الاتحاد

ثقافة

جيرتـروود.. امــرأة هنـدسَت العراق ورسمت خريطته

محمد عريقات (عمان)

«أميرة الصحراء»، «الخاتون»، «المرأة الخارقة»، كلها ألقاب تشير إلى «جيرتروود بيل» (1868-1926)، وهي باحثة ومستكشفة وعالمة آثار جاءت إلى العراق عام 1914 للعمل كمستشارة للمندوب السامي البريطاني «بيرسي كوكس» وكان لها دور بالغ الأهمية في ترتيب أوضاع العراق وهندسته.
نتذكر اليوم بيل بمناسبة صدور النسخة العربية من كتاب المؤلفة إليزابيث بيرغوين تحت عنوان «جيرتروود بيل من أوراقها الشخصية 1914-1926»، يتناول سيرة بيل الذاتية التي عكفت على كتابتها منذ وصولها العراق وحتى وفاتها، والذي تضمن 31 رسالة، وصدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت وعمّان.
يقدم الكتاب، الذي نقله إلى العربية نمير عباس مظفر، وقدم له الروائي الراحل «عبد الرحمن منيف» صوراً حية لشخوص عامة، وأحداث في طور التكوين، تحمل في طياتها انطباعات وآراء صريحة ومخلصة وصادقة، وبعيدة كل البعد عن صيغ التكلف.. ربما تفتقر - أحياناً - في بعض أوجهها إلى الموضوعية، وقد تتجاوز اللياقة في أحيان أخرى، بيد أنها تبقى أصيلة، ولاذعة، تنبض بالحياة وتنطوي على الفراسة وعلى درجة عالية من جمالية الوصف وروح النكتة.
اعتمدت بيل على شكل الرسائل في كتابتها لسيرتها، مما أضفى عليها صفة حميمية، وجعلها أقرب إلى النفس، ولها صفة الخصوصية التي تجعلها بوحاً بوثائق بالغة الأهمية حول علاقتها بالمنطقة العربية وخوض رحلات بحجة البحث عن الآثار ودراسة لهجات البدو مرة، والإلمام بأصول القبائل وبأنسابها، حيث كانت تواقة ومهتمة وشديدة الحماس مع من حولها وما تعيشه من أحداث يومية. كان لها نشاط وحيوية هائلان.
وحول هذه الرحلات يقول عبد الرحمن منيف في تقديمه: «اندفعت بيل إلى مغامرات خطرة، ودفعت ثمنها، ولم تهدأ ولم تتوقف عن التجوال والإقامة لفترات غير قصيرة في بلدان المنطقة، مما ساعدها أكثر من قبل على إتقان العربية، وإلى التعرف على كثيرين ممن يعملون في الحقل العام، إضافة إلى الإلمام أكثر بتفاصيل المنطقة ومشاكلها، إلى أن انتدبت للعمل في العراق أثناء الحرب العالمية الأولى، وكان من حسن حظها أن تعمل مع واحد من أبرز صانعي خرائط المنطقة وهو السير بيرسي كوكس».
ومن وجهة نظر المترجم نمير عباس المظفر تعكس بيل صورة لامرأة أحبت العراق وعشقت أجواءه وطبيعته، بكل ما لهذه الأجواء والطبيعة من أوجه تناقض، وشعرت بأنها كانت جزءاً لا يتجزأ منه، وأرادت بطريقتها الخاصة، وفي إطار ما تربت عليه من قيم ومفاهيم وما انصرفت إلى اعتماده من معايير، أن تسهم إسهاماً فاعلاً في إعادة بنائه لينهض مرة أخرى صرحاً حضارياً جديراً بأن يكون مركز إشعاع، وسليلاً لأعرق حضارات الأرض، ومن بين أكثرها أثراً على السياق التاريخي لبني البشر.
حظيت جيرتروود بيل بتشييع مهيب عند وفاتها، ولمحبتها وتعلقها بأرض العراق نفذت وصيتها حيث دفنت في مقبرة الإنجليز في باب المعظم وسط بغداد.

اقرأ أيضا

الأشجار تغني في اللوفر أبوظبي