الاتحاد

الاقتصادي

أزمة الإمبراطورية... اهتزاز ثقة الناس في الائتمان

حسونة الطيب (أبوظبي)

لم يخل التاريخ من نزاعات مستمرة بين بريطانيا والمستعمرات الأميركية.
ومن المنطقي الحديث عن التحرر الدائم من إساءة استخدام سلطة التاج والغضب ضد القيود التجارية وحب المستعمرين للحقوق والامتيازات المحلية. ومع ذلك نجحت بريطانيا ومستعمراتها، في المحافظة على علاقات متبادلة مفيدة، حيث يقوم أحدهم بزراعة التبغ في فيرجينيا لبيعه لآخر في بريستول أو ليفربول.
أزمة الإمبراطورية أو أزمة ائتمان 1772، هي أزمة مالية اندلعت في وقت السلام، بدأت في لندن لتنتشر في أجزاء أخرى من أوروبا مثل، اسكتلندا وهولندا.
وكان النمو الاقتصادي في تلك الفترة، يعتمد بشدة على استخدام الائتمان الذي يستند إلى حد كبير على ثقة الناس في البنوك. وفي الوقت الذي بدأت تهتز الثقة، تبع ذلك شلل في نظام الائتمان، ليتجمع الناس أمام البنوك مطالبين بسداد الديون نقداً، أو سحب إيداعاتهم.
ونتيجة لذلك، أعلنت 22 مؤسسة مصرفية إفلاسها أو أوقفت عمليات الدفع للعملاء لتعاني إثر ذلك العديد من المؤسسات من ضائقات مالية. ويرى بعض الخبراء، أن قطاعي التجارة والائتمان العام، لم يشهدا مثل هذه الضربة قبل 50 سنة.
قبل الأزمة ،منذ منتصف ستينيات القرن الثامن عشر إلى بداية السبعينيات منه، أسهمت الطفرة الائتمانية مدعومة بالتجار والمصرفيين، في تسهيل النمو الصناعي والتعدين وعمليات التحسين الداخلي في بريطانيا و13 من مستعمراتها.
وحتى اندلاع أزمة الائتمان، اعتُبرت الفترة من 1770 إلى 1772، حافلة بالازدهار والهدوء السياسي في بريطانيا والمستعمرات الأميركية.
ونتيجة لـ«قانون تاونشيند»، أحد قوانين البرلمان البريطاني و«قانون حظر الواردات»، اتسمت الفترة بنمو كبير في الصادرات من بريطانيا إلى المستعمرات الأميركية، مدعومة بالائتمانات التي يقدمها التجار البريطانيون للمزارعين الأميركيين. ومع ذلك، تكمن المشاكل وراء، طفرة الائتمان وازدهار اقتصادات بريطانيا والمستعمرات والمضاربة وإنشاء مؤسسات مالية مشكوك فيها.
وعلى سبيل المثال، تبنى المصرفيون في اسكتلندا، ممارسة سيئة في سحب وإعادة سحب سندات الصرف الوهمية في محاولة لتوسيع دائرة الائتمان.
وبغرض زيادة الواردات المالية، عمد بنك «دوجلاس، هيرون آند كومباني»، المؤسس في اسكتلندا في 1769، بعد استنفاد رأس المال الأساسي، لجمع المال من خلال سلسلة من العملات الورقية.
وأغفل التجار البريطانيون والمزارعون الأميركيون تماماً، مؤشرات تكدس المنتجات في الرفوف والمستودعات، التي تدل على وقوع أزمة وشيكة.

آثار الأزمة في اسكتلندا
أعقب الأزمة، ارتفاع واضح في عدد حالات الإفلاس، حيث بلغ المتوسط في لندن 310 في الفترة بين 1764 إلى 1771، إلا أن الرقم ارتفع إلى 484 في 1772 وإلى 556 في 1773. وعانت البنوك التي شاركت في المضاربات، من ضائقات شديدة خلال الأزمة. ولم تعان البنوك التي امتنعت عن المشاركة في المضاربات، من أي خسائر، بل كسبت الاحترام لجودة أدائها، بصرف النظر عن الاضطرابات.
وتعرضت شركة الهند الشرقية المعروفة أيضاً باسم شركة جون، وهي شركة تشكلت في البدء لمزاولة التجارة مع جزر الهند الشرقية، ولكن انتهى بها الأمر بالمتاجرة مع شبه القارة الهندية والصين، لخسائر ضخمة وانهارت أسعار أسهمها بشكل مريع.
ونتيجة لاستثمارات دور الصرافة الهولندية الثقيلة في أسهم الشركة، عانت هي الأخرى من الخسائر، بجانب حاملي الأسهم أيضاً. وبهذه الطريقة، انتشرت أزمة الائتمان من لندن إلى أمستردام.

