الاتحاد

تقارير

تأهيل نظام الأسد... لا يزال الخيار الخطأ

تطل الحرب في سوريا، والحرب بالوكالة بين إيران وبعض الدول الإقليمية في جزء منها مرة أخرى برأسها القبيح في بيروت، كما حدث في السابع والعشرين من ديسمبر والثاني من يناير.
أولاً جاءت حادثة السيارة الملغومة التي أدت إلى مقتل السياسي اللبناني المعتدل محمد شطح وستة آخرين. ويعتقد الكثيرون في لبنان أن حادث القتل يعتبر بمثابة رسالة من حزب الله - جماعة الميليشيا المسلمة الشيعية المدعومة من إيران والحزب السياسي اللبناني المؤيد للرئيس السوري بشار الأسد – والمقصود بها وكلاء السعودية في لبنان. كما أن كتلة 14 آذار التابع لها محمد شطح مدعومة جزئياً من قبل المملكة العربية السعودية. وقد أدان «حزب الله» حادث التفجير.
ولم يتأخر حدوث خطوة مضادة. فقد انفجرت سيارة ملغومة بعد مرور ستة أيام، ولكن هذه المرة في منطقة شيعية صديقة لـ«حزب الله» في جنوب لبنان، ما أسفر عن مقتل أربعة أشخاص وإصابة 70 آخرين. وقد أتبع هذه المأساة الأخيرة، إعلان من القوات السنية المسلمة المناهضة للأسد في سوريا بأنه سوف «تدخل لبنان عسكرياً» للتحريض ضد «حزب الله» وإجباره على سحب قواته من سوريا. هذه السلسلة العنيفة من الأحداث ما زالت تقدم المزيد من الأدلة على أن الولايات المتحدة لا يمكنها تجاهل القضية السورية، ليس فقط بسبب التداعيات الإنسانية للصراع الدائر هناك، ولكن أيضاً بسبب العنف الذي يمتد عبر الحدود، ما يهدد ويزعزع استقرار الشركاء الرئيسيين في المنطقة.
في الأسابيع الأخيرة، ذكر «ريان كروكر»، السفير الأميركي السابق في أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا والكويت ولبنان وكذلك «جوشوا لانديس»، باحث سوري والمؤلف لكتابين عن عائلة الأسد، أن بشار الأسد، بالسوء الذي يبدو عليه، أفضل من البديل المحتمل في سوريا إذا استمرت الحرب.
وقد يكون الوقت قد حان، وفقاً لما ذكره «كروكر»، للولايات المتحدة لأن تعود وتتعامل مع الأسد. قد يكون ذلك خطأ. واحتضان الأسد بعد كل ما قام به لبلده والمنطقة لن يكون فقط غير أخلاقي، ولكنه سيكون أيضاً نكسة لأهداف الولايات المتحدة في السنوات القادمة. تستند التوصية بإعادة تأهيل الأسد على افتراضات زائفة. ويشير «كروكر» و«لانديس» إلى أن وجود الأسد في السلطة، حتى وإنْ كان في جزء من سوريا، قد يوفر للغرب احتمال استقرار منطقة مضطربة في المستقبل. كما يشيران إلى أن الأسد قد يكون حليفاً في الحرب على الإرهاب. وأضافا أنه إذا لم يفز الأسد، فإن المتطرفين الجهاديين من السُنة، وهو جزء لا يتجزأ من المعارضة السورية، قد يتولوا الحكم.
والحقيقة التي يتجاهلانها هي أنه: بغض النظر عن عدد المعارك التي سينتصر فيها الأسد، فإنه لم يعد بإمكانه حكم سوريا كما فعلت أسرته على مدار أربعين عاماً. لقد كان هناك الكثير من الدم والدمار والتشريد للسوريين فمن غير الممكن أن يمنحوه الشرعية مرة أخرى.
وعلاوة على ذلك، فإن هناك الكثير من المقاتلين السُنة الآن في سوريا من أجل الأسد لتهدئة البلاد، حتى بمساعدة حلفائه من «حزب الله» الذين تدعمهم إيران. لذا فإن استعادة الأسد لنشاطه قد يستخدم للتلاعب بالمتطرفين من السُنة والشيعة للانتقام من الأنظمة التي قدمت الدعم للمتمردين في المنطقة. وأخيراً، لكي تتعامل الولايات المتحدة مع الأسد الآن، بعد إصرارها على وجوب تنحيه عن السلطة، وبعد أن قامت بوضع الخطوط الحمراء الواحد تلو الآخر في سوريا، وبعد قيامها بالتهديد - ثم الانسحاب بعد ذلك- باستخدام القوة، فإن ذلك من شأنه أن يقدم مثالاً خطيراً للمنطقة وللعالم.
إن ترك رجل في السلطة بعد التأكد من أنه مذنب بارتكاب جرائم ضد الإنسانية والترتيب في الخفاء للتعاون معه فيما يتعلق بالأمن الإقليمي لن يكون فقط قمة النفاق، لكنه سيرسل رسالة واضحة لجميع القوى العلمانية والليبرالية في المنطقة بأن أنصارها ليسوا جديرين بالمساعدة، وعليهم أن يدافعوا عن أنفسهم. وسوف يعني ذلك أيضا أن الولايات المتحدة قد تراجعت خطوة إلى الوراء لتعود إلى أكثر أيام الحرب الباردة ظلاماً، عندما تحالفت مع الطغاة في جميع أنحاء العالم باسم الاستقرار.
كما تتجاهل تصريحات «كروكر» و«لانديس» كذلك الحقائق الأساسية حول الجهادية. إن الأمر لا يتعلق بالحكم، ولكن بالقتال والقتل. فالتطرف الديني لن يكون أبداً شكلاً مقبولاً للحكم بالنسبة للشعب السوري. وبالنسبة للولايات المتحدة والمنطقة، فإن المحادثات النووية لقوى 5 1 مع إيران والمحادثات المتوقعة في جنيف بين الحكومة السورية والمعارضة تمثل فرصة لمطالبة إيران بإظهار حسن نوايا من خلال تسهيل الانتقال إلى حكومة ائتلافية في سوريا، حكومة تمثل كافة الطوائف والجماعات السياسية في ذلك البلد. إن التوصل لمثل هذا الترتيب من شأنه، في الواقع، إنهاء حكم الأسد.
وخلاصة القول إن: بدلاً من إعطاء الأسد دفعة من خلال التحدث معه، فقد حان الوقت الآن بالنسبة للولايات المتحدة أن تشجع إيران (وظهيرتها روسيا) للتخلي عنه لمصلحة حكومة أكثر توازناً وأكثر تمثيلاً في سوريا. وسوف يكون ذلك هو الشيء الصواب الذي تقوم به السياسة الخارجية للولايات المتحدة للشعوب في المنطقة، بما في ذلك الشعب اللبناني الذي يرى قادته المعتدلون والموهوبون يتم القضاء عليهم في خضم الأزمة الوحشية التي تجتاح جميع أنحاء المنطقة.
وعلى صعيد آخر، ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية أن انسحاب القوات الأميركية المتزايد من بلدان الشرق الأوسط، وعدم إعادة نشرها في بلدان أخرى، سيؤدي بدوره إلى اختلال ميزان القوى وإلى تزايد الميليشيات المسلحة ونشوب الحروب الأهلية التي أنفقت الولايات المتحدة الكثير من أجل منعها.


نبيل خوري
زميل بارز لمنطقة الشرق الأوسط والأمن القومي في مجلس شيكاغو للشؤون العالمية


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «إم.سي. تي. انترناشونال»

اقرأ أيضا