الاتحاد

الرياضي

روميلو مارتينز.. «ألم السنين»

أبوظبي (الاتحاد)

روميلو مارتينز أحد أصحاب الهمم الذين حضروا إلى أبوظبي للمشاركة في بطولتها العالمية العاشرة بآمال عريضة، وطموحات ليس لها حدود، في أن يرى الناس.. أن يحطم جدار الصمت الذي يحيط به، أن يتمرد على حالة الإحباط واليأس، أن يضرب له موعدا مع الابتسامة من القلب، هو لا يتحدث بسهولة.. فإعاقته تجعل مهمته في الحديث صعبة.. تخرج الكلمات من فمه وكأنها تخرج من نخاعه وقلبه.. جسمه كل يهتز عندما يتحدث.. كان سعيداً عندما بدأنا معه الحوار، لكنه سرعان ما انفجرت بداخله شحنات الألم، وآهات المعاناة.. توقفنا كثيراً في الحوار معه انتظاراً حتى ينتهي من البكاء.. حاولنا أن نبتعد ونهرب عن مكامن الشجن التي تثير أحزانه أو تنكأ جراحه.. لم يكن حواراً عادياً، ولكنه كان إبحاراً في عمق المحيط، وأحياناً تحليقاً في آفاق الفضاء.
قال روميلو مارتينز: «إن قصته مع رياضة الجو جيتسو بدأت منذ 20 عاماً، لأنه في الأصل مولود بالإعاقة،: لديَّ شلل جزئي في جسمي بالكامل، مارست اللعبة وأنا في 18 سنة كي أندمج مع المجتمع، كان ذلك بالنسبة لي فرصة للحياة، أمل في الغد.. وسيلة كي أدرك بأنني جزء من العالم، عرفت الجو جيتسو مع شقيقي، وتدربت معه، وتعلمت منه الكثير من الحركات، وكانت تلك الرياضة هي سلواي الوحيدة، فأنا لا أتحرك بسهولة، أسير بالكرسي المتحرك، لا أخرج من المنزل، ليس لدي أصدقاء إلا القليل، ليس هناك فرص للمتعة إلا من خلال ممارستي لتلك الرياضة.. كان أكثر ما يؤلمني أنني غير قادر على الاعتماد على نفسي، لابد أن يساعدني الآخرين كي أعيش، كي أتحرك».
وتابع: «عندما كنت طفلاً عانيت كثيراً جداً، فكان زملائي في المدرسة يسخرون من أعاقتي، يضحكون عليَّ في الفصل، على طريقتي في الحديث، وبطء حركتي، كنت أنتفض من الألم في هذه المواقف، أشعر بأنني ممزق من الداخل، يتهامسون من حولي، خصوصاً أنني كنت أنطق إجابات الأسئلة بصعوبة، كنت لا أفهم الدروس بالشكل الكامل، ولكنها كانت تتشكل في ذهني كسحب صيفية، ليس من السهل أن تمطر كي تعطي أسرار الحياة لنبات الأرض، هذه المشاعر جعلتني أبحث عن رياضة، وعندما وجدت الجو جيتسو متأخراً، عرفت أنها تساعدني على تجاوز كل هذه المشاعر، على تحدي أي شخص يريد أن يسخر مني، ردع أي إنسان يحاول أن يوجه إليَّ الظلم، استعادة الثقة التي فقدتها كثيرا بأفعال الموتورين الذين لا يعرفون أن هذه الإعاقة هدية من عند الله».
وقال: «ربما أكون شعرت بطعم الحياة من قبل مع أسرتي الصغيرة، وربما أكون قد وجدت الحنان من بعض المقربين مني، ولكنه كان يتحول أحياناً إلى مرارة في حلقي، حينما أكتشف بأنه اختلط بالشفقة.. شفقة الآخرين عليَّ.. أنا لا أريد أن يشفق عليَّ أحد، ولكني أريد أن يحبني الناس، أن يعتبروني سوياً.. أفكر جيداً.. أحب كل الناس.. ليس لدي أي خصومة مع أحد.. الدموع أقرب إلي من الكره والتفكير في الانتقام.. طموحاتي محدودة جداً.. برغم أنني أمارس الجو جيتسو منذ 20 عاماً.. لم أعرف أن هناك بطولة لأصحاب الهمم «الباراجو جيتسو» إلا في نوفمبر الماضي، في بطولة أبوظبي جراند سلام.. تم تخصيص فئة لأصحاب الهمم.. عرفت قبل البطولة بـ 8 أيام.. سارعت بالتسجيل.. كانت حلماً بالنسبة لي.. إنها المرة الأولى التي أخرج فيها من عزلتي.. وأغادر فيها مدينتي النائية لأتي إلى ريو دي جانيرو.. كان حلماً جميلًا».
