الاتحاد

دنيا

الفراشات أجمل الكائنات

الفراشة واحدة من أجمل الكائنات التي فتنت الناس وأغرتهم بجمال أجنحتها الرقيقة ذات الألوان الجذابة، فكانت مصدرًا لإلهام الفنانين والشعراء على مر العصور· واحتلت مساحة واسعة في المعتقدات الدينية لدى الشعوب القديمة، فقدماء الإغريق، على سبيل المثال، كانوا يعتقدون أن الروح تغادر الجسد بعد الموت على شكل فراشة، ولذا كانوا يرمزون للروح بفتاة لها أجنحة فراشة· وفي السطور التالية أدعوكم للتعرف على الكثير من أسرارها ومفاجآتها وروعتها، بعد أن قمت بالتقاط صور عديدة لها في رحلتي الأخيرة إلى غابات تايلند، فيما شاءت المصادفة أن يقوم زميلي محمد البياتي بالتقاط باقة أخرى من الصور في حديقة الفراشات بماليزيا·
تعيش الفراشات في كل أنحاء العالم، في الغابات المدارية المطيرة، في الحقول والغابات وقمم الجبال الباردة، حتى في الصحارى الحارة حيث تهاجر لمسافات طويلة لقضاء الشتاء في المناطق الدافئة· ويوجد منها نحو 20 ألف نوع، أكبرها فراشة ''جناح طائر الملكة ألكسندرا'' التي تعيش في ''بابوا غينيا الجديدة'' ويبلغ طول جناحيها 28 سم· أما أصغرها فهي الفراشة القزمة الزرقاء التي تعيش في أميركا الشمالية، ويبلغ مدى جناحيها قرابة سنتيمتر واحد فقط· وتتلون الفراشات بكل ما يمكن تخيله من الألوان· والفراشات المكتملة تتغذى برحيق الأزهار فتساعد على تلقيحها، إذ تلتصق حبوب اللقاح بجسمها عند وقوفها على الأزهار لامتصاص الرحيق فتنتقل حبوب اللقاح من زهرة إلى أخرى· وتشمل الفصائل الرئيسية منها الأنواع: الواثبات، الزرقاوات، النحاسيات، المخططات، ذوات الأقدام الفُرْشِيّة، البيضاوات، ذوات العلامات المعدنية، حور الغاب، الفراشات خطافية الذيل، وغيرها·
حركة الفَراشة في الإبداع
يقول الشاعر محمود درويش في ديوانه ''في حضرة الغياب'': ''فاحملني كما حملتك الفراشات إلى مدارج الضوء، خفيفاً مثلها، كلما انبلج الصبح من ثقوب بابك الخشبي، وانهمرت ألوان طائرة لم تُعرف أسماؤها كخواطر سماوية مبعثرة، على حقول خالية من الجيش· هناك، حسبت أن الأرض تطير وترقص، فوقفت على صخرة وفتحت ذراعيك للريح وقفزت إلى أعلى لتطير، فأحاطت بك الفراشات كشقيقات، وأعانتك على الطيران''·
أما ''ادوارد لورنز'' فيقول: ''إذا نفضت فراشة في حوض نهر الأمازون جناحيها، فستؤثر على سرعة الريح واتجاهها في المنطقة التي تطير فيها، وتؤثر هذه نظرياً، على إعصار في ''نيو أورليانز''، وتسبب مطرا مفاجئا في جدة، وموجة برد في كلكتا''! أما فيلم '' تأثير الفراشة'' فيبدأ عرضه بالمقولة التالية: ''قيل أن شيئاً بسيطاً، كرفرفة جناحي فراشة، يمكن أن يسبب دماراً، في أقصى أنحاء العالم''!· أما قصة الفراشات والنار فهي عجيبة، ولم يعرف العلماء حتى الآن سبب انجذابها نحو الضوء· وهيئة انجذابها نحو النار رائعة حيث أنها تضحي بنفسها من اجل هواها، فالفراشة ترى في تلك النار نورا مبهرا يسحرها كالحب·
معجزة في الطيران
أثبت العلماء بعد توصيل أجهزة إرسال دقيقة بالفراشات أنها لا تحلق بدون هدف بل تتبع مسارات دقيقة، وكأنما جرى تخطيطها سلفا· كما أنها تقوم برحلات سريعة تحليقية ''موجهة'' للهدف خلال مهام جمع الغذاء، فللفراشة زوجان من الأجنحة الأمامية والخلفية، ولذلك لا يوجد شيء برقة وأناقة رقصها في النسيم· وبعد قضاء عدة سنوات في التقاط صور رقمية فائقة السرعة لفراشات بحالة الطيران وللحركات الدقيقة واللولبية لأجنحتها، بينت البحوث أن فراشة ''الأميرال الأحمر'' تتمتع برشاقة مذهلة وحركات معقدة أثناء طيرانها، فهي لا تستخدم عدة حركات أجنحة مختلفة فقط، وإنما تستخدمها في حركات متتالية، ففراشة واحدة تستخدم كل الأساليب الجوية المعروفة للطيران في عالمنا المتطور، وزيادة على السرعة والتحول من حركة لأخرى بلمح البصر، تتبع الفراشة أسلوبا يشبه أسلوب لاعب الجمباز، فتغير النمط دون ترتيب متسلسل· وتستطيع إجراء مناورات معقدة باستخدام نظام سيطرة عصبي ودماغي بسيط جدا، وإذا استطاع مهندسو الطيران فهم هذه العملية فستحدث ثورة جديدة في عالم الطيران·
غزل حياة الجميلات
تتمحور حياة الفراشة المكتملة النمو حول التكاثر الذي يبدأ بالمغازلة حين يبحث الفراش عن أليف من أجل التزاوج· ويعتمد الغزل على إشارات بصرية وتشكيلات لونية على أجنحة الفراش بترتيب معين، يعتمد على انعكاس أشعة الضوء فوق البنفسجية من حراشف الأجنحة· ومن الغريب أن الذكر يموت بعد التزاوج بفترة وجيزة لتطير الأنثى لوضع بيضها· ولا تستطيع العين البشرية التقاط تلك الإشارات التي تراها الفراشات بوضوح، وتساعدها في تمييز الذكور والإناث أو الأنواع المختلفة· وتعيش معظم الفراشات أسبوعاً أو أسبوعين فقط، وهناك أنواع أخرى تعيش ما يقرب من 18 شهرا· وتتغذى معظمها بالرحيق فقط، لأنه يمنحها طاقة سريعة، وهناك أنواع لا تتغذى بأي شيء قط، بل تعتمد على ما اختزنته من غذاء أثناء الطور اليرقي!·

حرب الألوان

رغم أن معظم الفراشات تنشط نهارًا إلا أنها تلجأ للتلوين الوقائي ليساعدها على الهروب من أعدائها كالحشرات والطيور، فتصعب رؤيتها لتلونها بألوان متمازجة مع ألوان البيئة المحيطة بها· وقد يتضمن نمط طيران الفراشة عوامل عشوائية تفاديا لجذب انتباه الحشرات المفترسة· ولا تستطيع الفراشات أن تعيش حياة نشطة في الجو البارد، ولذا يتعين عليها إما السبات الشتوي أو الهجرة إلى مناطق دافئة، وتمضي الفراشات فصل الشتاء في الراحة والمحافظة على طاقاتها استعداداً لطيران العودة في الربيع·

اقرأ أيضا