الاتحاد

الرئيسية

سوريا واشتداد الفرز الإقليمي

سوريا واشتداد الفرز الإقليمي
يقول عبدالوهاب بدرخان: تعاملت الحكومات العربية مع الملف السوري في قمة الدوحة على نحو غير مسبوق، إذ ذهبت إلى حد قبول جلوس هيئة معارضة في مقعد كان تشغله حكومة النظام. ماذا يعني ذلك؟ إن الإرادة السياسية التي توافرت لمثل هذا القرار لم تكتف بالتبرؤ من أن يكون نظام كهذا ممثلاً في القمة، بل ذهبت إلى تحدِّيه وهو لا يزال موجوداً وحتى متمتعاً بـ«شرعية» دولية تحميها روسيا، رغم أن غالبية دول العالم نبذت هذا النظام، ولم تعد تراه مؤهلاً لأن يكون في المنظومة الدولية.
جاءت الانتقادات من دمشق وموسكو وطهران متنافسة في الحدِّة والانفعال، لكن ما جمع بينها أن أصحابها لا يرون في ما تشهده سوريا أسباباً موجبة لقرار القمة، وكأن الحاصل مجرد حادث عابر لا داعي لتضخيمه.
الواقع أن سوريا باتت ساحة صراع محتدم إقليمياً و«حرب باردة» دولياً، وكل الاحتمالات ترجح الذهاب إلى مزيد من التصعيد، سواء للحفاظ على معادلة لا تمكِّن النظام أو المعارضة من حسم المعركة، أو للتحكم بالتطورات بحيث لا يخرج النظام من الأزمة، وهو قادر على الإيذاء، ولا تخرج المعارضة منها إلى فوضى يمكن أن تتمدد إلى دول الجوار.

الإعلام بين الربحية والمسؤولية الوطنية
يرى أحمد المنصوري أن هناك هوة سحيقة بين طرح بعض المثقفين والأكاديميين المعنيين بالشأن الإعلامي من تشخيص لحالة الإعلام المحلي وتحليل ونقد، وبين الخطط والبرامج التي ينفذها القائمون على إدارة المؤسسات الإعلامية. فبعض الذين يديرون هذه المؤسسات قد لا يتقنون -في أغلب الأحيان- إلا لغة السوق من خلال التعامل مع الإعلام كـ«سلعة» سواء بإنتاج بضاعة محلية أو استيراد منتج من الخارج، ثم العمل على تسويق هذا المنتج لأكبر عدد من الجمهور «المستهلك» ومن ثم الحصول على نصيب وافر من الإعلانات وفي النهاية تحقيق الربحية. إن هذا المنطق الذي يسيطر على بعض إدارات مؤسساتنا الإعلامية المحلية سواء الحكومية أو الخاصة لا يعبأ كثيراً بأطروحات مثقفينا وأكاديمينا الذين طالما أكدوا على ضرورة أن يعبر الإعلام المحلي عن الهوية الإماراتية، وكذلك أن تولي المؤسسات الإعلامية توطين الكوادر الإعلامية أولوية في المؤسسات.
دروس العراق في سوريا
أشار جاكسون ديل إلى أنه حلول الذكرى العاشرة لحرب العراق دافعاً لإجراء العديد من التحليلات عن الأخطاء التي ارتكبت في تلك الحرب، ومناقشة بعض الدعاوى المتجنية التي تقول إن «نفس الأشخاص» الذين دعموا الحرب في العراق، يضغطون الآن من أجل التدخل الأميركي في سوريا.
وبما أنني واحد من هؤلاء الأشخاص، فإنني لا أملك سوى ترديد السؤال نفسه الذي يردده المجادلون وهو: هل تعلمت شيئاً من العقد الماضي؟ وهل أريد حقاً أن أكرر الـ«فشل الذريع» الذي حدث في العراق؟
دعونا نبدأ بالسؤال الثاني. ليس هناك شك في أن العراق كان مكلفاً ومؤلماً للولايات المتحدة الأميركية سواء من الناحية المادية، أو من ناحية العلاقات السياسية، أو -وهذا هو الأهم- من ناحية الخسائر في الأرواح، سواء أرواح الأميركيين أو العراقيين. وهذه الحرب لم تنتهِ حتى الآن على النحو الذي آملنا فيه نحن الذين دعمناها.
وعلى رغم ذلك، يمكننا القول إن سوريا، وفي غياب تدخل أميركي، تبدو كما لو كانت قادرة على إفراز كارثة إنسانية أسوأ بكثير، ونكوصاً استراتيجياً أخطر كثيراً على الولايات المتحدة.
ويتشابه العراق وسوريا في العديد من الجوانب: فكلاهما رسمه الدبلوماسيون البريطانيون والفرنسيون على الخرائط عام 1916. وكلاهما يضم مزيجاً قابلاً للاشتعال من المجموعات العرقية والطوائف الدينية يشمل أكراداً وعرباً وسنة وشيعة ومسيحيين. وكلاهما بقي متماسكاً طيلة القرن العشرين بقوة طغاة عديمي الرحمة. ولأن أولئك الطغاة كانوا يمثلون أقليات مذهبية، فإنهم لم يجدوا مفراً من اللجوء لاستخدام القمع، والحكم العسكري، ودعاوى القومية العربية، والمذابح الجماعية، إذا ما لزم الأمر لإبقاء بلديهما موحدين.
فكل من نظام صدّام في العراق، والأسد في سوريا غازل الإرهابيين، وكدس أسلحة الدمار الشامل؛ بيد أن عائلة الأسد، على خلاف صدام، لم تضطر أبداً إلى التخلي عن ترسانتها الكيماوية والبيولوجية.