آثار الأزمة على 13 مستعمرة
أدت أزمة 1772 إلى تدهور كبير في علاقة الدائن والمدين بين المستعمرات الأميركية وبريطانيا، خاصة في الجنوب.
وتميزت المستعمرات الجنوبية، التي تنتج التبغ والأرز والصبغة النيلية وتقوم بتصديرها إلى بريطانيا، بالحصول على ائتمان أكثر، بالمقارنة مع نظيراتها في الشمال، حيث إنتاج سلع منافسة. وقبل الأزمة، انتشر نظام العمولة التجارية في المستعمرات الزراعية الجنوبية، حيث يساعد التجار في لندن المزارعين على بيع محاصيلهم وشحن ما يرغب المزارعون في شرائه من لندن كمقابل.
وعادة ما تساوي العمولة سعر البضائع التي يتم شراؤها من لندن ناقص عائدات المحاصيل. ويحصل المزارعون على ائتمان لفترة قدرها اثنا عشر شهراً من دون فوائد وبنسبة 5% على المبلغ غير المدفوع بعد انقضاء فترة الدفع. وبعد اندلاع الأزمة، طالب التجار البريطانيون بإعادة تسديد الدين وواجه المزارعون البريطانيون مشكلة حقيقية في كيفية ذلك لعدد من الأسباب. من بينها، أنه ونسبة للانتعاش الاقتصادي قبل الأزمة، لم يكن المزارعون مستعدين لتصفية دين واسع النطاق.
وعند انهيار نظام الائتمان، تم رفض أوراق التداول وإرسال معظم الذهب الثقيل إلى بريطانيا. ثم إنه ومن دون دعم الائتمان، ليس في مقدور المزارعين الاستمرار في إنتاج وبيع المحاصيل.
ومنذ أن عم الشلل كل أرجاء السوق، فاقم تراجع أسعار المنتجات، الضغوطات الواقعة على المزارعين. وبسبب الأزمة، عانت المستعمرات من ضائقات شديدة في سبيل المحافظة على ميزان مدفوعاتها.
وساعدت أزمة 1772، في وقوع سلسلة من الأحداث المرتبطة بالجدل حول سوق الشاي الاستعمارية. وشركة الهند الشرقية، هي واحدة من بين أكثر المؤسسات التي عانت بسبب الأزمة.
ونتيجة لفشلها في دفع أو تجديد قرضها من بنك إنجلترا، سعت المؤسسة إلى بيع 18 مليون رطل من الشاي من مستودعاتها البريطانية، للمستعمرات الأميركية.
وبعد فترة ترتب على المؤسسة بيع الشاي للمستعمرات الأميركية عبر وسيط، ما أفقد الشاي الإقبال لارتفاع سعره بالمقارنة مع الشاي المهرب للمستعمرات أو المنتج داخلها. وبعد فرض البرلمان ضريبة على الشاي والسماح لشركة الهند الشرقية، بالبيع المباشر دون وسطاء، احتكرت الشركة تجارة الشاي في سوق الشاي الاستعمارية.
ونتيجة لذلك، ثار سكان فيلادلفيا ونيويورك وبوسطن، ضد الشاي المستورد ورفضوا شراءه، لتقوم نتيجة لذلك حركة «حزب الشاي» في بوسطن في 1773.
وأسهمت الأزمة أيضاً في سوء العلاقات بين المستعمرات الأميركية في الشمال وبريطانيا، نظراً لتأثيرها على المستعمرات الثلاث عشرة.

بنك أميركا وأزمة 1791
وفي ديسمبر 1790، نادى أليكساندر هاميلتون، بإنشاء بنك أميركا وفي فبراير 1791، وقع الرئيس جورج واشنطن على وثيقة بفتح البنك. وأثناء الطرح الأولي العام للبنك، دفع المستثمرون 25 دولاراً للسهم، 25% منها في شكل عملة مسكوكة و75%، أوراق دين مالية. وارتفع طلب أسهم البنك بنسبة كبيرة خلال فترة وجيزة لتبلغ 280 دولاراً في نيويورك و300 في فيلادلفيا في منتصف أغسطس.
وفي حين اتسمت السوق بعدم الاستقرار، بدأت الأسعار في التراجع بسرعة كبيرة. لكن ومع تدخل هاميلتون بالتعاون مع وليام سيتون من بنك نيويورك، تم شراء 150 ألف دولار من الدين العام لتتم تغطيتها بالعائدات الحكومية، لتتعافى الأسعار مرة أخرى وليثمر ذلك عن إنهاء «ذعر 1792».