وتحدث روميلو عن أهم لحظة في حياته ولحظة المجد الحقيقي التي يفتخر بها ويعتز بها أبنائه، وقال: «هي تلك اللحظة التي فزت فيها بذهبية ريو دي جانيرو، حينما صعدت إلى منصات التتويج.. حينما تقلدت الميدالية»، وأضاف: «كنت أريد أن أقول لأبنائي أنا بطل، من حقكم أن تفخروا بي، لا تشعروا بالخجل مني، كانت لحظات رائعة.. لا أعرف لماذا تختلط كل لحظات حياتي بالدموع.. ففي هذه اللحظة وعلى منصة التتويج انهمرت دموعي، ولكنها دموع الفرحة، عدت لأبنائي وأسرتي فخوراً بنفسي.. استقبلوني أحسن استقبال احتفلوا معي بالإنجاز، ومن هنا بدأت أتواصل مع بطولات أبوظبي، عرفت أنني يمكن أن أشارك في بطولات أخرى، أسافر لبطولتها العالمية.. كنت حريصاً للغاية أن أشارك في هذه النسخة حتى أخرج لأول مرة من البرازيل لأمارس رياضتي المفضلة.. أعيش الفرحة والمتعة في الحياة وأنافس أقراني خارج حدود بلادي.. كانت رحلتي إلى أبوظبي هي رحلة الصعود إلى قمة المجد، بحثت عن راعٍ لي حتى أحصل على قيمة تذكرة الحضور إلى هنا، وبعد عناء طويل وجدت أحد الأشخاص يعطيني ثمن التذكرة، ويفتح لي أبواب الفرحة على مصراعيها، لكني وجدت مشكلة كبيرة بعد التذكرة!!».
وأوضح «بعد الحصول على ثمن التذكرة قدمت أوراقي للحصول على التأشيرة، ولكنها تأخرت.. تأخرت وأنا أتعلق بالأمل، وأتمسك بالصبر، لم تأتيني التأشيرة إلا قبل السفر، كنت قد أنهيت كل متعلقاتي من دون أن أحصل عليها، حزمت حقائبي، تحركت إلى ريو دي جانيرو، قلت لنفسي إن جاءت في أي وقت يجب أن أكون مستعداً، وكان من الضروري أن أخطر شركة الطيران بالإلغاء أو التأجيل قبل فترة من الزمن كي انقذ تذكرتي، ولكن التأشيرة وصلت قبل السفر بـ4 ساعات فقط، وهنا التقطت أنفاسي، وشعرت بأن الحياة نفسها معركة، يجب أن نتحلى فيها بالصبر، ونتمسك فيها بالأمل والقوة».
تحدث روميلو صاحب الحزام البنفسجي عن أسرته، وقال: «نحن فقراء جداً.. لديَّ ابن وابنة.. أحياناً لا نجد ما نأكله في المساء.. ننام بلا عشاء، لكن الحياة تمضي، والأمل كبير في الأبناء إنهم أطفال الآن، لكنهم في المستقبل سيكونون رجالًا، سوف نصبر حتى يشتد عودهم، إنهم يمارسون الرياضات القتالية، واصلوا معي يهنئوني على الميدالية التي حصلت عليها في بطولة أبوظبي العالمية، يؤكدون لي إنهم يفتقدونني.. هي المرة الأولى التي أبتعد عنهم، أصدقائي في الأكاديمية التي أتدرب فيها، احتفلوا بإنجازي وتواصلوا معي عبر وسائل التواصل الاجتماعي».
وتابع: «أعمل في الخدمات البيطرية.. سعيد بعملي أذهب إليه كل يوم لكن راتبي منه محدود للغاية، وليس لنا أي مورد دخل آخر».
وأوضح «السعادة هي عنوان رياضتي التي أعشقها وأمضي معها وقتي وأنفق فيها أحلامي بالتتويج، وآمالي في توفير حياة أفضل لأبنائي، إن مطالبهم بسيطة جدا في الحياة، فأقصى أمنياتهم أن يكون لديهم «بلاي ستيشن»، وهنا توقف رميلو عن الكلام ولم يتمكن من إكمال حديثه معنا لأن الدموع غالبته، وسيطرت على المشهد، ولم تسمح له بكلمة واحدة بعد ذلك».

اقرأ أيضا

«السماوي».. «ملـك» إنجلترا و«صانع» التاريخ