تحليل الخطاب... فهم الذات والآخر
تقول د.شما بنت محمد بن خالد آل نهيان إن الواقع الحالي يشهد على أننا أصبحنا نعيش في بحر من الخطابات المتعددة، سواء تلك التي نرسلها للآخرين، أو تلك التي نتلقاها من الآخرين. وتتقاطع أنواع وأشكال ومضامين هذه الخطابات، كما تتفاعل عبر حدود المحلي والعالمي، وباتت هذه الخطابات تتجاوز حدود الزمان والمكان. وذابت الحدود الفاصلة بين الخطابات ذات الطابع المحلي والخطابات ذات الطابع العالمي، لذا يرى البعض أننا نشهد الآن سيطرة خطاب ذات طابع عالمي أو عولمي يتسم بمجموعة من السمات الثقافية والفكرية تتجاوز حدود الزمان والمكان.
ولا شك أن هذه الخطابات تؤثر فينا وتوجه أفكارنا وسلوكنا ربما من حيث لا ندري، حيث تعددت وتغيرت المفردات والوسائط، التي تستعين بها هذه الخطابات في توصيل الرسالة التي تود توصيلها إلى المتلقي. فلم تعد الكلمة أو اللغة هي الوسيط الأساسي الذي تلجأ إليه هذه الخطابات في توصيل رسالتها، بل تداخلت الكلمة مع الصورة وتعددت الوسائط والوسائل، التي تستعين بها هذه الخطابات في توصيل رسالتها، وفي التأثير على متلقي الخطاب.

حصيلة قمة الدوحة
استنتج د. أحمد يوسف أحمد أن العرب لم يعد ينتظرون قممهم الدورية بأي نوع من الحماس بعد أن أصبحت القمم تذهب وتجيء دون أن تغير من أوضاعهم شيئاً، وبعد أن أصبحت الأحداث الأساسية في حياتهم تتم بعيداً عن مؤسسة القمة، فإذا ترتبت على هذه الأحداث مشكلات أو معضلات فإن مؤسسة القمة تقف عاجزة عن معالجتها، غير أن قمة الدوحة ربما أثارت بعض الأمل في أن تكون قادرة على الإنجاز لأنها تعقد برئاسة دولة تملأ الدنيا -رغم صغرها- نشاطاً ومبادرات لحل القضايا العربية المعقدة، ومن ثم فقد أصبحت طرفاً في كافة محاولات هذا الحل إما بالمبادرات الدبلوماسية أو بالقدرة المالية أو بهما معاً، ومع ذلك فإن القمة لم تأتِ بجديد في المنهج أو في القدرة على الحل.
من ذلك مثلاً محافظة القمة على نهج عدم اتخاذ قرارات، فهي «تؤكد مجدداً» و«تدرك» و«تستلهم» و«تستذكر» و«تعرب عن قلقها العميق» و«تدعو إلى» و«ترحب» و«تطالب» و«تشيد» و«تعبر عن رفضها التام» و«تتوجه بتحية إكبار وإجلال» و«تناشد» و«تعبر عن التزامها الكامل» و«تؤكد على دعمها الكامل» و«تؤكد مجدداً على تضامنها الكامل» و«تندد» و«تحث» و«تشدد على» و«تعمل على»، ولكنها لا «تقرر» أبداً، وحتى عندما تحتمل صياغة بعض القرارات اتخاذ قرارات أو إجراءات كما في «التعبير عن الالتزام الكامل» أو «التأكيد على الدعم الكامل» أو «العمل على» فإن الصياغات لا تشير من قريب أو من بعيد إلى أي إجراء عملي.

هجرة العقول إلى الداخل
يرى سالم سالمين النعيمي أن بناء الأمم المتقدمة يستند إلى خطوات مدروسة وتخطيط طويل الأمد بعقول مستنيرة بفكر خارج صندوق التقليدية، لم يوقفها الخوف من الفشل، عقول مغامرة في حدود مقبولة للمخاطرة، ووضعت الخطط البديلة لمعالجة أي عثرة أو تحدي كان يواجهها، وجهّزت مجتمعاتها لقرون طويلة لتقبل التغيير، على أن تكون هي العامل الرئيسي فيه وتحتضنه وتتبناه وتحدثه بما يوافق تقاليدها وعاداتها وقيمها.
وقامت الشعوب بذلك من تلقاء نفسها بعد أن نضجت وأصبحت جاهزة نفسياً ومعنوياً وفكرياً ومعرفياً واجتماعياً لمواكبة المعطيات الجديدة حسب العصر الذي تعيش فيه، وباتت هذه المواكبة هي الدافع الأساسي للثورات الإيجابية التي تبني ولا تهدم مثل الثورة الصناعية والإنتاجية والعلمية والتقنية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وذلك بعد أن فتحت الباب للمبدعين والأدمغة اللامعة في جميع المجالات أن تشارك في تحقيق الحلم، فشجعت هجرات العقول الأجنبية المبدعة لبلدانها، وفي المقابل عملت على تشجيع الهجرة العكسية لمواطنيها إلى دولهم الأم وهجرة داخلية لمن يعيشون في تلك المجتمعات للحياة المدنية بكل مقوماتها والاستثمار في رأس المال المعرفي والابتكاري والبشري والاجتماعي والثقافي والرمزي والروحي والتجريبي بجانب مضاعفة رؤوس الأموال التقليدية، مما أدى إلى أسلوب ونوعية حياة أفضل ومستوى معيشي مرتفع، وتمكنت من الحصول على تكنولوجيا متقدمة وظروف سياسية مستقرة، بعد أن فرغت البلدان النامية، والتي هي في طور التطوير من موهوبيها وعقولها الأبرز التي هاجرت لتلك الدول الصناعية، والتي يفوق نموها الاقتصادي نموها السكاني وميزانها التجاري يميل لصالحها (قيمة الصادرات تفوق قيمة الواردات).

اقرأ أيضا