أسباب ذعر 1792
بدأت أسعار الأوراق المالية في الارتفاع مرة أخرى في نهاية 1791، حيث أدى الانهيار الحتمي في مارس 1792، لدخول العديد من المستثمرين في حالة من الذعر والتوجه لسحب أموالهم من بنك أميركا.
وواحد من أسباب هذا التدافع نحو البنك، فشل المشروع الذي وضعه كل من ويليام دوير وأليكساندر ماكوب في شتاء 1791. وكانت خطتهم تهدف لاستخدام قروض كبيرة للتحكم في سوق أوراق الدين الأميركية، نظراً إلى حاجة مستثمرين آخرين لهذه الأوراق لتسديد ما عليهم من أسهم في بنك أميركا.
ونتيجة لهذا الفشل وعجز دوير وماكوب، عن تسديد عقودهم ودخولهما السجن، تراجعت أسعار الأوراق المالية بنسبة قدرها 20% خلال أسابيع قليلة فقط.
وما زاد حدة الذعر، القيود المفاجئة التي فرضها بنك أميركا على الائتمان، الذي اتسم بالسهولة في الماضي.
وعندما بدأ البنك قبول الإيداعات وطرح تخفيضات في ديسمبر 1791، وسع بذلك دائرة الائتمان بنسبة كبيرة.
وبحلول 31 ديسمبر 1792، تجاوزت المطلوبات النقدية 2.17 مليون دولار، بينما بلغت التخفيضات 2.68 مليون دولار، المبالغ التي تعتبر ضخمة للغاية في ذلك الوقت.
وفي الفترة بين 29 ديسمبر إلى 9 مارس، انخفض احتياطي السيولة النقدية في بنك أميركا، بنحو 34%، ما دفع البنك لعدم تجديد 25% من قروض الثلاثين يوماً المستحقة. ولتسديد هذه القروض، أُرغم العديد من المقترضين على بيع الأوراق المالية التي اشتروها في السابق، ما نجم عنه انخفاض كبير في الأسعار.

إدارة الأزمة
بحلول منتصف مارس 1792، بدأ أليكساندر هاميلتون، مناورة ضرورية لاحتواء أزمة الائتمان التي انتشرت آثارها حول كل أرجاء البلاد. وأسهمت أيضاً الوثيقة التي تم بموجبها إنشاء بنك أميركا، في تكوين «لجنة الصندوق الغارق»، المنوط بها حل الأزمة المالية.
وفي سلسلة من الرسائل لوليام سيتون في بنك نيويورك، قدم هاميلتون عدداً من المعايير لاستعادة الوضع الطبيعي لسوق الأوراق المالية. وشجع هاميلتون، البنك على الاستمرار في تقديم القروض بضمانات من أوراق الدين الأميركية مع زيادة طفيفة في سعر الفائدة لتصبح 7% بدلاً من 6%. ولإقناع بنك نيويورك، بتقديم القروض أثناء فترة الذعر، وعد هاميلتون بشراء الخزينة الأميركية من البنك ما قيمته 500 ألف دولار من الأوراق المالية.
وفي أقل من شهر، تمكن هاميلتون، من الوصول لاستقرار سوق الأوراق المالية ومنع الذعر من التسبب في حدوث كساد في البلاد.
وباستغلال نفوذه كوزير للخزانة وإقناع عدد من البنوك بالاستمرار في تقديم ائتمانات أثناء فترة الأزمة، تمكن هاميلتون من تقليص المبلغ الذي أنفقته «لجنة الصندوق الغارق» بنحو 100 ألف إلى 243 ألف دولار، مقارنة بما تم إنفاقه خلال الذعر الأصغر في 1791. وبناء على نجاح هاميلتون في إدارة ذعر 1792، ينبغي على البنوك المركزية أن تقرض بحرية خلال الأزمات، مع وجود ضمانات قوية ونسبة من الغرامات، المعيار الذي لا يزال ذهبياً في إدارة الذعر المالي. تداعيات الأزمة تسبب الذعر، في حالة من الانكماش التجاري عم أرجاء المدن الساحلية الأميركية التي لم تتعاف حتى بعد 1800.
ولم تقتصر المعاناة على مستثمري مشاريع الأراضي فحسب، بل طالت أيضاً أصحاب المتاجر وعمال الأجور اليومية.
كما أن انتشار آثار الذعر لم تكن متساوية في أرجاء الاقتصاد، حيث عانت مدن الموانئ على طول الساحل الشرقي، أكثر من المناطق الريفية الداخلية، التي لم تتطور عندها شبكات الائتمان وسوق الصرف التي يمكن أن تجرها لأزمات في المستقبل.
وعكس الذعر أيضاً، الترابط الاقتصادي للجمهورية الوليدة مع أوروبا وتعرض الاقتصاد الأميركي اليافع لتداعيات الاضطرابات السياسية في أوروبا، التأثير الذي دفع توماس جيفرسون فيما بعد للتوقيع على قانون الحظر لسنة 1807.

اقرأ أيضا

"جارودا" الإندونيسية تلغي طلبية لشراء 49 طائرة من "بوينج 737 ماكس 8"