الحالات التي لم يقم فيها بذلك -السودان وليبيا- فإنه منح المحكمة مجالاً أوسع للعمل داخل أفريقيا. وبالمقابل، فإن المجلس رفض القيام بالشيء نفسه في سوريا وسريلانكا وباكستان والعراق وكوريا الشمالية ودول أخرى غير أفريقية تعاني من عنف وقمع مزمنين. وتفسير ذلك يكمن في سياسة القوى الكبرى، فالصين، مثلاً، تمتلك حق الاعتراض على ما يقوم به مجلس الأمن الدولي، وترغب في أن تبقى المحكمة بعيداً عن كوريا الشمالية. ومن جانبها، فإن روسيا لن تسمح بتحقيق المحكمة الجنائية الدولية في سوريا. وعندما كان العنف في العراق في أعلى مستوياته، كانت الولايات المتحدة ستمنع أي خطوة تروم منح المحكمة سلطة قضائية هناك.
وبالتالي، فإن جزءاً كبيراً من المسؤولية عن كم القضايا غير المتوازن يقع خارج المؤسسة - ولكن ليس كلها. فالمحكمة اختارت ألا تفتح عدداً من التحقيقات غير الأفريقية التي كان يمكن أن تنظر فيها. ومثلما جادل بذلك مسؤول رواندي، فإنه «ليست ثمة قضية واحدة في المحكمة الجنائية الدولية لا تستحق أن تكون هناك. ولكن هناك العديد من القضايا التي تستحق أن تكون هناك، ولكنها غير موجودة في المحكمة».
وخلاصة القول إن المحكمة الجنائية الدولية، التي مازالت هشة، ليست لديها رغبة في استفزاز واشنطن أو بكين أو موسكو، لأن مواجهة صريحة مع إحدى القوى الكبرى قد تشكل تهديداً للمحكمة على نحو لا تشكله الصراعات مع السودان وكينيا. والواقع أن المحكمة ليست منحازة ضد أفريقيا بقدر ما أنها مترددة في التدخل في قضايا تحضر فيها بقوة الحسابات والاعتبارات الجيوسياسية، ولكن النتيجة نفسها: عدالة أكثر صرامة بالنسبة لجزء واحد من العالم!

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا