الاتحاد

تقارير

هل أطعم «كيم» زوج عمته للكلاب؟!

يزعم خبر تم تداوله عبر شبكة الإنترنت في الآونة الأخيرة بأن زعيم كوريا الشمالية، كيم جونج أون، أمر بإعدام زوج عمته الشهر المنصرم عبر تجريده من ملابسه وتقديمه كوجبة لـ 120 كلباً جائعاً.
وفي البداية نشر موقع مغمور في هونج كونج الخبر، في 12 ديسمبر، ثم تناولته صحيفة سنغافورية في 24 ديسمبر، ثم ما لبث أن انتشر الأسبوع الماضي عبر وسائل الإعلام الأميركية في كل حدب وصوب. لكن المشكلة أن هذا الخبر «من المحتمل أن يكون حقيقياً... وربما يكون غير صحيح».
وكان الأمر مفاجئة الشهر الماضي عندما كشفت أجهزة الاستخبارات في كوريا الجنوبية، أن «كيم» كان قد تخلص من زوج عمته جانج سونج ثيك، وهو ما أكدته الجارة الشمالية بعد يومين في وسائل الإعلام بإسهاب ممل.
وقد كانت الطبيعة العلنية للتخلص من زوج عمة الرئيس الكوري، التي انتهت بإعلان بيونجيانج رسمياً إعدام جانج، غير مسبوقة على الإطلاق وصادمة من حيث مشروعيتها، لاسيما أن الكشف عن مثل هذه الأمور من المحرمات على وسائل الإعلام في كوريا الشمالية. وتحدث مثل هذه القصص الصاخبة بصورة متكررة في كوريا الشمالية، حيث نالت الحكومة سمعة سيئة بشأن تنفيذ عقوبات سياسية متطرفة، كتلك التي كانت تحدث في العصور الوسطى.
ورغم ذلك، هناك خمسة أسباب رئيسة تشي بأن هذه القصة تحديداً لا تبدو منطقية بصورة خاصة، كما أن حقيقة أن وسائل الإعلام الغربية قبلت على نحو واسع النطاق خبراً كانت سترفضه لو أنه جاء من أية دولة أخرى، يكشف بوضوح كيفية تغطيتها للأخبار الواردة من كوريا الشمالية، ومدى سوء فهمها.
أولاً؛ وقبل كل شيء، لننظر إلى المصدر؛ فالخبر ظهر في صحيفة من هونج كونج تدعى «وين وي بو»، والتي نقلته مُجهّلا، كما أن دراسة حديثة صنّفت هذه الصحيفة في الترتيب الـ 19 من حيث المصداقية من بين 21 صحيفة في هونج كونج.
ثانياً؛ إن بقية وسائل الإعلام الصينية لم تقترب من هذا الخبر منذ أن ظهر قبل قرابة شهر، وإنما تمسكت بالخبر نفسه الذي تداولته وسائل إعلام أخرى، وهو أن جانج أعدم باستخدام بندقية آلية أو بنادق مضادة للطائرات.
ثالثاً؛ لم تنشر وسائل الإعلام في كوريا الجنوبية أيضاً هذا الخبر، بينما ذكر محرر موقع «إن كيه نيوز»، تشاد أوكارول، أن هذا الخبر لم تنقله وسائل الإعلام الكورية الجنوبية، وهو أمر يدعو للتشكك فيه.
وأضاف الموقع: «من بين الأسباب الأخرى التي تدعو للشك أن الشائعة ظهرت قبل وقت مضى من دون أن يعير أحد الانتباه إليها».
وبالنظر إلى أن وسائل الإعلام الكورية الجنوبية على اتصال جيد بمصادر لا تزال في كوريا الشمالية، وكذلك بوكالة الاستخبارات المحلية، فإن بعض هذه الوسائل يمكن أن تكون متلهفة على نقل أخبار أو شائعات تصور كوريا الشمالية بصورة سلبية، لكن يبدو أن غالبيتها -صغيرة كانت أم كبيرة- تعاملت مع الخبر على أنه غير منطقي.
رابعاً؛ انقضاء الوقت، فالخبر متداول منذ نحو شهر، ولم يتم تأكيده من أية جهة، ورغم أن ذلك وحده غير مثير للدهشة، فالحقيقة أن كثيراً من الدوائر الإعلامية في آسيا لم تكلف نفسها حتى عناء الإقرار بمنطقية التقرير.
خامساً؛ الخبر السائد بشأن ما حدث أكثر منطقية بكثير، كما أنه ليس هناك تعتيم كامل بشأن إعدام جانج، خصوصاً أن هناك كثيراً من وسائل الإعلام التي تتمتع بمصادر أكثر مصداقية أكدت أن عملية الإعدام تمت رمياً بالرصاص. ويتسق ذلك مع ما هو معروف عن كوريا الشمالية.
ويقول أوكارول: «حكمت عليه محكمة عسكرية، لذا يبدو منطقياً أنه أعدم رمياً بالرصاص». لكن لماذا يواصل كثير من الناس، خصوصاً وسائل الإعلام الأميركية، التعامل مع هذا الخبر غير المنطقي على أنه منطقي؟
في الحقيقة، يبدو أن هذه مشكلة خاصة بالأخبار الواردة من كوريا الشمالية، إذ يتم التعامل مع أي خبر بشأنها بتصديق واسع النطاق، بغض الطرف عن مدى كونه غريباً أو مجهّل المصدر، ولا تكاد توجد دولة أخرى يتم التعامل معها بهذه الدرجة الكبيرة من السذاجة.
وفي ضوء عدم معرفة سوى القليل بشأن ما يحدث داخل كوريا الشمالية، خصوصاً ما يفكر فيه زعيمها، فإنه لا يمكن تأكيد سوى أخبار قليلة جداً، غير أن الأشياء المعلومة غالباً ما تكون غريبة بدرجة كبيرة، وهو ما يجعل أي شيء ممكن الحدوث.
وقد أشـار أوكارول قائلا: «مثلما هو معلوم، تنال أخبار كوريا الشمالية قدراً كبيراً من المتابعة، لذا من السهل أن نرى المحررين يرغبون في السعي وراء هذه الأخبار».
وأضاف: «أعتقد أن المحررين يشعرون بأنه من المقبول نشر أخبار لم يتم التحقق من صحتها، ومعلومات مثيرة بشأن كوريا الشمالية، لأنه يمكنهم دائماً الدفاع عن أنفسهم؛ إذ كيف يمكن التحقق منها، فكوريا الشمالية مغلقة».
وثمة عنصر جهل وراء السذاجة الأميركية بشأن الأخبار المجهّلة من كوريا الشمالية، فبدرجة ما تقع وسائل الإعلام في الولايات المتحدة ضحية لجهلها بكيفية إدارة الأمور في ذلك المجتمع المغلق.
ورغم ذلك، فيما يتعلق بهذا الخبر وكثير مثله من كوريا الشمالية، لا تزال هناك فرصة ولو ضئيلة كي يكون حقيقياً!


ماكس فيشر
محلل سياسي أميركي


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سرفيس»

اقرأ أيضا