الاتحاد

دنيا

العصا·· لم تعد لمن عصى ولها مآرب أخرى

العصا لمن عصى ، عبارة قرنت العصا دوما بالشدة والعقاب، وجعلتها وسيلة تخويف دائمة لكل من تسول له نفسه اختراق قانون الحياة الاجتماعية لكن الشاعر الخليجي يقول : ''أومي لهم بالطيب واخفي عصاتي ··· والطيب أشد من العصا بعض الأحيان''، ليظهر أن العصا أعفيت من منصبها كأداة عقاب ليحل محلها الطيب والتعامل بالرأفة ولتتفرغ العصا لعمل آخر من تلك ''المآرب الأخرى'' · العصا التي رافقت يد الرجل العربي منذ فجر التاريخ، وكانت أولى معجزات موسى عليه السلام، كانت أيضا وسيلة استعملها الناس للرعي والحراسة والدفاع عن النفس قبل أن تأتي الحضارة الحديثة وتقصيها عن الأيادي في أغلب الدول العربية إلا دول الخليج التي ما زال رجالها شبابا وكهولا وأطفالا متمسكين بحمل العصا وإن كانت أغراضهم من حملها اختلفت·

يقول خليفة التميمي أحد تجار العصي في العاصمة أبوظبي: للعصا أهمية خاصة في الإمارات، فهي دليل بداوة ومكانة اجتماعية، بل أن بعضها تدل على قبيلة حاملها مثل ''اليرز'' وهي عصا متوسطة الحجم يزين رأسها فأس صغير عرفت بها بعض قبائل الإمارات الشمالية تحديدا·
وبخلاف ''اليرز'' هناك أنواع أخرى من العصي المنتشرة بين أيادي الشباب تختلف مسمياتها باختلاف أشكالها فمنها ''السوط'' وهي عصا رقيقة مرنة مثل البلاستيك كانت تستعمل للعقاب وتأديب الأبناء بالدرجة الأولى، وهي عادة بلا رأس منحنٍ، ومنها ''القب'' أو '' العجرا'' كما تسمى لدى أهل السعودية، وهذا النوع من العصي يصنع من حطب الشجر الصحراوي أو الخيزران السميك ويستعمل في الرعي بالدرجة الأولى، كما أن كبار السن يعتمدون عليه للاتكاء والمشي، والنوع الأخير هو ''الخيزرانة'' وهي العصا الدقيقة الطويلة ذات الرأس المنحني الشائعة الاستعمال لدى الشباب·
ويتابع خليفة: فيما مضى استعمل أهل الإمارات الحطب الصحراوي لصناعة العصي لكونه في متناول الجميع ولأن العصا في تلك الفترة كانت لها استعمالات بلا حصر· ومنذ عقدين تقريبا دخل الخيزران ليصبح عماد صناعة العصي، الذي يختلف بحسب الدول التي يرد منها فهناك خيزران أفريقي وآسيوي وأوروبي وإن كان أبرزه الهولندي وهو الأفضل والأنسب لصناعة العصي بسبب ليونته وخلوه من النتوءات·
مراحل الصناعة
ينجز العصي حرفيون مهرة على عدة مراحل تخرج بعدها العصا في أبهى حلة، في المرحلة الأولى يتم اختيار العود الذي تصنع منه العصا لأن أفضل الأنواع ما جاء كقصبة واحدة كاملة بدون أي فرضة (وهي العقدة التي توضح نمو القصبة في شجرة الخيزران) وهذا النوع نادر جدا، يليه النوع ذو الفرضة الواحدة التي تبعد كثيرا عن رأس العصا أو ''الحنية'' وتقع في أسفل ساق العصا وهذا النوع موجود لكنه صعب وغال، وكلما اقتربت الفرضة من الحنية أو زاد عدد ''الفْرض'' في العصا كلما تدنت قيمتها·
بعدها تفحص ليونة العصا وأفضل العصي تلك التي تنثني وتعود لشكلها الأساسي بسهولة، ثم تمسك العصا مثلما تمسك البندقية وتوضع على ''خط العين'' ليلاحظ ما بها من نتوءات وانحناءات فأي انحناء في قوام العصا يعني عيبا يفقدها صلاحيتها، لذا يجد صناع العصي صعوبة في الحصول على العصي الجيدة لأنهم لا يحصلون إلا على خمس عصي صالحة للصناعة من بين أكثر عن 50 قصبة خيزران يفحصونها·
لون العصا
بعد اختيار العصا تتم إزالة القشرة الخارجية عنها في مرحلة تسمى (السحل) لأن العصي تكون عادة بلون أقرب للون الأبيض المصفر أو البيج ويتم تخضيبها بالحناء كي تكتسب اللون البني الغامق أو الأسود ولا يمكن أن تصطبغ العصا بالحناء إلا إذا أزيلت القشرة الخارجية منها، وفي هذه المرحلة تستغرق العصا يوم عمل كامل كي تصبح جاهزة للمرحلة الثانية وهي مرحلة ''الحنية '' (ضبط الرأس المنحني) التي تحتاج لشخص خبير يستعين بالنار لضبط انحناءة رأس العصا بشكل ''هلالي'' دون كسرها أو التسبب في شرخها، بعد ذلك يتم طلاء العصا بالحناء التي تغير لون العصا، وتستعمل الحناء السودانية لإضفاء اللون الأسود والحناء العمانية لإعطاء اللون البني المحمر للعصا في مرحلة تستمر أسبوعا حتى تزال الحناء ويعاد تخضيب العصا مرة أخرى لثلاثة أيام إذا احتاجت كي تكتسب اللون المطلوب·
وكانت العصا في السابق تنقع في السمن العربي بعد الحناء ''تودم'' لإضافة الثقل عليها لكن الشباب هذه الأيام يطلبون العصي دون نقع في السمن فهم عادة يحتفظون بها في السيارات، والعصا المودمة يسيل السمن منها بسبب الحر ويقال ''تعرق'' وهو الأمر الذي بسببه يرفض الشباب العصي ''المودمة في السمن''·
أسعارها ذهب
بعد كل هذه المراحل تصبح العصا جاهزة لتركيب الذهب أو الفضة عليها بالشكل الذي يحبذه مقتنيها، وبحسب ذلك يتحدد سعر العصا لأن أسعار الذهب والفضة تلعب دورا كبيرا في ثمنها الذي يتراوح من 5 دراهم وهو سعر النوع الرديء المنتشر في كل مكان مع الباعة ويصل إلى 3000 درهم وهي أفضل العصي المشغولة بكميات من الذهب الخالص·
ويجد خليفة سالم أن السنوات الخمس الماضية أعادت الاعتبار للعصا الإماراتية التي يشتد الطلب عليها في مواسم الأعياد والأعراس ومن فرق الحربية والعيالة، أما في باقي الأيام فإن الطلبات تنحصر في الهدايا والتذكارات·

اقرأ أيضا